الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
( ذكر الفتنة في السنة المطهرة) ( 3 )

خطبة 

  ( ذكر الفتنة في السنة المطهرة) ( 3 )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد : فيا عباد الله

تحدثنا فيما مضى عن الفتنة كما جاء ذكرها في كلام الله عز وجل ، ثم ثنينا الحديث بالفتنة كما جاء ذكرها في السنة المطهرة ، وها نحن نكمل ما تبقى ما جاء من ذكر الفتنة في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أوضحت السنة – عباد الله – أن المرء سيرى في آخر زمانه ما يعرف وما ينكر ، وأن هناك من يعيش بيننا يدعو إلى النار ، قال حذيفة رضي الله عنه كما في الصحيحين ( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت يا رسول الله إنَّا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟

فقال صلى الله عليه وسلم : نعم .

قلت : يا رسول الله هل بعد هذا الشر من خير ؟

قال : نعم ، خير فيه دخن .

قلت : وما دخنه يا رسول الله ؟

قال : قوم يستنون بسنتي ويهدون بغير هديي .

فقلت : يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر ؟ )

يعني هل بعد هذا الخير الذي فيه دخن

( فقال صلى الله عليه وسلم : نعم ، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها .

قلت : يا رسول الله صفهم لنا

قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا

قلت : فما ترى يا رسول الله إن أدركني ذلك ؟

قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )

لا تبرح عن هذا الأصل أن تلزم جماعة المسلمين وولي أمرهم

( قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .

قلت : يا رسول الله إن لم يكن لهم إمام ولا جماعة .

قال : تعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت )

هذا ما ذكره البخاري ومسلم .

أما ما ذكره أبو داود فيما يتعلق بهذا الحديث

( قلت : هل بعد هذا الخير من شر ؟ )

يعني بعد هذا الخير الذي أتيت به

( قال : نعم ، فتنة وشر .

قلت : فهل بعد هذا الشر من خير  ؟

قال : يا حذيفة تعلّم كتاب الله واتبع ما فيه ، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه ، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه )

حينما يحصل هذا الخير الذي به دخن ليس لك نجاة إلا كتاب الله عز وجل .

فكررها حذيفة

( قلت : يا رسول الله هل بعد هذا الشر من خير ؟

قال : نعم ،هدنة على دخن  .

قلت : ما الهدنة على الدخن  ؟

قال : لا ترجع قلوب أقوام على ما كانت عليه )

تتغير أحول الناس وتتغير قلوبهم

( فقلت يا رسول الله أبعد هذا الخير من شر ؟

وهو الشر الذي جاء ذكره في الحديث السابق ( دعاة على أبواب جهنم )

( قلت : يا رسول الله أبعد هذا الخير من شر ؟

قال : نعم ، فتنة عمياء صماء )

يعني لا يبصر الإنسان فيها ولا يسمع

( قال : نعم ، فتنة عمياء صماء ، عليها دعاة على أبواب النار فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم )

وأوضحت السنة – عباد الله – أن من وفقه الله عز وجل أمسك لسانه في الفتن ، لأن اللسان قد يشعل الفتنة أكثر من أن يشعلها السلاح ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود من حديث أبي هريرة ( ستكون فتنة صماء بكماء عمياء ، من أشرف لها استشرفت له ، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف ) يعني كلما يتطلع إليها الإنسان ويدخل فيها كلما ازدانت له .

وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف ، يعني أن اللسان إذا تحدث فيها كان فعله كفعل السيف بل أشد من السيف ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة التي تقع في العرب – وكما أسلفت في الجمعة الماضية أن هناك فتنة لا تدع بيتا من العرب إلا دخلته إلا من نجاه الله عز وجل .

الكلام في فتنة العرب أشد من وقوع السيف ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كما في المسند وسنن أبي داود والترمذي  ( ستكون فتنة تستنطف العرب قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف )

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أنها هناك فتنا ثلاث ، ولعل الفتنة التي ذكرها حذيفة رضي الله عنه إذ قال ( إن من بينها ثلاثا لا يكدن يذرن شيئا ) لعلها المذكورة هنا ، وهي ما جاء في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال ( كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن وعظَّم أمرها ، فذكر فتنة الأحلاس )

الحِلْس : هو الكساء الذي يوضع على البعير فلا يبرح ظهره  ، يعني أنها ملازمة للناس

( ذكر فتنة الأحلاس ، قال قائل ما هي يا رسول الله ؟

قال : هَرَبٌ وحرْب ) الناس فيها يقعون في حرب ويهربون من شدتها

( ثم فتنة السرَّاء ) سميت بهذا الاسم لأنها تقع حينما يقع المسلمون فيما يسرهم في دنياهم ويدعون أخراهم ، يعني ينغمسون في التنعم

أو أنها فتنة سراء باعتبار أن العدو يفرح ويسر إذا رأى المسلمين فيما هم فيه ، ولعل المعنيين صحيحان

( ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس إنما أوليائي المتقون ، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضِلَع ) الورك أعظم من الضلع ، ولذلك إذا كان هناك ورك على ضلع ما يستقيم فإنه سيسقط لا محالة ، وهذا يدل على أن ولاية هذا الرجل لا تبقى كثيرا

( ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ، ثم فتنة الدهيماء ) صغرها لأنها تدهم الناس ، والتصغير في الأصل يكون للتحقير ، ولكن قد يرد من حيث اللغة ويراد منه التعظيم ، ولعل هذا الحديث يدل على هذا ( ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته ، فإذا قيل انقضت تمادت ) كلما قال الناس انتهت هذه الفتنة عادت مرة أخرى

( فيصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، حتى يصير الناس على فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه ، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه ، فإذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده )

 

وأضحت السنة – عباد الله – أن هناك بلية تحل بالعرب ، وكما أسلفت لكم الناجي فيها من أمسك لسانه ، ثم إن الفالح فيها من أمسك لسانه مع يده ، لا يشارك ، جاء عند أبي داود وأصله في الصحيحين ، قال عليه الصلاة والسلام ( ويل للعرب من شر قد اقترب أفلح من كف يده ) لا يفلح في الفتن إلا من كف يده ولسانه ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة يصيبها بلاء ما لا يصيب غيرهما من الأمم ، قال صلى الله عليه سلم كما عند أبي داود من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ( أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل )

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن كف اليد يكون بالتخلص من السلاح ، فلا يترك الإنسان سلاحا عنده ، ثم إن كان لا محالة فليتخذ سلاحا لا أثر له ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن يأخذ الناس سلاحا من خشب في زمن الفتنة ، فعند ابن ماجة والترمذي عن عديسة بنت أهبان رضي الله عنها قالت ( لما جاء علي هاهنا البصرة دخل على أبي فقال يا أبا مسلم ألا تعينني على هؤلاء ؟ قال نعم ، ثم دعا الجارية وقال أخرجي السيف فسل منه سيفا قدر شبر من خشب ، فقال رضي الله عنه إن خليلي وابن عمك عهد إليّ إذا حصلت الفتنة بين المسلمين أن أتخذ سيفا من خشب ، فإن شئت أن أخرج معك خرجت ، فقال علي لا حاجة لي فيك ولا في سلاحك )

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن الانغماس في الدنيا والتلذذ بها مع ترك الآخرة يوقع العرب في فتن ، عند البخاري من حديث أم سلمة قالت ( استيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال سبحان الله ماذا أُنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن أيقظوا صويحبات الحجر فرُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة )

تراه قد امتلأ في الدنيا من خيرها لكنه في الآخرة قد تعرى منها أو من شيء منها .

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر هذه الأمة إذا انهمكت ورضت بخدمة الكفار وأن الكفار يخدمونهم ويوصلون إليهم خيرهم وهم هكذا لا يعملون شيئا هنا تأتي البلية ، فالبلية تأتي من ماذا ؟ منشأها إذا حصلت خدمة الكفار للمسلمين في أمور الدنيا ، أن الأشرار من هذه الأمة يتسلط على خيارها ثم تكون الفتن ، قال صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( إذا مشت أمتي المطيطاء ) تكبرت ، لأن الدنيا قد توفرت لها ( وخدمها أبناء الملوك أبناء فارس والروم سُلط شرارها على خيارها )

وأوضحت السنة – عباد الله – التحذير من أن يقتتل المسلمون فيما بينهم وأن يقتل بعضهم بعضا  ، عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )

ولذلك إذا أتى أحد ينازع ولي أمر المسلمين فإنه لا يجوز أن يُعان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عرفجة عند مسلم قال ( إنه سيكون هنات وهنات ) يعني شر وبلاء وفتن ، قال ( إنه سيكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وأمرهم جميع فاضربوا عنق الأخر بالسيف كائنا من كان )

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن زمن الفتنة تعظم فيها أجور العبادة ، فمن وقع في الفتنة عليه أن يلزم عبادة الله ، وكلما ألزم عبادة الله كلما كان أجره أكثر وأكثر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث معقل بن يسار عند مسلم قال ( العبادة في الهرج كهجرة إلي ) كأنك مهاجر كما هاجر الصحابة الأولون إلى المدينة فرارا من ديار الكفر إلى ديار الإسلام .

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن هذه الأمة إذا قلدت الغرب كلما زاد تقليدهم لها حتى في أمور ينكرها الحيوان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما  ( ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، حتى إن كان أحدهم أتى  أمه في الطريق ليكونن في أمتي من يصنع ذلك )

 

وأوضح عليه الصلاة والسلام أن الأمة ستفترق وأن طريق النجاة اتباع سنته ، واتباع سنة أصحابه رضي الله عنه ، ثم قال بعدها ( وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قيل ما هي يا رسول الله ؟ قال على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) وفي رواية قال ( الجماعة ) دل على أن توحد المسلمين وأن جماعتهم فيها خير عظيم للفرد وللمجتمع

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن هذه الأمة ستلحق بالكفار ، وستعبد معهم ما يُعبد من دون الله إلا أن الله عز وجل سينجي طائفة من المسلمين من هذا الضلال ، فعند مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) لهم شأن وكلمة في المجتمع ، لكن كلامهم ضلال ( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) ثم قال ( فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع ) وبالفعل إذا وضع السيف والقتل في الأمة يستحيل أن يرفع إلا أن يشاء رب العالمين ( ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، ولا تقوم الساعة حتى تُعبد الأوثان ، وإنه ليكونن في أمتي ثلاثون دجالا كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك )

نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله

أوضحت السنة أن عقول زمن من الأزمان ستذهب حتى لا يدري الإنسان لماذا فعل هذا الشيء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( ليأتين على الناس زمان لا يدري المقتول فيما قُتل ولا يدري القاتل لأي شيء قتل ، قيل كيف يا رسول الله ؟ قال الهرج ) يعني القتل ( الهرج القاتل والمتقول كلاهما في النار )

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن الأمم الكافرة تجتمع على هذه الأمة وتمزق جسدها وتنخر في بلدانها حتى إن الكفار يدعو بعضهم بعضا إلى أن يأخذ نصيبه من خير هذه الأمة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود ( يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) كما يجتمع الناس على قصعة من الطعام فيقولون يا فلان هلم هلم ، هكذا هي دول الكفر مع دول المسلمين ( يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قيل ومن قلة نحن يا رسول الله ؟ قال لا ، إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قيل ما الوهن يا رسول الله ؟ قال حُب الدنيا وكراهية الموت )

وطبقوا هذا الحديث على ما نحن عليه فيما يتعلق بالكفار وما يتعلق بنا من إصابتنا بالوهن .

 

وأوضحت السنة – عباد الله – أن المسلم عليه أن يلزم بيته في ثنايا الفتن مهما كانت هذه الفتن ومهما كان أصحابها ، جاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( يا أبا ذر ، قلت لبيك وسعديك يا رسول الله ، قال كيف بك إذا أصاب الناس موت البيت فيه بالوصيف ) البيت يعني القبر ، يعني تكون قيمة القبر كقيمة العبد ، وهذا يدل على كثرة القتل ، لأن القبور تقل  ( قال كيف بك إذا أصاب الناس موت البيت فيه بالوصيف ؟ قلت ما خار لي الله ورسوله ، قال عليك بالصبر ، ثم قال يا أبا ذر ، قلت لبيك وسعديك يا رسول الله ، قال كيف إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم ؟ ) أحجار الزيت بالمدينة ( قلت ما خار لي الله ورسوله ، قال عليك بمن أنت منه ، قلت أفلا آخذ سيفي فأجعله على عاتقي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم إذاً شاركت القوم ، قلت فما تأمرني ؟ قال تلزم بيتك ، قلت فإن دخل علي بيتي ؟ قال : إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمه وإثمك )

أسأل الله عز وجل أن يجنب بلاد المسلمين قاطبة كل شر وبلاء وفتنة

 

الخاتمة : ................

 

نشر في : Dec 11th, 2018 - 03:16:37 عدد القراء :




حقوق النشر © 1433هـ albahre.com - فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه