الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
مختارات تفسيرية
تفسير سورة البقرة الدرس ( 19 ) [ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا... الآية ( 26 )ـ ]

تفسير سورة البقرة  ــ الدرس التاسع عشر

قوله تعالى

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}

البقرة26

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين :

أما بعد /

توقف الحديث بنا عند قوله تعالى :

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}البقرة26

 

( من الفوائد )

" بيان أن الأمثلة تقرِّب المعلومة "

ولذا ضرب الله عز وجل أمثالا كثيرة في مواطن كثيرة ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة أخرى كثيرة في سنته ، وهذا يدعونا إلى ماذا ؟

يدعونا إلى أننا إذا علمَّنا غيرنا أن نضرب الأمثلة متى ما احتيج إليها .

( ومن الفوائد )

" أن على المسلم حينما يضرب الله عز وجل مثلا عليه أن يمعن النظر في هذا المثل "

ولذلك قال بعض السلف :

" إذا مرَّ بي المثل في كتاب الله ولم أفهمه عزيت نفسي ، لم ؟ قال لأن الله عز وجل يقول :

{ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} العنكبوت43

فمن عقل وفهم هذا المثل فهو عالم ، ومن لم يعقله فإنه ليس بعالم .

( ومن الفوائد )

" أن الترابط بين آيات السور مهم فهمه والاعتناء به "

فقوله عز وجل :

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا }

ما علاقة ضرب المثل في هذه السورة ؟

لأنه عز وجل ضرب للمنافقين مثلين " مثل مائي ، ومثل ناري "

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا }البقرة17

{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ }البقرة19

هذان مثالان ، فهو جل وعلا لا يستحيي أن يضرب المثل الحق ، ولذلك أم سليم رضي الله عنها لما أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت :

( يا رسول الله " إن الله لا يستحيي من الحق ، هل على المرأة من غُسل إذا هي احتلمت ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : نعم ، إذا رأت الماء )

موضع الشاهد : ( إن الله لا يستحيي من الحق )

ولذلك عائشة رضي الله عنها كما عند مسلم مدحت نساء الأنصار  ، قالت :

( نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء من أن يسألن عن أمور دينهم )

وقال بعض المفسرين : إن قوله عز وجل :

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }

أن هؤلاء الكفار سواء كانوا من المنافقين أو من اليهود أو من مشركي العرب لما سمعوا قول الله عز وجل حينما ضرب مثلا بالذباب :

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } الحج73

ولما سمعوا ضربه عز وجل المثل بالعنكبوت :

{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }العنكبوت41

قالوا : إن الله أرفع وأجل من أن يضرب مثلا بالذباب أو بالعنكبوت ، فذكر عز وجل قوله :

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }

 

( ومن الفوائد )

أن القرطبي رحمه الله قال – وأخطأ فيما قال : " إن الحياء ينزه عن الله عز وجل "

لم ؟ لأنه خور وضعف في النفس .

ونحن نقول إن صفة الحياء جاءت بها الأدلة ، قوله صلى الله عليه وسلم :

( إن الله حيي كريم يستحي من أحدكم إذا رفع يديه أن يردهما صفرا )

فالقاعدة عند السلف " أن ما أثبته الله عز وجل لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فنثبته من غير أن نشبهه أو نمثله بالمخلوقين "

فللمخلوق صفة الحياء التي تناسبه وللخالق عز وجل صفة الحياء التي تناسبه ، ولا يجوز أن يقاس الخالق بالمخلوق  { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى11

أليس المخلوق سمعيا بصيرا ؟

بلى ، ومع ذلك أثبت الله عز وجل أن له سمعا وبصرا ، فلما قال عز وجل { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } دل على أن السمع غير السمع ، وأن البصر غير البصر ، ولذلك يقول أبو حنيفة رحمه الله " يسمع لا كسمعنا ، ويبصر لا كبصرنا "

ولذلك قال عز وجل :

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }الإخلاص4

 

( ومن الفوائد )

أنه جل وعلا ذكر البعوضة هنا   والبعوضة جزء يسير ، أخذت من " بعض الشيء " لصغرها ، وحينما تذكر البعوضة يتعجب الإنسان من صغرها ، فما ظنكم بما يكون في بواطنها ، قلبها ، رئتها ، معدتها – سبحان الله – تجد أن المتأمل في مخلوقات الله عز وجل تزيده خيرا ، يقول شيخ الإسلام رحمه الله :

" إن أركان العبادة ثلاثة المحبة والخوف والرجاء " يقول : كيف تزيد محبتك لله ؟

قال : أن تتأمل في آياته الشرعية والكونية "

يقول رحمه الله : أن تتأمل في كتاب الله عز وجل ، وأن تتأمل في السماء والأرض وسائر المخلوقات ، هنا تزيد محبتك لله .

كيف تعظم خوفك من الله ؟

قال " بآيات الوعيد والترهيب "

كيف تزيد الرجاء وحسن الظن بالله ؟

قال " بالتأمل في آيات الوعد والثواب وما أعده الله عز وجل لأهل الخير "

ثم إن ذكر البعوضة هنا – يقول أهل العلم له ترابط بتكذيب الكفار لما ذكره الله عز وجل ، كيف ؟

قالوا : إن البعوضة " تحيى ما نحفت فإذا سمنت ماتت "

فإن حال هؤلاء الكفار كحال هذه البعوضة ، فإنهم إذا أنكروا ما جاء الله عز وجل به فزادهم خيرا ، هذا الخير يعد استدراجا لهم { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }الأنعام44

( ومن الفوائد )

معنى قوله تعالى:{  مَا بَعُوضَةً }

{ مَا } هنا إما أن تكون زائدة " صلة "  فلو حذفت في غير كلام الله عز وجل لاستقام المعنى ، فيكون هذا المثل " البعوضة " فالبعوضة " بدل " من المثل .

فـ { ما } هنا زائدة لتأكيد القلة ، وبالتالي نعرف معنى قوله { فَمَا فَوْقَهَا }

فإذا قلنا إن { ما } هنا زائدة لتأكيد القلة فيقول معنى

{ فَمَا فَوْقَهَا }  " أقل "

مثال " كما لو قلت " فلان رجل بخيل " فقيل "نعم وفوق ذلك " يعني أكثر من ذلك ، فالفوقية هنا هي الدنو

فلا يستحيي جل وعلا أن يضرب مثلا بالبعوضة بل بما هو أقل من البعوضة ، لم ؟

لأن هذا المثل لم يضربه الله عز وجل عبثاً ، وإنما ضربه لبيان الحق .

و" ما " تأتي زائدة في مواضع ، منها :

{ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ }الأعراف10

لتأكيد قلة شكرهم  .

وقال بعض العلماء : إن  { ما } هنا ليست زائدة ، وبالتالي فإن كلمة { فَمَا فَوْقَهَا } يحتمل أن يكون "أكثر "

وعلى كل حال ، فهو جل وعلا لا يستحي أن يضرب أي مثل ، ولو كان في الدنو ما كان من أجل بيان الحق .

 

( ومن الفوائد )

أن العقول السليمة المؤمنة إذا عرفت مراد الله آمنت وزادها ذلك إيمانا ، وإذا لم تعرف مراد الله عز وجل قبلت ولو لم تعرف المراد ، لقصور في فهمها أو تقصير في البحث عن علمها .

وهؤلاء هم أهل الإيمان ، أما من ليس بصاحب عقل سليم أثَّرت فيه الشبهات أو الشهوات فإنه يستريب { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا }

بينما أهل الإيمان :

{ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ }

لم هو الحق ؟

لأنه قال { مِن رَّبِّهِمْ }وما كان من الرب عز وجل أيكون فيه اختلاف ؟ أيكون فيه تناقض ؟ أيكون فيه تعارض ؟

الجواب / لا ، فما كان من الله فهو الحق .

ولذلك قال عز وجل عنهم :

{ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ }

( ومن الفوائد )

" أنه كلما أكثر الإنسان من الإيمان وزاد قلبه به ، كلما ازداد علما ، بقدر ما يكون إيمانك بقدر ما تزداد العلم "

ما الدليل ؟

{يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } الأنفال29

وكما قال بعض المفسرين في قوله :

{ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ }البقرة282

{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }

فالذين يخشون الله عز وجل هم العلماء  ، ما هو العلم الحقيقي ؟

هل هو معلومات وفوائد فقط ؟ لا ، وإنما " العلم هو الخشية "

ولذلك أتت عبارة السلف ( كل من عصى الله فهو جاهل ولو كان أعلم الناس ) لم ؟

لأنه في تلك اللحظة لم يعلم عظم الله عز وجل ، ولو كان يعلم عظم الله ما أقدم على المعصية {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } الأنعام91

لو عظموا الله حق تعظيمه ما أقدموا على المعصية ، ولذلك إذا أتى الهدى والخير أتت الرحمة ، يقول ابن القيم رحمه الله : " إن هذا القرآن أتى فكان لأهل الإيمان هدى ورحمة ، وكان لأهل الكفر هدى من غير رحمة "

لأن القرآن حينما أنزل {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ }البقرة185 ، لكن لما كان المنتفع به هم أهل الإيمان ، قال عز وجل في أول سورة البقرة :

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }البقرة2

وفي آيات كثيرة :

{هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ }لقمان3

وبالتالي ماذا قال عز وجل :

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } التوبة33.

ما هو الهدى ؟ العلم النافع .

ودين الحق ؟ العمل الصالح .

( ومن الفوائد )

بيان فضل اليقين ، لأن العلم هو اليقين ، والناس يتفاوتون ،و هناك علم يقني يجب أن يكون فرضا على الناس ، وهو الإيمان بكل ما أخبر به عز وجل ، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم .

بينما اليقين الزائد يختلف من شخص إلى آخر  ، ولذلك يقين أبي بكر رضي الله عنه ليس كيقين آحاد الصحابة رضي الله عنهم .

ولذلك قال عز وجل :

{ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ }

( ومن الفوائد )

أن كل ما كان وصار لأهل الإيمان من هذا العلم ومن هذه الهداية من ربهم "

قال : { مِن رَّبِّهِمْ }

فالربوبية هنا هي " الربوبية الخاصة " لأن هناك ربوبيتين ، ربوبية عامة لجميع الخلق المؤمن والكفار ، يربيهم ، يرزقهم ، يعافيهم ، ولذلك قال عز وجل :

{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2

وهناك ربوبية خاصة تخص أهل الإيمان ، يربي قلوبهم بالخير والهدى والعلم ، ولذلك دعاء الأنبياء ودعاء الصالحين في كلام الله عز وجل يصدر بـ ( ربنا )

{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ }آل عمران193

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }آل عمران8

أتوا باسم الرب ، لم ؟

لأنها ربوبية خاصة ، فإذا أتت كلمة ( الرب ) في سياق الإيمان ، فاعلم أنها ربوبية خاصة .

( من الفوائد )

أن كلمة { أمَّا } تفيد التفصيل ، وإذا كانت تفيد التفصيل في اللغة فلابد من ذكر شيئين أو أكثر .

هنا ذُكر شيئان فيما يخص هذا المثل ، ما هما ؟

{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ }

{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلًا }

لو قال قائل / " أكرم إما زيدا " وسكت ، هل اتضح المعنى ؟ لا ، إذاً لابد من التفصيل .

تقول : " أكرم إما زيدا وإما عمرا "

( ومن الفوائد )

" أن من لم يحرص على الانصياع إلى الحق يكون قوله أكثر من فعله "

لأن هؤلاء لما أتاهم هذا المثل لم يذعنوا بقلوبهم إلى التأمل في هذا المثل ، وإنما بمجرد ما سمعوه ماذا فعلوا ؟

{ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلًا }

فنطقت ألسنتهم قبل أن تستحضره قلوبهم ، ولو استحضرته قلوبهم لعقلوا وفهموا ، ولذلك قال عز جل :

{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } العنكبوت43

قال :{ وَمَا يَعْقِلُهَا }

لدل على أن المثل إذا مر بك لا تتعجل ، إنما عليك أن تعقله بقلبك وأن تتأمل فيه ، لكن هؤلاء أخذوا هذا المثل من غير تأمل .

والقلوب إذا نقص منها الإيمان يكثر القول الذي لا فائدة منه ، فلا يتعلق ولا يتمهل ولا يترسل ، فهؤلاء الكفار قالوا عن هذا المثل :

{ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلًا }

بعض الناس لما ينقص الإيمان في قلبه بسبب حقد أو حسد ، من حين ما يسمع شيئا ذميما في شخص يقرره ، ولذلك في قصة الإفك :

{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ }النور15

مجرد قول تلقى من لسان إلى آخر ، لكن القلب لو تأمل فيه ما صدر به لسان .

 

( ومن الفوائد )

أن كلمة { مَاذَا } استفهام ، وقد مر معنا في النحو ، إما أن تعرب { مَاذَا } جملة واحدة ، فيقال { مَاذَا } استفهام " مبتدأ "

أو أن { ما } و { ذا } بمعنى الذي أي ( ما الذي )

لو قال قائل / أيكون السؤال في الدين وفي توضيح مراد الله عز وجل أو مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيكون مذموما ؟

الجواب / لا ، لأن الله عز وجل قال :

{ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43

لكن متى يكون السؤال مذموما ؟

إذا كان هذا السؤال لا يراد منه الوصول إلى الحق ، وإنما إذا أريد منه التعنت .

لو قال قائل / ألم يقل الله عز وجل :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }المائدة101

يقول لن أسأل ، فإذا علمت هذا الحكم الشرعي ربما أني لا أعمل به فأبوء بالإثم ، فماذا يقال في هذه الآية ؟

يقال : إن هذه الآية يفسرها قوله النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين :

( إن أعظم المسلمين جرما سأل سؤالا فحرِّم من أجل مسألته )

فتكون هذه الآية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، أما في هذا الزمن وبعد وفاته ، فيلزمك أن تسأل عما أشكل عليك ، اللهم إلا إذا كان سؤالا يراد منه التعنت .

ولذلك جاء في حديث عند أبي داود وفيه ضعف :

( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات )

يعني يأتي بسؤال يغالط فيه المسؤول ، لا يريد الحق ، ولذلك لو سأل شخص شيخا من أجل أن يحرجه أو أنه يضعفه فهذا سؤال مذموم ، لكن لو أراد الحق فلا إشكال في ذلك .

( ومن الفوائد )

أن شرع الله عز وجل يكون الناس فيه على صنفين " صنف يقبل وهم أهل الإيمان "

وصنف يرفض "

كم شروط " لا إله إلا الله " ؟ ثمانية .

كم أركانها ؟ ركنان " نفي وإثبات "

ومن بين شروط " لا إله إلا الله " القبول والانقياد ، فهؤلاء لم يقبلوا ولم ينقادوا ، فكيف ينقادون وهم لم يقبلوا ؟

فإذاً وصفوا بالكفر ، لم ؟ لأنهم كفروا بـ ( لا إله إلا الله )

لو قال قائل / أين ذكر " لا إله إلا الله " هنا ؟

الجواب / هم كفروا بـ " لا إله إلا الله " لأن من شروط " لا إله إلا الله " أن تقبل ما جاء به الشرع وأن تنقاد له ، ولذا ماذا كانت العاقبة ؟

أن الله عز وجل أضلهم .

( ومن الفوائد )

أن شرع الله عز وجل يكون نعمة على قوم ويكون نقمة على قوم "

فهو نعمة على أهل الإيمان ، لم ؟ لأن الآية والمثل من الله عز وجل كلما أتى فآمنوا به زادهم ذلك إيمانا :

{ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }التوبة124

فرحون بما أتى به الله عز وجل  { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } يونس58 ، يعني ما أتاك من شرع الله عز وجل وقبلته فإن قلبك يفرح به أشد فرحا من حصولك على ما يجمعه الناس من هذه الدنيا ، ولذلك قال بعض السلف : " مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قالوا وما أطيب ما فيها ؟ قال ذكر الله والأنس به "

الصحابة رضي الله عنهم خلت أيديهم من الدنيا ، بل خلت بطونهم من المطاعم والمشارب الضرورية ، ليست الكمالية ، ومع ذلك هم أسعد الناس ، لم ؟

لأن القلب إذا سعد سعدت الجوارح ، فيكون شرع الله نعمة على قوم ويكون نقمة على قوم ، ولذلك قال عز وجل عن القرآن :

{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا }الإسراء82

كيف يزيد القرآن الظالمين خسارا ؟

لأنه كلما أتاهم شيء من شرع الله عز وجل كفروا به ، فزادهم ذلك خسارة على خسارة .

قال عز وجل فيما سبق :

{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا }

كيف يكون القرآن ظلمات على هؤلاء ؟

لأنهم كفروا بما جاء به ، فكذلك هنا ، ماذا صنعوا بهذا المثل  ؟ كفروا به ، مع أنه خير لهم لو أخذوا به ، فصار نقمة عليهم .

( ومن الفوائد )

ما إعراب { مَثَلًا

أصل الكلام في غير القرآن ( ماذا أراد الله بهذا المثل ) لكن يقول أهل اللغة إذا حذفت ( أل ) تنقطع عن كلمة ( مثل ) عن ( أل ) فيكون إعرابها " منصوبا على القطع .

( ومن الفوائد )

{ يُضِلُّ بِهِ }

الضمير يعود إلى المثل .

{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }

" الضلال " هو الهلاك  ، لم ؟

لأن هؤلاء لما كفروا بهذا المثل هلكوا ، ما الدليل على أن الضلال هو الهلاك ؟

قوله عز وجل :

{ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ }السجدة10

أي هلكنا وذهبنا .

فيكون الكفر هلاكا ودمارا .

( ومن الفوائد )

أنه عز وجل قال في حق أهل الإيمان :

{ وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }

الهدى : هو العلم النافع ، فعلموا أنه من الله فهداهم الله عز وجل ، ولذلك قال تعالى :

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ }التوبة33

الهدى : العلم النافع .

دين الحق : العمل الصالح .

فأفاد هذا / أن من قبِل شرع الله واتسع قلبه له يحصل على الهدى المتضمن للعلم .

بينما هؤلاء في جهالة ، لأنهم لم يقبلوا شرع الله ، ولذلك من أراد العلم فلابد أن يسعى لتحصيله ، ولكن إذا أراد علما آخر  يلهمه الله عز وجل إياه فعليه بالتقوى ، ولذلك قال تعالى :

{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }الكهف65

هناك علم يقذفه الله عز وجل في قلب العالم ، متى ؟ إذا تنظف هذا القلب .

( ومن الفوائد )

{ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } البقرة26

يعني أن الضلال وقع هؤلاء الفاسقين .

( ومن الفوائد )

أن هذه الآية في ظاهرها أن هؤلاء ليسوا بكفار ، لأن الفاسق ليس بكافر  .

نقول : الفسق نوعان :

أولا : " فسق مخرج عن الملة " كما هنا ، لأنه قال قبلها

{ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ }

وقال عز وجل عن إبليس في سورة الكهف :

{ إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }الكهف50

يعني كفر .

ثانيا : " فسق لا يخرج من الملة "

وهو العاصي الذي لم يصل إلى الكفر ، كما قال عز وجل :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } الحجرات6

والفسق  في اللغة : " هو خروج الشيء عن محله "

وهذا يدل على أن اللغة العربية مهمة جدا في فهم القرآن وفي فهم السنة .

يقال في اللغة : " فسقت الرطبة " يعني خرجت من قشرتها .

ولذا يكون الفسق كفرا إذا خرج من الدين كله ، وإذا خرج من بعض الدين الذي ليس ناقض لهذا الدين ، يكون فسق عصيان .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

نشر في : Jan 11th, 2019 - 12:49:55 عدد القراء : 1




حقوق النشر © 1433هـ albahre.com - فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه