الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
التوحيد الموسع
الشرح الموسع لكتاب التوحيد ( 11 ) قوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) الجزء الثاني

التوحيد الموسع لكتاب التوحيد

الدرس ( 11 )

قوله تعالى :

{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] الجزء الثاني

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

قوله تعالى :

{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]

الواو عاطفة ، يعني : وأوصى بالوالدين إحسانا .

من هما الوالدان ؟

هما الأب والأم ، وإن علوا فيدخل فيه الأجداد والجدات .

والإحسان : هو بذل المعروف ، ولم يبين هنا مَن مِن الوالدين أحق بالإحسان ، أو من من الوالدين يجب أن يزاد له في الإحسان

ويبين ذلك في موقع آخر :

قال تعالى : {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } [الأحقاف: 15] وقال عز وجل في سورة لقمان : {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14] فدلت هاتان الآيتان على أن الأم يزاد لها في الإحسان أكثر من الأب ، ويؤكد ذلك :

سؤال ذلك الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحق الناس بصحبتي ؟

قال : " أمك " ثلاث مرات ، ثم قال : " أبوك " )

وكلما كان الوالد أقرب كلما كان الإحسان فيه أكثر ، فالجد القريب الإحسان فيه أكثر من الجد البعيد ، وكذلك الشأن في الجدة القريبة مع الجدة البعيدة .

وقوله تعالى : { إِحْسَاناً  }

مطلق ، ولم يقيِّد ، وعندنا في الأصول [ أن النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق ]

فإن كان سياق النص القرآني أو النبوي سياق إثبات وفيه نكرة ، فهذه النكرة تفيد الإطلاق .

فأطلق هنا كلمة " الإحسان " ليعم أي نوع من أنواع الإحسان ، يعني لتحسن إليهما بأي وجه من وجوه الإحسان القولي أو الفعلي ، القليل أو الكثير .

ثم قال رحمه الله : ( الآيةَ ) أو ( الآيةِ )   ويصح الوجهان .

يعني : أكمل الآيةَ  ، أو إلى آخر الآية .

ما تتمتها ؟

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]

فقوله : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ  }

أصلها  : إن - ما  ، مفصولة ، فعندنا كلمة ( إن ) وكلمة ( ما )

فأدغمت ( ما ) في ( إن )  الشرطية

وهي ( ما ) زائدة ، والمقرر في علم البلاغة : [ أن الحروف الزائدة تفيد التوكيد ]

فهنا أفادت التوكيد

قال تعالى : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً } جواب الشرط { فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } [الأنفال: 58]  

قال تعالى : {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } [الرعد: 40]

{ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } جواب الشرط { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا }

وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( رغم أنف امرئ أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة )

وفي هذا الأسلوب أسلوب ترحم وتلطف ولين ورقة ورحمة ، لأنه قال  : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ }

و" عند " تفيد القرب ، ثم قال : " الكبر "

وحالة الكبر حالة عطف ورحمة للبعيد ، فما ظنك بالقريب ، فما ظنك بمن جعله الله عز وجل سبباً في وجودك ، فلو رأيت كبيراً في السن وهو بعيد عنك أو ربما لم تره من ذي قبل لأشفقت عليه ، فما ظنك بمن هو قريب بل من هو أقرب وأقرب .

ولذا قال عليه الصلاة والسلام : ( من إجلال الله عز وجل إكرام ذي الشيبة المسلم )

فيحص البار بوالديه في هذه الحال على برهما وعلى دخول الجنة – كما قال عليه الصلاة والسلام - وعلى إجلال وتعظيم الله عز وجل،  لأنهما يدخلان في ( ذي الشيبة المسلم ) .

 

 

لو قال قائل : حتى لو كانا كافرين يبرهما ؟

فالجواب : نعم ، حتى ولو كانا كافرين ، ويدل لذلك قوله عز وجل : {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]

دون ان يكون هناك خطر على دينك ، ولذا قال مرشداً إلى صحبة الأخيار {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } [لقمان: 15]

ولما جاءت والدة أسماء قالت ( يا رسول الله ، إن أمي قد قدمت ، وهي راغبة ) يعني أن أصلها ، وهي مشركة ( فقال عليه الصلاة والسلام : صلي أمك )

ثم قال سبحانه وتعالى : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ }

{ أُفٍّ } اسم فعل مضارع بمعنى : " اتضجر "

ومن قال لوالديه " أف " فإن فيه شبهاً في مقولته بمقولة بعض الكفار
، كما قال تعالى : {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي} [الأحقاف: 17]

قوله : { وَلَا تَنْهَرْهُمَا }

{ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } نهي عن الفعل القبيح .

فكما أن قوله : {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] يشمل الإحسان القولي والفعلي ، كذلك كما قلنا [ الأمر بالشيء نهي عن ضده ]

فما ضده ؟ عدم الإحسان .

وذلك إما بالقول القبيح لقوله : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ }

أو بالفعل القبيح في قوله : { وَلَا تَنْهَرْهُمَا }

ولذا قال بعض المفسرين في قوله : { وَلَا تَنْهَرْهُمَا } أي لا تنفض يديك عليهما .

ومثل هذه الحال وهي حال " الكبر " حالة رغبة من الوالدين في الولد ، فلا يخيب الولد رجاء والديه ، ولاسيما في مثل هذا السن .

والدليل قول إبراهيم : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } [إبراهيم: 39]

وزكريا عليه الصلاة والسلام ماذا قال ؟

قال : {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} إلى أن قال :  {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } [مريم: 5، 6]

قوله عز وجل : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ }

يُفهم منه أن ما كان أعظم من التأفيف يكون داخلاً في النهي بل أشد وذلك كالضرب مثلاً ، وهذا المفهوم هو ما يسمى عند الأصوليين بمفهوم " الموافقة "

وذلك أن يكون المفهوم مثل المنطوق في الحكم أو أولى  ، وحتى تتضح هذه المسألة لأنها من المسائل المهمة في أصول الفقه لفهم كتاب الله وفهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

أقول إن المفهوم على نوعين :

النوع الأول : " مفهوم المخالفة "

وأمثلته كثيرة ، ومن أمثلته : قول النبي صلى الله عليه وسلم : (في الغنم السائمة الزكاة )

( السائمة )  : هي التي ترعى في الصحراء ، فيفهم من هذا النص أن المعلوفة التي يعلفها صاحبها لا زكاة فيه .

هذا مفهوم المخالفة ، بحيث يخالف المفهوم المنطوق في الحكم .

ولهذا المفهوم - أعني مفهوم المخالفة - له موانع تمنعه من الاعتداد به ، وليس هذا المقام مقام ذكرها .

النوع الثاني : هو " مفهوم الموافقة "

وهو نوعان : " مفهوم موافقة يكون المفهوم مساويا للمنطوق "

مثاله :  قول الله عز وجل في أموال اليتامى :  {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } [النساء: 2] فمن أكل أموال اليتيم فقد ارتكب جرما عظيما .

لو قال قائل : أنا لن آكل مال اليتيم وإنما ألبس لباسه ؟

فنقول : الحكم سواء .

النوع الثاني من أنواع مفهوم الموافقة : " أن يكون المسكوت الذي هو المفهوم أولى بالحكم من المنطوق "

كما في هذه الآية : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } نهي عن التأفف ، يفهم منه أن ضرب الوالدين من باب أولى في هذا الحكم .

مثال آخر :

قول الله عز وجل : {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]

لو عمل الإنسان وزن جبل من خير ألا يراه ؟

الجواب : من باب أولى أنه يراه .

{ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } نهي عن القول القبيح

{ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } نهي عن الفعل القبيح .

ثم قال عز وجل  :

{ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }  

لنربط بين هاتين الجملتين السابقتين : ما الجملتان السابقتان ؟

{ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ }  نهي عن القول القبيح .

{ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } نهي عن الفعل القبيح .

ثم قال تعالى :  { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً }فهنا أمر بالقول الحسن

وقوله :  { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  }وهنا أمر بالفعل الحسن

وهذا يدل على القاعدة : [ أن النهي عن الشيء أمر بضده  ]

فلما نهى عن القول القبيح أمر بالقول الحسن

ولما نهى عن الفعل القبيح أمر بالفعل الحسن

فقوله تعالى :  { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً }  

يشمل أي وجه من وجوه القول الكريم ؛ لأنه هنا مطلق ، فلا يتقيد بصورة معينة .

ووصف القول بأنه كريم يدل على أن اللسان الحسن القول يوصف بالكرم ، فلا يقتصر الكرم على الفعل ، بل قد تكون كريما بقولك ، ولا أدل من قوله عليه الصلاة والسلام : ( اتق النار ولو بشق تمرة ، فإن لم تجد فبكلمة طيبة )

وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }

الجناح " : معروف عند الناس انه جناح الطير الذي له ريش ، ومن ثَم قال بعض العلماء : إن كلمة الجناح استعيرت عن اليد ، وهذا ما يسمى بـ" المجاز " وهي مسألة مختلف فيها :

هل في القرآن مجاز ؟

ومثال المجاز : حتى تتضح هذه الصورة

لو قال رجل : " رأيت أسداً في المعركة "

فهو لا يريد الأسد الحقيقي ، وإنما يريد الشجاع .

والصحيح الذي عليه المحققون – والوقت لا يسمع لذكر هذه المسألة لأنها مسألة أصولية – فالصحيح عند المحققين كشيخ الإسلام رحمه الله وتلميذه ابن القيم " أن القرآن لا مجاز فيه " بل عن اللغة العربية لا مجاز فيها ، ومن ثم فلا يحسن عندهم أن يقال إن الكلام ينقسم إلى قسمين : "حقيقة ومجاز "

فالكلام عندهم : حقيقة فقط ، وما يرد من مثل هذا فإنما هو أسلوب من أساليب اللغة العربية ، لأن المقرر عند أهل اللغة : أن المجاز يجوز حذفه ، ومثل هذا لا يجوز ، فلا يجوز أن يكون في القرآن ما يجوز نفيه ، ولذا توصل نفاة صفات الله عز وجل إلى نفيها عن طريق المجاز .

مثلا : ( يد الله )  يقولون : ليس له يد ، وإنما اليد هنا بمعنى النعمة ، لم ؟

قالوا : لأنه يقال : " فلان له عليّ يد بيضاء " يعني  " نعمة "

ومن ثم فمثل قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }

أسلوب من أساليب اللغة العربية

والتعبير عن " اليد " بالجناح موجود في كتاب الله عز وجل :

قال عز وجل : {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } [القصص: 32] جناحك يعني :  يدك بدليل قوله : {اسْلُكْ يَدَكَ } [القصص: 32] .

قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ  }

أصلها الجناح الذليل ، فيجوز في اللغة العربية أن يضاف الموصوف إلى الصفة : " جناح الذل "  يعني : " الجناح الذليل "

كما لو قلت : " مسجد الجامع " أي : المسجد الجامع .

قال تعالى عن عذاب الكفار : { عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93] أي العذاب الهون ، الذي فيه الإهانة

وإنما عُبِّر " باليد " عن " الجناح " لأن الجناح بالنسبة إلى الطائر يعلو به ، فهذا الجناح الذي لك وترتفع به واجب عليك أن تخفضه لوالديك ، فيكون هذا الجناح ذليلاً لوالديك .

قال : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }

من هنا للتعليل أي لرحمتهما ، فلماذا تخفض الجناح ؟ لرحمتهما .

قوله تعالى : { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا }

دعاء لهما بالرحمة ، وهذا يدل على أن أفضل ما يقدمه الولد لوالديه أن يدعو لهما ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام – كما عند مسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له )

ولذا قال شيخ الإسلام رحمه الله ، قال : إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل : " أو ولد صالح يعمل له " وإنما قال : " أو ولد صالح يدعو له "

فمثلا الحج ، العمرة ، الصدقة ، ليجعلها الإنسان لنفسه ويدعو لوالديه ، هذا هو الأفضل .

قوله تعالى : { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا }

قوله : ربِّ " يظهر والله أعلم أنه لم يقل : " وقل اللهم ارحمهما " من أجل أن يوقظ النفوس إلى أن الربوبية المطلقة الشاملة الكاملة له عز وجل ، وذلك لأن المخلوق قد يطلق عليه أنه " رب" لكنه رب في حدود ضيقة .

ولذا لو قرأت ما بعدها : { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }

ولا يفهم من قوله : { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا }  ألا يدعو لنفسه ، بل إن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه إذا دعا لأحد دعا لنفسه أولا ، ومصداق هذا في كتاب الله عز وجل عن أنبيائه  عليهم الصلاة والسلام ، نوح عليه السلام ماذا قال في آخر سورة " نوح " {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [نوح: 28] قدَّم نفسه

إبراهيم عليه الصلاة والسلام من دعائه : {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [إبراهيم: 41]

التوجيه الرباني منه عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قال : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] قدَّم النبي عليه الصلاة والسلام ، فنفسك هي أحق النفوس التي يُقدم لها الخير .

قوله : {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [الإسراء: 24]

قوله : " كما " : الكاف هنا تعليلية أي لتربيتهما لك في حال الصغر .

{ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا } لم ؟  لأنهما { رَبَّيَانِي صَغِيرًا }

سبحان الله هذا القرآن عظيم لمن تأمل تدبر يجد فيه العجب ، ماذا قال في الآية السابقة ؟

قال : {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ} [الإسراء: 23] حال الكبر تشبه ماذا ؟

حال الصغر ، فالكبير الطاعن في السن بحاجة إلى رعاية شأنه كشأن الصغير ، وإذا كان كذلك فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من صنع إليكم معروفا فكافئوه ) صنعوا إليك معروفا في صغرك فلتصنع إليهم هذا المعروف في كبرهما .

هنا لفتة ذكرها القرآن فيما يتعلق ببر الوالدين :

بعدها قال ،قال تعالى : {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] 

{ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } لكن من بين هذه الأشياء من يريد البر ، ومن يريد العقوق .

ولذا قال : { إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً }

قد يزل الإنسان ، وهو محل زلل في حق والديه ثم يعود ، فإذا عاد فإن الله عز وجل تواب ،  أيضا قد يجتهد الولد -  وهذه صورة موجودة في الواقع – قد يجتهد الولد في الإحسان إلى والديه إما الأم وإما الأب أو إلى كليهما ، ثم يقابَل بالسوء من والديه ، بل قد يكون هذا البر الحسن منه عندهما بمنزلة العقوق ، فجاءت هذه الآية تطمئن العبد ، مَن يريد العقوق ، ومن يريد البر ، ولذا في صحيح مسلم : ( جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إن لي قرابة  أصلهم ويقطعونني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ ، فقال عليه الصلاة والسلام :  إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ )

أي كأنك تذرو الرماد الحار في وجوههم ( ولا يزال لك عليهم من الله ظهير ) وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( أفضل الصدقة  الصدقة على ذي الرحم الكاشح ) يعني : المبغض ، ولذا قال عز وجل : {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا } [فصلت: 34، 35] تحتاج إلى صبر ومصابرة ، شخص يسيئ إليك مقتضى طبيعة النفس البشرة أن تنتقم أو على الأقل ألا تقتص ، كونها تقابل الإساءة إحساناً فهذا شيء عظيم {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] ولذا يأتي الشيطان، جاءت الآية بعدها : {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36]

وقد أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يدفع الإساءة بالإحسان ، قال تعالى في سورة المؤمنون : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96]

لو قال قائل : ما وجه إيراد الآية في هذا الباب؟

فنقول : إن وجه ومناسبة إيرادها لأنه عز وجل ذكر في أول آية {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ذكرَ الحكمة من خلق الجن والإنس وهي عبادته عز وجل  ، ثم ذكر المؤلف رحمه الله : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } ليبين أن الحكمة من إرسال الرسل هي الدعوة إلى عبادة الله عز وجل

ثم ذكر رحمه الله هذه الآية : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }

لبيان أن توحيد الله وعبادته أعظم المأمورات ، ولذا قدمه على غيره {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ }

 ثم ذكر بعدها حق الوالدين .

 

نشر في : Jun 12th, 2019 - 14:13:21 عدد القراء :




حقوق النشر © 1433هـ albahre.com - فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه