الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
التوحيد الموسع
الشرح الموسع لكتاب التوحيد الدرس ( 19 ) قال ابن مسعود " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ ...)

التوحيد الموسع لكتاب التوحيد

الدرس ( 19 )

قال ابن مسعود رضي الله عنه : " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى قوله : { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً }

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ثم أورد المصنف رحمه الله قول ابن مسعود رضي الله عنه :

 ( من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى قوله : { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً }

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :

هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي  ، ويُكنى بـ " أبي عبد الرحمن " ، شهد بدراً وما بعدها ، وكان من السابقين إلى الإسلام ، وكان من أعلم الصحابة بكتاب الله عز وجل ، ولذا قال : ( ما من آية من كتاب الله عز وجل إلا وأنا أعلم أين ومتى نزلت ، ولو أعلم أحداً أكثر مني علماً بكتاب الله عز وجل تبلغه المطايا لأتيته )

ولا أدلَّ من قوله رضي الله عنه : ( من أراد علم الأولين والآخرين فليُثور هذا القرآن )

مأخوذ من التثوير والتمعن والتدقيق والتدبر ، وذلك كتقليب الثور الأرض أثناء الزراعة - وصدق رضي الله عنه - ولذا سمى الله عز وجل كتابه بما بما يقارب عشرين اسماً  وقد تزيد .

وهو ممن خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، " وكان صاحب نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم "

أمّره عمر رضي الله عنه على الكوفة ، وتوفي سنة " اثنتين وثلاثين من الهجرة .

وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( من أراد أن يقرأ القرآن غضا ) يعني طريا ( كما أُنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد  )

وقال رضي الله عنه (  لقد حفظت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سبعين سورة " )

ومناقبه رضي الله عنه كثيرة

فقوله رضي الله عنه : ( من أراد )

وفي رواية : ( من سره )

ولا تنافي بين الروايتين .

فقوله : ( من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم )

هذا القول له سبب :

وسببه : أن النبي صلى الله عليه وسلم  كما عند البخاري ( قال في مرض موته أحضروا لي كتاباً أكتب لكم حتى لا تضلوا بعدي ، فكثر القول واللغط عنده عليه الصلاة والسلام ، إذ قال عمر رضي الله عنه حسبنا كتاب الله ، فقد بلغ بالنبي عليه الصلاة والسلام من الوجع ما بلغ "

فقال عليه الصلاة والسلام : اخرجوا ، فإنه لا ينبغي الاختلاف عندي "

فقال ابن عباس رضي الله عنهما : " إن الرزية كل الرزية من حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب "

فقال ابن مسعود هذا القول )

ولاشك أن عمر رضي الله عنه – كما قال بعض المحققين – أفقه من ابن عباس ؛ لأن ابن عباس عتب على من حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الكتابة ، والذي حال في ذلك هو " عمر " رضي الله عنه .

وهذا الكتاب أقرب ما قيل فيه : " إنه كتابته عليه الصلاة والسلام بتولية أبي بكر بعده "

ولذا قال عليه الصلاة والسلام لعائشة : ( أحضري لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أن يكون أبا بكر )

يعني الخليفة من بعده 

فقال ابن مسعود هذا القول : ( من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم )

الوصية – كما سبق – هي الأمر المقرر المؤكد للاهتمام به .

فيفهم من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصى ، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يوص ، بمعنى لم يوص وصية مكتوبة ، وإلا فقد أوصى في آخر حياته فقال : ( الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم )

وأوصى بغيرها من الوصايا القولية .

أما الوصية المكتوبة :

فلم يوص عليه الصلاة والسلام ، خلافاً لما زعمته الروافض  من أنه أوصى بالخلافة لعلي رضي الله عنه ، فحرقها أبو بكر وعمر كما زعموا

وأكبر وأعظم برهان على بطلان قولهم : ما جاء في صحيح البخاري :

( أن أبا جحيفة سأل علياً رضي الله عنه : " هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟

فقال علي رضي الله عنه : والذي خلق الحبة ، وبرأ النسمة ما أوصى بشيء إلا فهما يؤتيه الله في كتابه ، أو ما في هذه الصحيفة

قال : وما فيها ؟

قال : فيها فكاك الأسير والعقل وألا يُقتل مسلم بكافر )

ومعنى العقل : أي أن الدية على العاقلة .

فلو كان كما قالوا – وكذبوا في قولهم - لما قال علي رضي الله عنه هذا القول .

بل يلزم - على قولهم - أن يطعنوا في علي رضي الله عنه ؛ لأنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة من بعده ،ولم ينفذ هذه الوصية .

وهذا القول من ابن مسعود رضي الله عنه : يُشكل  فكيف يقول ( وصية محمد صلى الله عليه وسلم ) ويؤكد ويقول : ( التي عليها خاتمه ) ؟!

والجواب عن هذا الأثر :

أولا : أن هذا الحديث : أخرجه الترمذي ، وحسنه .

وبعض العلماء يضعفه ، وممن يضعفه الألباني رحمه الله .

فعلى القول بتضعيفه فلا حجة في الضعيف ، ومن ثَم يلتغي الإشكال .

وعلى تقدير صحته – وهو التوجيه الثاني :

فيقال : " إن وصية النبي صلى الله عليه وسلم هي وصية ربه عز وجل ، فيكون هذا القول من ابن مسعود رضي الله عنه بمنزلة التبيين والتقرير والتأكيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أوصى بشيء ما كان ليوصي بغير وصية الله عز وجل "

وما هي وصية الله عز وجل ؟ ما سبق في الآيات السابقة .

ولذا قال : ( من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى قوله : { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً } .

الآيات الثلاث التي سبق شرحها .

ومن ثَمّ فيكون إيراد المصنف رحمه الله لهذا الأثر إيراداً مناسباً حسناً ، فجعله تحت هذا الباب ، وهو باب : " كتاب التوحيد " ؛ لأن التوحيد هو " وصية النبي صلى الله عليه وسلم  كما أن التوحيد هو وصية الله عز وجل ، ولذا قال عز وجل : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80]

فقوله رضي الله عنه : (  إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم  )

( محمد )

هو اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ، وسبق الحديث باستفاضة حول أسمائه عليه الصلاة والسلام في مقدمة هذا الكتاب ، فلا معنى للإعادة مرة أخرى ، لكن يزاد على ما سبق : أن بعض العلماء قال : إن ( محمد ) اسم مفعول ، أي أن الناس يحمدونه عليه الصلاة والسلام ، وهو أبلغ من محمود .

وقال بعض العلماء : إنه من اسم التفضيل ( محمد ) بمعنى أنه أحمد الناس ، لكثرة صفاته عليه الصلاة والسلام ، وهذا رأي ابن القيم رحمه الله يرى أن ( محمد ) مثل ( أحمد ) أي أحمد الناس لربه ، ومحمد هو أيضا أحمد الناس ، وذلك لكثرة صفاته ، لكن أحمد من حيث الكيف ، ومحمد من حيث الكم ، يعني الكمية ، وقد أبلغ بعض العلماء أسماءه إلى عشرين اسماً .

 

 

 

 

قوله : ( وصية محمد صلى الله عليه وسلم )

هنا إشكال :

لم يقل : " فلينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإنما قال : ( فلينظر إلى وصية محمد )

وهذا في ظاهره يتعارض مع قوله تعالى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]

فعلى أحد قولي المفسرين : أي لا تدعوا النبي صلى الله عليه وسلم كما يدعو بعضكم بعضاً باسمه مجرداً .

وكيف يحسن بابن مسعود أن يقول هذا القول ؟

فالجواب : إذا قلنا بثبوت هذا الأثر فإن ابن مسعود رضي الله عنه أخبر فقط ، والآية نصت على الدعاء : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] فيكون قول ابن مسعود رضي الله عنه من باب الخبر ، وأما الدعاء فهو من باب الإنشاء  أو الطلب .

ولذا الخبر عند البلاغيين أوسع من الإنشاء ، فكل كلام جرى على لسانك فهو خبر ، ولا يستثنى منه إلا خمسة أشياء :

" الأمر - النهي - الاستفهام - التمني – النداء "

فهذه الخمسة من الإنشاء ، وما عدا الأشياء الخمسة فهي خبر .

ولذا هنا ابن مسعود أخبر أم أنشأ ؟

أخبر  ، والخبر أوسع من الطلب أو من الإنشاء .

ولذا لا يجوز : أن يقول أحد من الصحابة " يا محمد " لم ؟

لأنه إنشاء ، ونوع هذا الإنشاء نداء ، لذا قال عز وجل : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] .

والقول الثاني في قوله تعالى :  { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] .

أي لا تجعلوا أمره ونهيه كأمر ونهي غيره ، إن شئتم أجبتم ، وإن شئتم تركتم ، بل متى أمر تأتمر ، ومتى نهى تنتهي ( ولذا بعض الصحابة لما نداه النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه ، قال : ما منعك ؟ قال : كنت أصلي ، فقال عليه الصلاة والسلام ألم يقل الله عز وجل : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] )

والآية تحتمل القولين ، ولا منافاة بينهما .

وقوله رضي الله عنه :  (  التي عليه خاتمه )

 بفتح التاء ، أو " خاتِمه " بكسر " التاء "

ويصح الوجهان " خاتَمه " أو " خاتِمه "

والختم : " هو الاستيثاق من الشيء "

" ختمت الشيء " أي وثقته فلم يُنتقص منه شيء ، ولم يُزد عليه شيء .

والمراد من هذا القول : التأكيد على أن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كوصية ربه جل وعلا .

ولا يعني أنه ليس له خاتم - بلى - له خاتم عليه الصلاة والسلام  ، وكان في أول أمره لم يتخذه ، كما جاء في الصحيحين ، حتى قيل له : ( إن الملوك  لا تقبل كتابا إلا بختم  فاتخذه عليه الصلاة والسلام )

ومكتوب عليه : " محمد رسول الله " فكان يلبسه عليه الصلاة والسلام حتى توفي ، ثم اتخذه أبو بكر رضي الله عنه ، ثم عمر رضي الله عنه ، ثم عثمان رضي الله عنه  في أول أمره فسقط منه في بئر " أريس " .

وكان يتولى هذا الخاتم صحابي يُسمى  " مُعيقيب "

وممن أراد الاستزادة في صفة خاتمه فليرجع إلى الفقه الموسع

ثم قال رضي الله عنه : ( فليقرأ قوله تعالى ... )

( تعالى  )  صفة من صفات الله عز وجل ، وهي صفة :" العلو "

وصفة العلو لها ثلاثة أنواع :

أولا : علو الذات

ثانيا :  علو الصفة

ثالثا : علو القهر

وبعض العلماء يقول مختصرا لهذه الأنواع : علو الله جل وعلا نوعان ، أولا :  علو الذات .

ثانيا :  علو الصفة .

وقد أنكر من قلّ نصيبه من الفهم والعلم بكتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنكر : " العلو "

مع أن هناك أكثر من : " ألف دليل " على إثبات علوه عز وجل ، وإنكارهم إنكار لعلو  " الذات "

والدلالة على علوه جل وعلا كثيرة :

من بينها :

ما دل على الإنزال : {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]

أو الصعود :

قال عز وجل : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]

ومنها التصريح بالفوقية :

قال عز وجل : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]

والآيات والنصوص من سنة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ، ولعل الحديث يستفيض بنا في الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى .

ثم قال :  (  فليقرأ  )

صيغة أمر ، ونوع هذه الصيغة : " فعل مضارع مجزوم بلام الأمر "

لأن صيغ الأمر أربع صيغ :

أولا :  صيغة " افعل " كقوله تعالى : { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]

ثانيا : صيغة " الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر " كما هنا وكقوله تعالى :  {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .

ثالثا : صيغة " المصدر النائب عن فعله " كقوله تعالى : {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4] يعني : " اضربوا الرقاب "

رابعاً : صيغة " اسم فعل الأمر " كما لو قلت " صه " يعني : اسكت .

وكقوله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]

و " عليكم " اسم فعل أمر بمعنى : " الزموا "

ثم تلا الآيات ، وسبق شرح هذه الآيات .

نشر في : Jul 2nd, 2019 - 19:21:21 عدد القراء :




حقوق النشر © 1433هـ albahre.com - فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه