الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
مختارات تفسيرية
تفسير سورة البقرة الدرس ( 17 ) [ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ... الآية ( 23 24)ـ ]

( تفسير سورة البقرة )

الدرس السابع عشر

قوله تعالى

{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين :

أما بعد /

قوله تعالى :

{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)  }

أنه جل وعلا لما قرَّر توحيده ، ذكر ما يقرر نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على ماذا؟

يدل على أن الله عز وجل رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ذكر جلَّ وعلا فيما يخص التوحيد ذُكر محمد صلى الله عليه وسلم ، ولذا قال :

{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }

( ومن الفوائد )

أن ( الريب ) معناه الشك  ، إن كنتم في شك وتقولون إن محمدا اختلق هذا القرآن فاتوا بمثله ، فما استطاعوا ولن يستطيعوا ، وهذا يدل على ماذا ؟

يدل على إعجاز القرآن وأن القرآن حق ، وأن من خالفك من الملحدين وأنكر صحة القرآن فحاججه بهذا القرآن ، قل له هذا القرآن بقي على مدى هذه القرون الطويلة مع حرص الكفار ومع شدة عداوتهم ما نالوه بسوء ، صحيح أنه حرَّقوا بعضه ، أو أنهم وضعوا شيئا منه في مراحيض دورات المياه ، لكن هل قضوا عليه ؟

 لا

 فهذا يدل على صدق هذا القرآن ، فلو أن الإنسان يعارض شخصا ويتحداه هذا الشخص ، مع أنه يبغضه ، وقال أتحداك ، ألا يحرص على أن يحاججه ويعارضه ؟ بلى ، فهؤلاء الكفار مع شدة عداوتهم ومع إنكارهم للقرآن ومع قولهم بأن محمدا – صلى الله عليه وسلم – اختلق القرآن ، ومع أنهم فصحاء بلغاء ، ما استطاعوا أن يأتوا ولو بسورة قصيرة .

 

( ومن الفوائد )

أن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – قبل أن يسلم ذهب  إلى مسيلمة الكذَّاب ، فقال مسيلمة ماذا أنزل على صاحبكم – وعمرو لم يسلم بعد – قال أنزل الله عليه :

{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)  }

فقال مسيلمة الكذَّاب لقد أنزل علي مثلها .

فقال عمرو : وماذا أنزل عليك ؟

قال : " وبر يا وبر ، لك أذنان وصدر ، وعليك حقر وفقر "

فقال عمرو رضي الله عنه : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب "

فانظروا كيف هي عظمة القرآن .

ولذلك تحداهم الله جل وعلا في السور المكية ، وسورة البقرة " مدنية " تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثله أو أن يأتوا بعشر سور أو بسورة ،

{ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }الإسراء88

{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }هود13

وأيضا كرر التحدي في المدينة كما هنا ، ومع ذلك لم يستطيعوا .

 

( ومن الفوائد )

أن أصحاب الضلالة إذا ذكروا في القرآن يذكر معهم كلمة ( في ) للاستغراق السفلي ، بينما ( على ) تأتي مع طائفة المؤمنين ، ولذا قال هنا :

{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ }

لم يقل ( على ريب ) لأن الريب لا يرفع أحدا ، وإنما يخفضه  { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا }يعني وصلتم إلى أسفل ما يكون من الريب – وهذا هو حالهم –

 { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }

( ومن الفوائد )

أن من يقرأ أي سورة يجد أن هناك ترابطا بين آياتها  

{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا }

في أول السورة :

{ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }

مع أن الله عز وجل أوضح لهم في أول السورة أنه لا ريب فيه ، ولكن من طغيانهم قالوا إن فيه ريبا .

( من الفوائد )

" إثبات أن القرآن منزل غير مخلوق "

لأنه قال : { مِّمَّا نَزَّلْنَا  }

والآيات الشرعية في كتاب الله عز وجل دلّت على أن القرآن منزل غير مخلوق ، خلافا للمعتزلة الذين يقولون " إن القرآن خلقه الله "

وهذا كلام باطل .

ولو قال قائل / ماذا عساكم أن تقولوا في قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الزخرف3 ؟

نقول : ( جعل  ) هنا بمعنى " سمَّى وصيَّر " وليست بمعنى ( خلق )

ومن ثمَّ فإن هذا المعتقد الذي يقول إن القرآن مخلوق ، معتقد فاسد .

وأهل البدع يروجون بدعهم ببعض الألفاظ التي قد تروج من حيث اللفظ الحسن  ، ولكنهم يقصدون معنى فاسدا ، فالمعتزلة إذا نوقشوا قالوا " إن القرآن غير مخلوق " ويقصدون بذلك أنه " غير مختلق " لم يختلقه بشر  ، وإنما خلقه الله عز وجل .

ومن ثم فإن أهل الطوائف في مثل هذا العصر يجب أن يُحْذَر ويُحَذَر منهم .

( ومن الفوائد )

أن أعظم ما يمنحه العبد " أن يكون عبدا لله عز وجل "

لأن الله جل وعلا وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية هنا ، مما يدل على أن رفعتك ومقامك العالي وسعادتك في الدنيا وفي الآخرة لا تكون إلا بالعبادة ، وكلما كنت عبدا ذليلا لله عز وجل ، وأكثرت من ذلك ، كلما علت منزلتك ، ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " إن سعادة العبد لا تكون إلا في عبادة الله عز وجل  " وله كتاب رحمه الله يسير يتحدث عن العبودية  ، ولذا وصف الله جل وعلا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أرفع وأعلى المقامات " في مقام التحدي " كما هنا  { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا }

ووصفه بالعبودية في مقام " الإسراء " ومقام الإسراء مقام رفيع ، أسري به من مكة إلى بيت المقدس ، هذه هي الرحلة الأرضية :

{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} الإسراء1.

وصفه بالعبودية في مقام " المعراج " لما عرج به من بيت المقدس إلى السماء  :

{ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى }النجم10

وصفه بالعبودية في مقام " تنزيل القرآن "

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا }الكهف1

وصفه بالعبودية في مقام " الدعوة إلى الله عز وجل"

{ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا }الجن19

إذًا / وصف صلى الله عليه وسلم في أعلى المقامات بالعبودية  ، مما يؤكد ويقرر أن رفعتك في المقام العالية لا تكون إلا بعبادة الله كشأن وحال نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري :

( لا تطروني ) يعني لا تبالغوا في مدحي ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله )

ولذا لما أتى وفد بني عامر – كما في حديث ابن الشخير عند أهل السنن :

( قالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأفضلنا وأعظمنا طولا )

يعني غنى ، هذه أوصاف هو حقيق بها عليه الصلاة والسلام ، فهو سيد وأجداده أسياد وهو أفضلهم وهو أعظمهم كرما وغنى من حيث القلب ومن حيث الإنفاق ، ومع ذلك ماذا قال لهم ؟

( قال : قولوا بقولكم ) يعني بالقول المعتاد، لا تبالغوا ( قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان ، إنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله )

تريد السعادة والراحة والرفعة في الدنيا وفي الآخرة ؟

فعليك بالعبادة ، وجاء في حديث الشفاعة لما يضيق بالناس الحر وتدنو الشمس من العباد مقدار ميل ، فيهرع البشر إلى الأنبياء لكي يشفعوا لهم عند الله عز وجل أن ينزل لفصل القضاء ، يأتي إلى آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، حتى يصلوا إلى عيسى – عليهم الصلاة والسلام – فلما وصلوا إلى عيسى قال ( اذهبوا إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – فإنه عبد ) أليس عيس عبدا ؟ بلى ، قال في سورة مريم  { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا }مريم30

لكن العبودية تختلف ، مقاماتها ليست واحدة

( قال اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر )

ولذلك يعطى المقام المحمود  { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا }الإسراء79 ، تحمده الخلائق ومن ذلك " الشفاعة العظمى "

ولذلك أدرك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ، في الصحيحين ( كان يقوم الليل فتتفطر قدماه من طول القيام ،فتقول عائشة يا رسول الله ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا )

مما يدل على أن أعظم ما يشكر الله عز وجل به أن يمن عليك بالعبادة ، شكر النعمة الدنيوية مطلوب شرعا ، لكن النعمة الحقيقية هي نعمة الطاعة ، ولذلك قال ( أفلا أكون عبدا شكورا ؟ )

لما أوصلني إلى هذه المرتبة من غفران الذنوب السابقة واللاحقة أشكره جل وعلا ، شكرا بماذا ؟

بتفطر القدمين ، تتفطر قدماه ، هذا هو شكر العمل ،لابد أن يشكر الإنسان ربه بلسانه ، ولكن ليس كلاما دون أن يصحب هذا القول عملا :

{ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }سبأ13

 

( ومن الفوائد )

مر معنا في دروس البلاغة :

" أن الأصل في الأمر هو طلب حصول الفعل من المخاطب على وجه الاستعلاء "

" لما تأمر ابنك أن يحضر لك ماءً  "

فأنت في مقام أعلى ، لكن قد يخرج هذا الأمر عن هذا المعنى .

مثال :

{ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ }إبراهيم41

هذا أمر ، لكن هل أنت تأمر ربك ؟

الأمر هنا خرج عن معناه إلى " الدعاء "

وفي قوله : {  فَأْتُواْ }

الأمر هنا خرج عن معناه " للتحدي والتعجيز "

كقول الله عز وجل في الحديث القدسي كما في الصحيحين عن المصورين

( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلوا حبة أو ليخلوا شعيرة أو ليخلقوا ذرة  )

هذا تحدي وتعجيز لهم .

وتحداهم الله عز وجل ، مع أنهم فصحاء ، بلغاء ، ومع قدرتهم على الفصاحة والبلاغة فإنهم أضافوا إلى ذلك أنهم شديدو البغض للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن من يبغض شخصا يريد أن يقهره ، لاسيما وأن لديه الأدوات والصفات التي يستطيع أن يقهره بها ، ومع ما لديهم من الفصاحة والبلاغة وشدة البغضاء للنبي صلى الله عليه وسلم ما استطاعوا ، مما يدل على أن القرآن معجز بنفسه

ولذلك كثير من العلماء يرون أن الكتب السابقة ليست معجزة بنفسها ، إنما المعجز هو القرآن ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين :

( ما من نبي إلا وقد أعطاه الله من الآيات ما آمن على مثله البشر  )

مثل " ناقة صالح " و " عصى موسى "  هذه آيات

( ما من نبي إلا وقد أعطاه الله من الآيات ما آمن على مثله البشر   ، وإنما الذي أوتيته وحيا وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة )

لكن هؤلاء غفلوا عن الخير ، فقريش ومن يأتي بعدهم ممن ينهج منهجهم في هذا العصر ،  لا يلتفتون إلى أوامر هذا القرآن ، ممن يطعن في الصحف أو في المقالات أو في وسائل التواصل ، ممن يطعن أو يشكك في دين الله عز وجل ، ، فأعمى الله عز وجل قلوبهم عن إتباع الحق ، حتى إن بعضهم – نسأل الله العافية – وهو " الحارث بن النضر " وقيل غيره ،

قال عز وجل :

{ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }الأنفال32.

الله المستعان ، لم يقولوا { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } فاهدنا .

لكن القلب إذا غفل عن الخير تصدر منه الكلمات غير المناسبة والتي ليست في مصلحته ، ولذا على المسلم أن يدعو الله عز وجل بالثبات ، لأن أولئك ممن عاصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم عقول ، وكانوا أصحاب حكمة ودراية ،رجل أتى إلى المقداد بن الأسود ، ويقال له المقداد بن عمرو ، قال له " ما أسعدكم ! حضرتم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو حضرناه لفعلنا ولفعلنا 

فقال له المقداد : احمدِ الله على نعمة الإسلام ، فإن قوما أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلوه "

فالإنسان يحمد ربه عز وجل إذا منَّ عليه بالطاعة .

 

( ومن الفوائد )

أن قوله عز وجل :{ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }

السورة : مأخوذة من العلو والارتفاع ، مثل السور الذي يكون للبيت .

فدل هذا على ماذا ؟

دل هذا على أن المسلم إذا أكثر من قراءة سور القرآن علا بها وارتفع  ، فمع أن السورة مرفوعة فهي ترفع صاحبها ، ولذلك عند أبي داود يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

( يقال لصاحب القرآن يوم القيامة " اقرأ ورتل وارتق كما كنت ترتل في الدنيا " فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها )

فانظروا إلى التناسب بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي ، مما يدل على أن الإنسان إذا أراد أن يفهم كلام الله عز وجل ، أو أن يفهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقل إن اللغة العربية صعبة أو أنه لا فائدة منها ، بل سمعت أن بعضا من الناس يبغضها ، وهذا يخشى على عقيدته ، وإنما صعبت إما لأننا لم نتلقى ذلك برحابة صدر وإقبال.

أو بسوء بعض المعلمين الذين لا يحسنون تعليمها ، وإلا ما أيسرها وما أحلاها إذا فهمت .

 

( ومن الفوائد )

أنه سبحانه وتعالى قال : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }

لو كانت سورة قصيرة يأتون بمثله ؟

هنا إشكال ، هل يستطيعون أن يأتوا بسورة كسورة الكوثر ؟

لا يستطيعون ، إذًا { مِّن } هنا " زائدة " يراد منها التوكيد ، ما أدرانا أنها زائدة ؟

ما جاء في سورة يونس { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } يونس38 .

فدل على أنها زائدة ، والقرآن ليس فيه شيء زائد من حيث المعنى ومن حيث اللفظ ، وإنما الزيادة تكون من حيث الإعراب عند أهل اللغة ، وإلا ما من حرف في كلام الله عز وجل إلا وله فائدة ، وما من حرف زائدة من حيث الإعراب اللغوي فإنه يراد منه توكيد الشيء { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } تأكيد لعجزهم من أن يأتوا بسورة من مثله ولو صغرت هذه السورة .

{  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } الشورى11

أصلها  ( ليس مثلَه شيء ) لكن أتى بالكاف هنا لتأكيد أنه لا مثيل له جل وعلا .

ولذلك بعض العلماء يسميها " صلة " من باب التلطف في العبارة ، والأمر في ذلك واسع .

 

( من الفوائد )

" أن الله جل وعلا أضاف عبودية النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، إضافة تشريف وتكريم "

 وكأن فيها إلماحة لهؤلاء أنهم لم يعبدوا الله عز وجل كما عبده النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هم عبيدٌ لأصنامهم ، لأنه جل علا قال :

{ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا  }

ليس عبدا للأصنام ، وليس عبدا للأحجار ولا للأوثان

 ( ومن الفوائد )

أن كلمة   { سُورَةٍ } أتت في سياق الشرط  {وَإِنْ } [ والنكرة في سياق النفي تفيد العموم ]

بمعنى أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بأي سورة صغيرة كانت أم كبيرة ، ومن ثم فإن ما استشكله الرازي في تفسيره من أنه قال " ربما يقول قائل إن السور القصار بإمكان الشخص صاحب اللغة أن يأتي بنظيرها ، كسورة العصر وكسورة الكوثر " فكيف يتحداهم جل وعلا ؟

قال الرازي : كونهم يغفلون عن أن يأتوا بسورة قصيرة مع إمكان قدرتهم عليها ، هذا إعجاز للقرآن .

والصواب / أن الله عز وجل تحداهم تحديا صريحا أنهم لن يأتوا بأي سورة صغيرة كانت أم كبيرة

 لم ؟

لأن كلام الله عز وجل لا يمكن أن يكون أي كلام مثله أو قريبا منه ، ولذلك الشافعي رحمه الله ماذا قال في سورة العصر ؟

قال : " لو لم ينزل الله عز وجل على الناس إلا هذه السورة لكفتهم "

مع أنها قصيرة ، لم ؟

لما احتوته واشتملت عليه من المعاني التي لا يمكن أن يأتي بها بشر .

 

( ومن الفوائد )

أن الله عز وجل أمرهم أن يحضروا أعوانهم وكبراءهم أن يشهدوا لهم أن يأتوا بمثله وأن يعينوهم على أن يأتوا بمثله ، ومع ذلك ما استطاعوا .

وهذا إن دل يدل على معجزة هذا القرآن الكريم .

 

( ومن الفوائد )

أنه قال : { مِنْ دُونِ اللَّهِ }

الدون : يدل على القلة والانتقاص والاحتقار ، فكل هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله هم في مرتبة سفلى  .

( ومن الفوائد )

أنه قال :

{ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }البقرة23

{ صَادِقِينَ } في ماذا ؟ فيما زعمتموه ، ما الذي زعموه ؟

{ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنه هو الذي اختلقه   .

{ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنكم تستطيعون أن تأتوا بمثله

 أين الدليل ؟

في سورة الأنفال :

{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ }الأنفال31 .

( ومن الفوائد )

أن كلمة " الصدق " من حيث اشتقاقها اللغوي تشتق من الصديق المتودد النصوح .

هذه يعطينا دلالة على ماذا ؟

على أن صديقك هو من أحبك من غير مصلحة ، وأنه متى ما وجد عليك خطأً صدقك في النصح ، وليس الصديق هو صاحب المصلحة ، وليس هو المحب لك في حين إحسانك إليه ، ويكون مسيئا لك في حالة عدم إسدائك الخير له .

ثم إن " الصدق " في اللغة توصف به الرماح الصلبة ، يقال للرمح الصلب " صادق "

وهذا يدل على أن صاحب الصدق قوي ، وأنه ليس في ضعف ، لأن من يكذب يكون ضعيفا ، لأنه يخشى من عواقب هذا الكذب ، لكن من كان صادقاً فإنه يكون قويا صلبا ، ولذلك عند الترمذي ، قال صلى الله عليه وسلم :

( الصدق طمأنينة ، والكذب ر يبة )

 

 ( من الفوائد )

في اللغة العربية :

[  الفعل المضارع إذا دخلت عليه لم حولته للماضي ]

فالأصل في الفعل المضارع أنه يكون للحال "

تقول :" يفعل زيدُ كذا " يعني في الحال ، ليس بالأمس ولا في المستقبل .

لكن إذا دخلت عليه ( لم ) حولته إلى الماضي .

" لم يذهب زيدٌ " يعني فيما مضى .

و[ إذا  دخلت عليه " لن " حولته للمستقبل ]

" لن يذهب زيدٌ " في المستقبل .

هنا الدليل / قال :

{ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا } في الماضي

{ وَلَنْ تَفْعَلُوا } في المستقبل .

فدل على عجزهم فيما مضى وفيما يستقبل ، وهذا يدل على أن القرآن معجز  إذ أخبر بالأمور الغيبية المستقبلية  ، قال { وَلَنْ تَفْعَلُوا }هل فعلوا ؟

 لم يفعلوا ، ففي هذا دليل على عظم القرآن إذ تحداهم أن يفعلوا في المستقبل  ومع ذلك ما فعلوا .

ولذلك الكفار مع قوتهم – ولاسيما في هذا الزمن مع التقنية الحديثة – لو كان بأيديهم قدرة على أن يفعلوا بهذا القرآن الأفاعيل بحيث لا يبقى أثره ما توانوا ولو لحظة واحدة ، لكن أشنع ما فعلوه أنهم وضعوه في مراحيض الحمامات ، ثم ماذا ؟

القرآن هو هو لم يتغير في نفوس المسلمين .

 

 

( ومن الفوائد )

أن ( لن ) تنصب الفعل المضارع ، ويمكن أن تجزم الفعل المضارع في لغة ، ولكن الصحيح أنها تنصب ، ولذا الحديث الذي جاء عند البخاري :

( أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رؤيا في المنام ، وأن الملائكة أخذوه إلى النار ، أتاه الملك فقال " لن تُرعْ ) أصلها  ( تراع )

مع أن الحديث أتى بروايات أخرى ( لن تراع ) لكن من بين ما ورد ( لن ترع ) فدل على أنها تجزم في لغة .

 

( ومن الفوائد )

أن أعظم ما توعظ به القلوب  أن يُذكر ما يتعلق بالآخرة ، وأعظم ما يؤثر ذكر  " الجنة والنار "

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم:

 ( كان يقرأ بسورة " ق " على المنبر يوم الجمعة ) لماذا سورة " ق" ؟

لما تضمنته من ذكر ما يكون في يوم القيامة ، لأن أعظم ما توعظ به القلوب أن تذكر النار ، ولذلك قال هنا :

{ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ }البقرة24

( ومن الفوائد )

لو قال قائل : لمَ لمْ يقل " فاتقوا الله " ؟ وإنما أمرهم أن يتقوا " النار " وهي مخلوقة ؟

الجواب / أمرهم أن يتقوا النار  : لأن من اتقى النار فقد اتقى الله ، ومن اتقى فعل الذنب فقد اتقى الله عز وجل .

( ومن الفوائد )

أنه قال : { فَاتَّقُوا النَّارَ }

أهي نار ٌ خاصة بالكفار ؟ أم أنها نارٌ تعم كل من عصى الله من الموحدين الذين يكونوا في النار ثم يخرجون بعد ذلك ، لكن يختلفون في العذاب  ؟

الجواب /  أنها نار واحدة ، وما قيل من أنها ناران فلا دليل عليه ، إنما هي نار واحدة ، وكل على حسبه ، ولذلك في الصحيحين :

( لما يشفع المؤمنون ، يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون ويصومون معنا ، فيقول الله عز وجل أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، فيأتون إليهم فإذا هم قد احتشمت أجسادهم إلا مواضع السجود )

مما يدل على فضل الصلاة ، فمواضع السجود من العصاة إذا دخلوا النار لا تأكلها النار 

( فيأخذونهم ضبائر ضبائر ) يعني مجموعات .

( ثم يضعونهم في نهر الحياة في الجنة ، فيحييهم الله عز وجل )

فهذا دليل على أن النار واحدة ، ولكن العذاب يختلف .

 

( ومن الفوائد )

أن هذه النار  لها ما يوقدها ، ما الذي يوقدها ؟

{ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }

سبحان الله ! لما توقد نارا توقدها بحطب أو بخشب ـ لكن أن يكون وقودها الناس ، سبحان الله – لما تشعل نارا من حطب ، أين يذهب هذا الحطب ؟

يزول ، كيف يكون الناس وقودا ويعذبون بأنفسهم دون أن تذهب أجسادهم ؟

ولذلك عز وجل : { نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ }الهمزة6

موقدة بماذا ؟

{ النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }

ما الذي بعدها ؟

{ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ }الهمزة7

يعني أن هذه  النار تأكل أجسادهم حتى تصل إلى الفؤاد الذي هو محل الحياة ، فإذا وصلت إلى الفؤاد أنشئ خلقه مرة أخرى .

إذًا هذا هو الوقود .

{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ }النساء56 .

سبحان الله - يعذبون أبدانهم بأبدانهم .

ولذلك قال عز وجل :

{ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ }غافر72

 

( ومن الفوائد )

أن هذه النار توقد بالحجارة ، ما هي هذه الحجارة ؟

هل هي حجارة الأرض كلها ؟

قال بعض العلماء : هو حجر الكبريت ، لماذا حجر الكبريت ؟

قالوا : لأن الكبريت له صفات :

أولا  : سريع الاشتعال .

ثانيا : منتن الرائحة .

ثالثا : عظيم الالتصاق بالبدن .

رابعا : كثير الدخان .

أو أن الحجارة هي الأصنام ؟

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }الأنبياء98

يعني / وقود وحطب جهنم .

الجواب / يشمل الجميع ، حجارة توقد بها النار فتلتهب هذه الحجارة ، فكما هم يعذبون أبدانهم بأبدانهم لكون أبدانهم وقودا، كذلك تلك الحجارة تحمر وتعظم في العذاب فتزيد على عذابهم .

ما أضعف خلقنا ! لكن أين نحن مما يذكره الله عز وجل ؟!

 نعصي ونلعب ونضيع الواجبات ونقترف المحرمات ، والواحد منا لو أصابته شوكة لتألم بها ، فكيف بهذه النار ؟

نسأل الله عز وجل السلامة والعافية .

( ومن الفوائد )

قال : { الَّتِي }

الناس يقولون " التي واللتيا "

اللتيا : من أين أتت ؟ هي تصغير ( التي )

 

( ومن الفوائد )

أن الله عز وجل قال :

{ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }

في ظاهر هذه الآية / أن هذه النار مخصوص بها الكفار ، ولكن الصواب كما أسلفت مما جاءت به الأحاديث الأخرى أنه ليس هناك إلا نار واحدة .

( ومن الفوائد )

أنه قال : { أُعِدَّتْ }

يعني أنها هيئت ، فإعداد الشيء ألا يدل على وجوده ؟

بلى

 ففيه ردٌ على من قال إن النار ليست مخلوقة الآن – وهذا خطأ ، وهو اعتقاد فاسد – فهي مخلوقة الآن وموجودة ، ولذا قال :

{ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة – كما في صلاة الكسوف - ماذا قال ؟

( رأيت الجنة والنار )

وفي ليلة الإسراء والمعراج رأى الجنة والنار ، بل دخل الجنة .

والنبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم :

( كان مجتمعا بأصحابه فسمع وجبة ) يعني صوتا  ( فقال صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هي هذه الوجبة ؟

قالوا : لا يا رسول الله  .

قال : هذا حجر ألقي في النار منذ سبعين سنة وانتهى إلى قعرها الآن )

والنبي صلى الله عليه وسلم قال :

( تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار – مستكبرة على الجنة – يدخلني المتكبرون ، فقالت الجنة يدخلنا الضعفاء ، فقال جل وعلا أنت – يعني النار – عذابي أعذب بك من أشاء ، وأنت – يعني الجنة – رحمتي أرحم بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملئها )

فمحاجة الجنة والنار يدل على ماذا ؟

 يدل على أنهما موجودتان .

ولكن لتعلموا أن الجنة يزاد في بنائها وفي جمالها وفي نعيمها ، فبإمكانك أن تبني ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( من قال " سبحان الله وبحمده " غرست له نخلة في الجنة )

تريد نخيلا في الجنة ؟

قلْ (سبحان الله وبحمده  ) تغرس لك نخلة في الجنة ، ولذلك قالت امرأة فرعون :

رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ }التحريم11 ، فهذا يدل على أن الجنة موجودة وأنها لا يزال الجبار جل وعلا يزيد في نعيمها ، فبإمكانك أن تشارك في البناء لنفسك من نعيمها

 فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

 

 

نشر في : Jan 10th, 2019 - 13:46:40 عدد القراء :




حقوق النشر © 1433هـ albahre.com - فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه