خطبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (3)
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الخطبة الأولى
أما بعد فيا عباد الله /
تحدثنا في الجمعتين السابقتين عن تلك الآلام التي أوجعت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي ألمت به في مرض موته الذي سبق موته بعشرة أيام ، بعدها صعدت تلك الروح الطيب إلى الرفيق الأعلى ، فاستراب الصحابة فيما بينهم ،هل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لم يمت ؟ حتى أنكر وشدد وعظم النكير عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فصدع بها في الملأ فقال ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) بعدما سمع الصحابة رضي الله عنهم هذه الآية هدأت نفوسهم وهدأت نفس عمر ، بعدها كما جاء عند الجماعة ( أن عليا والزبير بن العوام ومن معهما اجتمعوا في بيت فاطمة رضي الله عنها، واجتمع بقية المهاجرين بأبي بكر رضي الله عنه، واجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، فقال عمر رضي الله عنه يا أبا بكر: انطلق بنا إلى إخواننا الأنصار، فانطلقوا ، فلما كانوا في الطريق التقوا بعويم بن ساعدة ومَعْن بن عدي رضي الله عنهما فذكرا أن الأنصار قد انفردوا بأمرهم ، فلعلكم أيها المهاجرون أن تنفردوا بأمركم ، فقال عمر رضي الله عنه: والله لنأتينهم ، فانطلقوا حتى جاءوهم في سقيفة بني ساعدة فجلسوا فقام خطيب الأنصار فأثنى على الله جل وعلا بما هو له أهل ، ثم قال : أما بعد / فأنتم تعلمون أيها المهاجرون أننا كتيبة الإسلام وأنصار الله جل وعلا ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا صلى الله عليه وسلم وقد دفت منكم دافة ) أي سمعنا بأن بعضكم يرغب أن يستأثر بهذا الأمر ( فلما أنهى الخطيب خطبته قال عمر : هممت أن أقوم فأتحدث بين يدي أبي بكر فقد زوَّرت في نفسي كلاما ، لكن أبا بكر رضي الله عنه تكلم ثم قال : أما بعد / فما ذكرتم من خير أيها الأنصار فأنتم أهله، ولكن العرب لا تعرف هذا الأمر ) أي الخلافة ( إلا لهذا الحي من قريش فإنه أوسط العرب نسبا ودارا ، قال أبو بكر وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأخذ بيد عمر رضي الله عنه وبيد أبي عبيدة رضي الله عنه ، فقال عمر رضي الله عنه والله لقد أعجبني كلامه لكنني كرهت منه هذا الأمر ، وكنت أود أن تقدم عنقي فتضرب أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، فقال الحُباب بن المنذر) وهو من الأنصار ( فقال: منكم أمير ومنّا أمير ، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات ) ، كل ذلك يجري ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة لم يدفن بعد ، وإنما لم يدفنوه مع انه عليه الصلاة والسلام قال في أحاديث كثيرة ( أسرعوا بالجنازة ) لم يدفنوه رضي الله عنهم حتى يتحاضوا فيما بينهم على الاجتماع على أمير ، فلربما لو دفنوه لظل النزاع والخلاف قائما حول الخلافة ، فصمموا على عدم دفنه حتى يولُّوا عليهم خليفة ، بعد أن ارتفعت الأصوات حتى كاد الاختلاف أن ينشب بينهم ( أخذ عمر رضي الله عنه بيد أبي بكر فقال: يا أبا بكر ابسط يديك ، فبايعه عمر ، ثم بايعه المهاجرون ثم تبعهم الأنصار ) ، فقال سعد رضي الله عنه كما في المسند ( صدقت يا أبا بكر أنتم الأمراء ونحن الوزراء ) قال عمر رضي الله عنه مبررا فعله كما عند الجماعة قال ( وما فعلت ذلك إلا خشية من أن لو نفارقهم لربما أحدثوا بيعة بعدنا فنوافقهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيحصل بذلك فساد ) قال أبو بكر رضي الله عنه كما في المسند ( ما قبلتها منهم إلا تخوفا من أن تكون فتنة بعدها ردة ) قال ابن كثير رحمه الله في [ البداية ]
( وكان هذا في بقية يوم الاثنين ، فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء اجتمعوا في المسجد فتمت البيعة العامة لأبي بكر من المهاجرين والأنصار قاطبة ) وكان ذلك قبل تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء عن أنس رضي الله عنه كما عند البخاري ( أن عمر في صبيحة يوم الثلاثاء جلس على المنبر فخطب تلك الخطبة ) فقال رضي الله عنه من جملة ما قال ( كنت أرجو أن يبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا ، حتى يكون آخرنا موتا ، فإن يك محمد عليه الصلاة والسلام قد مات ، فإن الله قد جعل لكم من بعده نورا تهتدون به وهو هدى الله وإن أبا بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين ، فقوموا إلى بيعته فإنه أولى الناس بأموركم ) وكانت طائفة منهم كما أسلفنا قد بايعته يوم الاثنين وهذه هي البيعة العامة على المنبر ، قال أنس رضي الله عنه ( سمعت عمر رضي الله عنه يقول يومئذ لأبي بكر اصعد المنبر اصعد المنبر فلم يزل به حتى قام أبو بكر رضي الله عنه على المنبر فبايعه الناس كافة ) ثم تكلم أبو بكر وهو على المنبر كما قال ابن إسحاق وصححه إسنادها ابن كثير رحمه ( قام فأثنى على الله جل وعلا بما هو له أهل ثم قال / أيها الناس إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم ) يعني لست بأفضل منكم ، وهذا من تواضعه رضي الله عنه وإلا فإنهم قاطبة يعلمون أنه هو أفضلهم رضي الله عنهم ( فقال: إني وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله ، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا يشيع قوم الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله ) فلما تمت البيعة شرعوا في تجهيزه عليه الصلاة والسلام تقول عائشة رضي الله عنهما كما في المسند وسنن أبي داود ( لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم ، اختلفوا فقالوا هل نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا ؟ أم ماذا نصنع ؟ فقالت رضي الله عنهم فألقى الله عليهم النوم لما اختلفوا حتى ما منهم رجل إلا وذقنه على صدره فكلمهم من ناحية البيت متكلم لا يعلمون من هو [ أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قميصه ] ، فجعلوا يصبون الماء على القميص ويدلكون بأيديهم دون القميص ) وقد جاء في سنن ابن ماجة وصححه الألباني رحمه الله ( أن عليا رضي الله عنه هو الذي قام بتغسيله ) وجاء عند أبي داود مرسلا وصححه الألباني رحمه الله ( أن الذي أعانه على تغسيله هو الفضل بن العباس وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ) قال علي رضي الله عنه كما عند ابن ماجة ( غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر ما يخرج من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا عليه الصلاة والسلام ) ، فلما فرغوا من تغسيله أحضرت الأكفان ( تقول عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين ( كُفِن رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أثواب بيض سحولية ) [والسحولية ] منسوبة إلى قرية في اليمن ( من كُرْسُف ) يعني من قطن ( ليس فيها قميص ولا عمامة ) أما ما جاء عند مسلم ( أنه عليه الصلاة والسلام كفن في حُلَّة ) و[ الحلة ] هي إحدى البُرد ، فقالت رضي الله عنها ( إنما اشتبه الأمر على الناس ، لقد اشتريت لكي يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركت ، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال لأحبسنها حتى أكفن فيها لكنه عدل عن ذلك فقال لو رضيها الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم لكفن فيها ، فقام رضي الله عنه فباعها وتصدق بثمنها )
عباد الله / بعدما فرغوا من تكفينه ، جاء وقت الصلاة عليه ، فقد جاء في المسند قال عنه الهيثمي إسناده [ رجاله رجال الصحيح ) ( أن الصحابة رضي الله عنهم اُدْخِلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أرسالا أرسالا كل شخص يصلي عليه بمفرده ليس هناك إمام ) قال ابن إسحاق كما ذكر ذلك ابن كثير في [ البداية ] وقال ابن كثير ( هذا مجمع عليه لا خلاف عليه ) أن ابن عباس رضي الله عنهما قال ( أُدخل الرجال فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فردا فردا ثم خرجوا ثم أدخل النساء فصلين عليه ، عليه الصلاة والسلام ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه عليه الصلاة والسلام ، ثم أدخل العبيد ) والحكمة من كونه عليه الصلاة والسلام يصلى عليه من كل فرد دون أن يكون هناك إمام ، قال ابن كثير رحمه الله في [ البداية ] ( ليباشر كل واحد منهم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بمفرده منه إليه عليه الصلاة والسلام ولتتكرر صلاة المسلمين عليه عليه الصلاة والسلام مرة مرة من كل فرد من آحاد الصحابة من رجالهم ونسائهم وصبيانهم وعبيدهم ) ا.هـ
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله /
لما فرغوا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، حان وقت دفنه عليه الصلاة والسلام ، فقد جاء عند ابن ماجة بإسناد حسنه ابن حجر والألباني رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أنه قال ( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المدينة رجل يلحد وآخر يضرح ) والتضريح هو الشق ،
ومعنى اللحد / هو أن يحفر في القبر حفرة من جانبه من جهة القبلة ، وأما الشق وهو التضريح / هو أن تحفر حفرة في وسط القبر ، فاختلفوا هل نلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو نضرح ؟ قالوا فلنبعث إلى هذين الرجلين فأيهما الذي سبق تركناه ، فأتى الذي يلحد ، فلحد للنبي صلى الله عليه وسلم ، تقول عائشة رضي الله عنها كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في [ البداية ] قالت ( ما علمنا بدفنه عليه الصلاة والسلام حتى سمعنا صوت المساحي ليلة الأربعاء ) قال ابن كثير رحمه الله [ هذا مما اتفق عليه السلف والخلف من أنه عليه الصلاة والسلام توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء ] وهناك أقوال غريبة كما قال رحمه الله ، وقد جاء في مستدرك الحاكم ( أن الذي تولى دفنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه والفضل بن العباس والعباس بن عبد المطلب وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقبه شقران ) وقد جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه لما حضرت الوفاة لسعد رضي الله عنه قال لمن حوله ( ألحدوا لي لحدا و انصبوا عليّ اللبن نصبا كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقد جاء عند مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم ألقيت فيه قطيفة حمراء ) قال ابن كثير رحمه الله [ إن وضع هذه القطيفة هو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم ،إذاً لا يقاس عليه غيره ] ا.هـ وأما صفة قبره عليه الصلاة والسلام / فإنه عليه الصلاة والسلام لما تولى تنزيله علي رضي الله عنه وبقية الصحابة أهالوا التراب عليه عليه الصلاة والسلام بعدما وضعوا هذه القطيفة ، ثم لما أهالوا التراب جاء في صحيح ابن حبان من حديث جابر رضي الله عن ( أن قبره عليه الصلاة والسلام رفع نحواً من شبر ) وقد جاء في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنه قال ( رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مُسَنَّما يشبه سنام البعير ) قال الألباني رحمه الله [ أما ما جاء في سنن أبي داود من أن ( قبر النبي صلى الله عليه وسلم رآه القاسم وأنه مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء ) فهذا إن صح فلا يعارض صفة التسنيم ، لأن المقصود من البطحاء أنه عليه الصلاة والسلام ألقيت الحصى الصغيرة على قبره عليه الصلاة والسلام ] وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) قالت رضي الله عنها ( يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام)
وبهذا عباد الله / عودا على ذي بدئ ، فقد تحدثنا في صدر ما قبل الجمعة الماضية في أول خطبة عن وفاته عليه الصلاة والسلام ( أن العباس بن عبد المطلب رأى في المنام رؤيا وهو أن الأرض تنزع إلى السماء ) يعني تسحب إلى السماء بحبال شديدة ( فلما ألقاها على مسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرها له عليه الصلاة والسلام بأن هذه الرؤيا عبارة عن وفاته عليه الصلاة والسلام ) وبهذا سحبت هذه الأرض إلى هذه السماء ، وأيضا ذكرنا في صدر تلك الخطبة أن عائشة رضي الله عنها قالت لأبيها رضي الله عنهما ( رأيت ثلاثة أقمار سقطن في حجري ، فأولها رضي الله عنه بأنها إن كانت رؤياها حقا ، فسيدفن في بيتها ثلاثة من خيار أهل الأرض ) قلت : وبهذا سقط القمر الأول في حجر عائشة رضي الله عنها ، وهذا القمر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم
ترى –عباد الله – بعد دفنه عليه الصلاة والسلام ، ما الذي جرى للصحابة وما الذي آل إليه أمر هذه المدينة ؟ التي ألف الصحابة رضي الله عنهم أن يخالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يجالسوه فيها ؟ وكذلك ماذا نطقت به ألسنتهم نثرا وشعرا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وبعد دفنه ؟ كل ذلك هو محل كلامنا في الجمعة القادمة بإذن الباري جل وعلا .
الخاتمة : ..... |