|
خطبة المفاهيم الخاطئة أوصلتنا إلى أين ؟
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الخطبة الأولى
أما بعد فيا عباد الله /
يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه [ إن سبب ضلال ابن آدم هو الأقيسة الفاسدة ، واتباع الهوى ] فإذا ما نظرت إلى هذه العبارة التي صدرت من هذا العالم الجليل ، تجعلك تقف عندها وتتأملها ، ما مستندها ؟ وما مبناها ؟ وما التداعيات التي تحيط بها ؟
اعلم / أن هذا الرجل إذا تحدث في الغالب إنما يتحدث من واقع تجربة ، بل من واقع دليل ، وصدق في مقولته هذه إذ قال [ إن سبب ضلال ابن آدم هو الأقيسة الفاسدة واتباع الهوى ] ثم هي أيضا مأثورة عن الإمام أحمد رحمه الله ، لأن الله جل وعلا يقول { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } فإبليس لما أدخل عقله وأزه كبره لم يمتثل لأمر الله جل وعلا بالسجود لآدم ، دفعه إلى ذلك الهوى{ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } دفعه إلى ذلك القياس الفاسد العقلي فقال { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فما هي العاقبة ؟ وما هي النتيجة ؟ أن سخط الله عليه ، وأحلت به لعنة الله جل وعلا ،
إذاً / سبب ضلال ابن آدم من قاعدة إبليسية مدارها اتباع الهوى والآراء الضالة {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } فجعل إبليس ينشر هذه القاعدة في صفوف فئام وفئات من بني آدم فأضلهم وضلهم ،
وهكذا تعرف عبد الله / أن كل ضال إنما دفعه إلى هذا الضلال إما هوى من دافع شهوة ، وإما على قياس من دوافع شبهة ، ومن ثم أمرنا الله جل وعلا باستهدائه صراطه المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم ، لأنهم تابعوا الدليل واتبعوه وسلمت أفئدتهم وانصاعت حركاتهم وأقوالهم وأنفاسهم لله جل وعلا ، ثم استثنى المغضوب عليهم وهم اليهود ، واستثنى الضالين الذين هم النصارى ، لماذا ؟ لأن اليهود علموا الحق فأعرضوا عنه لهوى ، وأما النصارى فإنهم أدخلوا عقولهم فكانوا جهالا فقاسوا عيسى بن مريم بالله جل وعلا، ولم يقدروا الله حق قدره .
فانظر رعاك الله كيف خرجت هذه العبارة التي دلت وحوت على ما سبق ذكره آنفا ، فشيخ الإسلام رحمة الله عليه عاش في مجتمع كله انحراف عقدي إلا ما رحم ربي ، عايش المناطقة والفلاسفة واليونان ، تصدى للآراء الفرق الضالة من الجهمية والمعتزلة والحلولية والرافضة وغيرهم ، فجاءت هذه العبارة في مضامينها تظهر الحقائق وتبرز الزيف في كل عصر وفي كل حين ، بل له عبارة تتضامن وتتزامن مع هذه العبارة إذا قال [ إن ابن آدم أصله الظلم والجهل ] وصدق لأن الله جل وعلا يقول { وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } فالإنسان باعتبار ذاته فيه الظلم وفيه الجهل ، لكن باعتبار توفيق الله وهداية الله جل وعلا يرتفع من ذلك إلى العدل وإلى العلم وإلى التقى ،
عباد الله / دين الله جل وعلا عظيم ، وفي نفس الوقت عزيز لا يخضع ولا يُخضع لآراء وأهواء فاسدة ، بل أحيط بسياج منيع لا يحق لأحد أن يخترقه بهواه وبمزاعمه ، فمن فعل فقد ضل وخسر خسرانا مبينا ، والأمثلة من لدن إبليس إلى عصرنا هذا خير شاهد على تفاوت ضلال تلك الفرق وانحرافهم كثرة وقلة ، عظمة وكثرة ، فمن أراد الهداية والنور والسعادة ، بل من أراد الخير كله في الدنيا وفي الآخرة فليكن الشرع دليله والسنة قاعدته يدور في محيطهما ويتقلب فيهما وإلا غرق في مستنقعات وبراثن الزيغ والانحراف والضلال ، وصدق الإمام مالك رحمه الله إذ يقال [ السنة مثل سفينة نوح من ركبها فقد نجا ومن لم يركبها فقد هلك ] {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } فأنت عبد الله / في زمن قد اختلفت فيه معاييره وتنوعت فيه فهوم أصحابه فخلطوا [ الحابل بالنابل] فأصبح مَنْ ليس بأهل يتحدث وكأنه أعلم الناس ، صار من ليس أهلا ينطق ويتفوه وكأنه أفقه الناس ، وهذه مصيبة نجني ثمارها المرة في هذا العصر ، نتيجة الانفلات والضياع الفكري والعقلي والعلمي ، الذي سببه القنوات الفضائية والإنترنت ، ولا رادع لهذا الضياع ولا رجوع من هذا الانفلات إلا بالعيش في دائرة الكتاب والسنة ، ( تركت فيكم ما إن اعتصمت به فلن تضلوا كتاب الله وسنتي ) ( أمتهوكون أنتم ؟ والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) وأقول : من أراد الرفاهية والأمن التي تستهدفه في هذا الزمن في بلادنا ، تستهدفه فئة باغية ضالة تريد إعدامه ، فعليكم جميعا كبارا وصغارا ، سادة ومسودين ، رؤساء ومرؤوسين ، أن تعودوا إلى الله عوداً حميداً حثيثاً صادقاً {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } وتلك سنة الله جل وعلا مَنْ انتقص من دينه انتُقِصَ من أمره بقدر من انتقص من دين الله ، ولذا قال جل وعلا {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} لم؟ {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف}ٍ فأنتم تعرفون ما جرى في مطلع هذا الأسبوع وما ختم به من اعتداءات صارخة على بلادنا سبقتهب اعتداءات أعظم وأفظع في الجرم تستهدف أمن هذه البلاد حرسها الله ، فتلاحقت وتتابعت هذه الاعتداءات وإن كان لي حديث عما جرى وعما يجري فهو حديث أجريه من وراء الأحداث ، سبق مرارا وأن نددنا وأن غلظنا أو فظعنا القول في هذه الجرائم ، ولا يزال التنديد والانكار قائما ، إذ يرفض هذه الاعتداءات الشرع والعقل والعرف ،
ولكن -عباد الله- إن كان ثمت حديث فهو حديث ألخصه وأجمله في نقاط من وراء هذه الأحداث ،
النقطة الأولى : متى كانت ؟ سبحان الله / متى كانت المعارك والغزوات في بلاد المسلمين تقام ضد المسلمين ؟ أي دين وأي عقل وأي فهم يقول بهذا ؟! تنزيل للمسميات الشرعية في غير موضعها ، هجوم صارخ على شريعة الله جل وعلا ، كل ذلك مبناه حتى تدرك خطر هذا الفكر الضال ، كل ذلك مبناه على الجهل بمعاني الشرع ، فهذا دليل وبرهان مبين على خطر هذه الفئة الضالة ، ليس هذا الخطر محدقا فقط في البلاد ، بل بديننا كله لم ؟ لأن مسميات الشرع ومصطلحاته أصبحت لعبة ومهزلة لهؤلاء يضعونها حيثما شاءوا ، فاتضح الحق وزال الشك واضمحل الباطل الذي أبرز هذا المعتقد الفاسد وهذا المقصد السيئ ، فالإسلام من هذه الأفعال بريء إذ هتكوا حرمته وقداسته وخلطوا وخلّطوا مفاهيمه وحقائقه وأرضخوها ترويجا لباطلهم .
النقطة الثانية : وهو سؤال في سؤال ، ماذا يريد هؤلاء ؟
الجواب عن هذا السؤال واضح مبين صريح / يريدون إضعاف الإسلام وأهله ، يريدون تشويه صورة الإسلام ، يريدون هدم معقل الإسلام ورمز أهله ، هذه البلاد التي قامت بالله ثم بدماء الآباء والأجداد ، ضحوا بدمائهم حتى تتحد وتتآلف على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، يريدون بها سوءا ، ولا نرى تفسيرا لما يجري غير هذا، وإلا فأحق من وجهت إليه هذه الضربات هم الأعداء لا الإخوان ، أحق من وجهت إليه هذه الضربات هي إسرائيل التي تقتل المسلمين صباح مساء، هذا إن كانوا صادقين في مزاعمهم أن نواياهم حسنة ، ما هذا الخلط ؟ وما هذا الضلال ؟ أن تستهدف بلاد المسلمين التي هي الآن رمز المسلمين ، فهي بلاد الحرمين التي حضنت المسلمين ، هذه البلد التي أعطت وضحت وواست وقدمت ، تستهدف من قبل هؤلاء الضلال! فبلغ عطاء هذه الدولة كل مسلم على وجه هذه البسيطة ، فقل لي بربك ماذا يبقى للمسلمين إذا قوضت قاعدة هذه البلاد ؟ فبلاد الحرمين واجب حمايتها على الجميع ، وهذا الوجوب ليس منوطا بنا نحن السعوديين ، بل كل مسلم يجب عليه أن ينافح وأن يدافع عنها ، لماذا ؟
أولا : لأنها بلد إسلامي ، ولا خير فيمن فرق بين بلدة وأخرى بحجة أنه لا يعيش فيها ، أو لا ينتمي إليها ، فالمسلم أخو المسلم ، والنصوص في هذه المعاني كثيرة
ثانيا : هي البلاد التي رفعت راية التوحيد ولوحت بأعلامه في كل صقع من بقاع الأرض ، بنت المساجد ، أقامت دور التحفيظ ، ليس في بلادها فحسب بل في بلاد المسلمين ، بل في بلاد الكفر التي فيها الأقليات المسلمة ، فحمياتها والذود عنها من أوجب الواجبات ، كيف ونحن نعيش في زمن قد كشر العدو بأنيابه وأصبح ينتظر الفرصة حتى يلتقم المسلمين فردا فردا ؟ تصوروا لو قدر الله لو نخرت هذه البلاد من أصولها ، ماذا يبقى للمسلمين بعد الله جل وعلا ؟ هؤلاء في الحقيقة يقدمون خدمة جليلة لليهود وأعوانهم ، وليعلم الجميع أنه متى ما استهدفت هذه البلاد فبلاد المسلمين كلها مستهدفة شعوبا وأرضا واقتصادا ، رموا بأنفسهم في الانتحار بحجة الجهاد ، ما هو هذا الجهاد؟ وأين هذا الجهاد ؟ يُقتل المسلم ويقال هذا جهاد ، يُقتل الطفل البريء ويقال هذا جهاد ، تُدمر الممتلكات التي هي حق مشاع لجميع المسلمين وليست لجهة معينة ويقال هذا جهاد ، هذا عدوان ، بغي ، ظلم ، عار وشنار ، يقولون : سنخرج العدو من بلادنا ، وهم بفعلهم هذا يأتون بالعدو إلينا ، لأن العدو الآن في أعلى مقامات السعادة يطرب فرحا ، لماذا ؟ لأن المسلمين ولاسيما في هذه البلاد التي هي معقل الإسلام قد انشغل بعضهم ببعض وكفوهم مؤونة حربهم ، حتى إذا نهكت قوى الفريقين سنحت للعدو فرصته ، وتاحت له أمنيته ، يقولون : نريد إعزاز الدين ، وهم في الحقيقة يضعفونه إذ صرفت هذه الجرائم كثيرا ممن يريد الدخول في الدين ، لأنه لما رأى هذه الشنائع ، تصورت له صورة بأن دين الإسلام هو دين الترويع والقتل ، فانظروا ماذا جنت الأمة من هذا الضلالات ؟ ولكن {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }
هذا الأسبوع / في مطلعه في [ الخبر] وفي نهايته في الطائف وفي الرياض ، ومن قبلها في الرياض ، ومن قبلها في جدة ، ومن قبلها في مكة ، هذه البلدة المقدسة [ مكة المكرمة ] التي أمرنا الله جل وعلا بأن نؤمِّن من دخل فيها ، أين الإيمان الذي يحمله هؤلاء ؟ { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } هذه البلدة [ مكة المكرمة ] تستهدف من قبل هؤلاء وقد دعا لها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأن يجعلها بلدا أمنا ، جراح كلما قلنا اندمل بعضها انفجر غيرها ، أيُّ نصرة للدين ؟ وأيُّ حماية له ؟ والناشئة ترى أمام الشاشات تلك الدماء المتقاطرة والأشلاء المتناثرة من قوم يزعمون أنهم على الهدى وينسبونها إلى الإسلام ، ماذا سيحمله هذا الطفل من أفكار ومن تصورات في مستقبله عن دينه الذي يثنى عليه صباح مساء ؟ بل صد كثير من الشباب عن الاستقامة بهذا الدين نتيجة ما حدث وإني في هذا المقام وهي ....
النقطة الثالثة : أقول : يجب على كل أب ومربي أن يكشف الحقيقة لهؤلاء الناشئة وأن يبين أن ما جرى لا يمت للإسلام بأي صلة ، حتى يبقى هذا الدين معظما في نفوس أبنائه فلا تهزه مقولة مغرض، ولا تصده أفعال مجرم ، أما أن يرى الطفل هذه الجرائم ويُسكت عنها فهذا خطر عظيم ، فقد ينشأ عند هذا الطفل أن هذه الأشياء من واجبات الدين والإسلام منها برئ ، وفي المقابل وهي ....
النقطة الرابعة : ألا نعالج الخطأ بخطأ أكبر منه ، لأن البعض من الآباء لما رأى ما رأى استهاله ما رأى واستعظم هذه الأحداث ، فمنع أبناءه من الاستقامة على الدين خيفة عليه ، وهذا جرم عظيم سيسأل عنه أمام رب العالمين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } متى كانت هذه الزوابع الهشة تمنعنا من التمسك بديننا ؟ متى كانت هذه الضلالات الهشة تمنعنا من الافتخار بديننا ؟ فالحذر الحذر من الخلط الذي يزيد الشر ولا يقلله ، بل ما يجرى ، أقول يجب أن يكون عاملا لنا من عوامل القوة ، يجب أن يكون منطلقا لنا للتمسك بالدين في هذا الوقت أكثر من ذي قبل ، وإلا والله لن تجد النجاة والعصمة لا هنا ولا هناك ، العصمة إنما هي في دين الله جل وعلا ، فدعوة عاجلة حثيثة سريعة منك لأبنائك حتى يستقيموا على شرع الله مع رعاية أفكارهم وعقولهم ،
وهذا أيضا يدعوني إلى توجيه سريع عاجل إلى بعض الإعلاميين وهي
النقطة الخامسة : ألا فليتق الله بعض الإعلاميين في أنفسهم وفي مجتمعهم ، فما جرى وما يجري لا يُحَمَّل أهل الدين ما لا يحتملون ، بزغت فئة ، نزرة يسيرة ففعلت ما فعلت ، فجعل هؤلاء أنفسهم في مقام المتهجمين على أهل الخير ، ولكأن أهل الخير هم الغالبية العظمى الذين فعلوا هذه الجرائم ، ولكأن هذه التصرفات إنما فعلها أهل الخير ، فهم يريدون العلاج وقد جانبوا العلاج ، نسمع في صحفنا وللأسف من بعض الصحفيين من يطعن في المراكز الصيفية ، تلك المراكز التي تحتضن الشباب من الفساد ، تحتضن الشباب تحت رعاية مشرفين أكفاء تحت سقف وزارة حكومية ، البعض ربط ما يجري بحلقات التحفيظ ولكأن حلقات التحفيظ هي التي تفرخ وتنشأ هذه الضلالات وهذه الخرافات ، وهذا والله لا يزيد إلا الشر ، ويشعل الفتن ، لأن مثل هذه الكتابات والمقالات تؤجج في النفوس زعزعة تحمل حنقا وغضبا على كاتبيها ، تريد العلاج ، ليس هذا هو العلاج
|
ما هكذا يا سعد تورد الإبل |
* |
أوردها سعد وسعد مشتمل |
ثم إن أهل الخير برآء من هؤلاء ومن أفعالهم ، ولله الحمد انظروا إلى علمائنا وإلى خطبائنا وإلى دعاتنا كيف كانت مواقفهم ؟ وكيف كانت أقوالهم ؟ وكيف كانت حرقتهم لما يجري من هؤلاء ؟ نعم ، لأن البعض وللأسف من هؤلاء الصحفيين قد عزا ما يجري إلى المقررات الدراسية الدينية ، سبحان الله / نسبة قليلة ضالة من المجتمع ما ندري هل نشأت على الخير أم لم تنشأ ؟ تنسب أفعالها وجرائمها إلى مقرراتنا الشرعية إذاً / إذا كان هذا الأمر بهذه الطريقة وبهذه الطريقة ، إذاً يلزمك إذا أخطأ آحاد من [ الشرطة] فعمم الحكم على الجميع ، إذاً يلزمك إذا أخطأ بعض الموظفين في دائرة معينة فاسحب الحكم على جميع الموظفين ، هذا ظلم وبغي ، والله سيسأل كل إنسان عما كتب وعما قال، تربى علماؤنا على هذه المقررات الدراسية فما رأينا إلا خيرا ، تربى الآن من هم في المناصب العليا والذين نفع الله بهم على هذه المقررات الشرعية ، فلم نر إلا خيرا ، فالحذر الحذر من الخلط الذي لا يبني وإنما يهدم ،
|
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟ |
* |
متى يبلغ البنيان يوما تمامه |
لأنه إذا تهجم على الإسلام في صحفنا والناس سكوت زاد الشر ، ونحن في مقام المعالجين لا في مقام الهادمين ، هذا إذا أردنا أن نكون في عافية مما يجري ، إذا أردنا أن نقطع دابر هذه الضلالات ، لأن من المصاب ومن البلايا أن نسمع في بلاد المسلمين في بعض صحفها من الصحفيين من يطعن في دينها ، هذا الدين الذي هو مصدر وقوة هذه البلاد يطعن فيه ، فعودة صادقة يا مَنْ تطاول على شرع الله فـ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) حتى نكون منصفين في إصدار الأحكام على الآخرين ، لأن الإعلام سلاح ذو حدين ، تصوروا لو أن هذا الإعلام بجميع مؤسساته سخر وقته وجهده وطاقته لإبراز حقائق الإسلام والتمسك بهذا الدين ، ومن ثم ينطلق من هذا إلى إبراز وكشف هذه الضلالات لقضي على الشر ، ومن هنا أنطلق إلى ....
النقطة السادسة : وهي دعوة إلى من كان في قلبه ميول إلى هذه الفئة الضالة ، أو إلى استملاح أو استعطاف لما فعلوا ، ألا فليتق الله جل وعلا بعدما سمع من أحاديث ، فالإنسان محاسب أمام رب العالمين ( لعن الله من آوى محدثا ) فكيف بمن أحدث بنفسه ؟ فإن شئت أن تكون على الهدى فالزم الكتاب والسنة ، لا الشبه ، لا العواطف ، لا الهوى ، إن كان لدى أحد شبهة فليأتِ إلى العلماء الربانيين الذي اتبعوا الدليل وتابعوه ، حتى يحرقوا شبهاته بنور العلم والإيمان ، حتى تبرأ ذمتك أمام رب العالمين ، أما أن ينطلق الإنسان من فكره ومن هواه لا عن علم ولا عن فقه ولا عن دراية فهو قد عرض نفسه للبوار{ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ولنا في سلفنا قدوة حسنة ، في المسند وفي السنن عبد الله بن فيروز الديلمي قال ( أتيت إلى أُبي بن كعب فقلت إني أجد في نفسي شيئا من القدر ) فيه شبهة لدي عن الإيمان بالقدر خيره وشره ، فماذا قال له ؟ انظر إلى عبد الله بن فيروز يأتي إلى العلماء الأجلاء الربانيين ( فقال أُبي : اعلم أنه لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار ، قال : فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكلهم حدثني عن النبي عليه الصلاة والسلام بمثل ذلك )
ثم في المقابل دعوة إلى طلاب العلم وإلى العلماء إذا حضر لديهم شاب لديه ملابسات وشكك وشبهات أن يفتح له صدره وأن يتيح له الكلام حتى يبرز ما في صدره من مكنون فتكون الإجابة شافية لهذا الشاب ، ولغيره من جلسائه ، وبهذا نحصل بإذن الله جل وعلا على العلاج ، فتبقى هذه البلاد منارا للإسلام وأهله ، ومنطلقا لشرع الله جل وعلا ، وهي قائمة وسائرا بإذن الله جل وعلا ،
ثم في النهاية / هذا قضاء الله وقدره ، وكما استفتحت هذه الخطبة الأولى بمقولة عن شيخ الإسلام رحمة الله عليه ، أختمها بمقولة له ، قال رحمه الله [ إن ما يجريه الله جل وعلا من اعتداءات على المسلمين من قبل أعدائهم ، فهذا قضاء الله وقدره ، ويجب أن نرضى به ، وفي المقابل يجب علينا أن نصده وأن ندفعه ] انتهى كلامه رحمه الله ،
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله /
يجب أن ننكر أشد النكير على ظاهرة خرجت في هذا العصر ، وقد وفدت إلينا من خارج البلاد ، هذه الظاهرة هي ظاهرة [ التكفير] فخطرها عظيم ، لأن هذه الظاهرة تخرج المسلم من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر ، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ، فإن كان كما قال وإلا رجعت إليه )
قال بعض العلماء : هذا الحديث من باب الوعيد ،
وقال البعض : بل إنه يكفر إذا وجه كلمة الكفر إلى أخيه المسلم ولم يكن كذلك ، لماذا ؟ لأنه وصف الإيمان الذي في قلب أخيه المسلم ، وصف الإيمان بأنه كفر ، ووصف الإيمان بالكفر هو كفر ، فلا يجوز تكفير المسلم مهما أتى بالجرائم العظام لأن الواجب على المسلم أن يناصح أخاه المسلم إذا وجده على خطيئة ، وهذا منطلقه من قاعدة الدين ( الدين النصيحة ) فإن لم يمتثل فادعو له إنما عليك البلاغ، فمعتقد أهل السنة والجماعة [ التحذير من تكفير المسلمين ] قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه في الفتاوى [ وعلم الله أني ما جلست مجلسا إلا حذرت ونهيت من أن ينسب إلى مسلم تكفير أو تفسيق أو تبديع حتى يتوفر السبب وينتفي المانع ] وقوله [ حتى يتوفر السبب وينتفي المانع] هذا يدل على أن هناك من قد يخرج عن دين الله جل وعلا ، وإلا لما كان هناك أي معنى لباب عند الفقهاء [ باب أحكام المرتدين ] لأن معتقد أهل السنة والجماعة وسط في نصوص الوعيد بين [الخوارج] الذين يقولون بتكفير صاحب الكبيرة ، وبين [المرجئة] الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب ، فمَنْ توفر فيه سبب الكفر وانتفى عنه المانع فيجب أن يُكفّر لمقتضى قوله عليه الصلاة والسلام ( مَنْ بدل دينه فاقتلوه ) قال الطحاوي رحمه الله في عقيدة أهل السنة والجماعة في حكم التكفير قال [ ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ، ولا نشهد عليه بكفر ، ولا بنفاق ، ولا بشرك ما لم يظهر لنا شيء من ذلك ونذر سرائرهم لله جل وعلا ، ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف ]
فظاهرة التكفير عباد الله / وفدت إلينا من الخارج ولم تنبع من الداخل، وأصبحت مستساغة لا أقام الله لها راية ، ولا رفع الله لها ولاية ، ثم إنه مما يضحك ويبكي في نفس الوقت / أن ينسب الكفر إلى ولاة أمرنا وإلى علمائنا ، سبحان الله / إذا أصبح هؤلاء أئمة التنفيذ وأئمة التبيين كفارا ، فمن للأمة بعد الله جل وعلا في القيام بشؤونها ؟ فالعلماء لهم حقوق ، والولاة لهم حقوق ، واسمع إلى هذه النصوص يقول الله جل وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } وقد قال عليه الصلاة والسلام في نصوص كثيرة صريحة في بين فيها حقوق الولاة ففي الصحاح وفي غيرها قال عليه الصلاة والسلام ( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) ( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) ( من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية ) ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) ( عليك السمع والطاعة في يسرك وفي عسرك وفي منشطك وفي مكرهك وفي أثرة عليك ) ( من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ) ( قال رجل يا رسول الله أرأيت إن قام علينا أمراء يطالبوننا بحقهم ويمنعوننا حقنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: اسمعوا وأطيعوا فإن عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حمِّلتم) ( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ، قالوا يا رسول الله كيف بمن أدرك ذلك منّا ؟ قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الحق الذي لكم ) ( اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ) ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني ) ( من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) ( من أهان السلطان أهانه الله )
فهذه الأحاديث عباد الله/ تدل على أن الإسلام حريص على استتباب الأمن ، وتُحَرِّم إثارة الفتن ، وتحرم الخروج على الولاة بسبب بعض الأخطاء التي لا توجب عزلهم ، اسمع إلى الإمام أحمد رحمه الله إمام أهل السنة في معتقد أهل السنة في كتابه [ أصول السنة ] قال [ والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ، وصرف الفيء ، وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضي ، ليس لأحد أن يطعن عليهم وأن ينازعهم ، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة من دفعها إليهم أجزأته برا كان أو فاجرا ، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فشق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مات هذا الخارج مات ميتة جاهلية ، ولا يحل قتال السلطان ولا يحل الخروج عليه لأحد من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريقة ] انتهى كلامه رحمه الله ، قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية [ يرون ] يعني أهل السنة والجماعة [ يرون إقامة الحج والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا ، ويحافظون على الجماعات ويدينون بالنصح للأمة ] انتهى كلامه رحمه الله ، قال بعض السلف [ إذا سمعت الرجل يدعو على السلطان فاعلم بأنه صاحب هوى ، وإذا رأيت رجلا يدعو للسلطان فاعلم بأنه صاحب سنة ] قال الطحاوي رحمه الله في معتقد أهل السنة والجماعة في بيان حقوق الولاة قال [ ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم وأن طاعتهم فريضة من طاعة الله جل وعلا ما لم يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا ] ثم قال في نهاية هذه العقيدة [ فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا ونحن برآء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه ] ثم قال عن الفرقة الضالة [هم عندنا ضلال وأردياء وبالله العصمة والتوفيق ]
وأخيرا عباد الله / يجب أن نوقر العلماء وأن نعرف مكانتهم وأن نرفع شأنهم كما رفعهم الله جل وعلا { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون } { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } وفي سنن أبي داود والترمذي قال عليه الصلاة والسلام ( ليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه ) فيجب الالتفاف حول العلماء وأن تسلم الألسنة وأن تصان عن أعراضهم .
الخاتمة : ...... |