الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
تفسير القرآن الكريم
التفسير المختصر الشامل (16) تفسير سورة البقرة من الآية (183 ) إلى الآية (187)ـ

التفسير المختصر الشامل ( 16 )

تفسير سورة البقرة :

من الآية ( 183) إلى الآية (  187)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط  تفسير الدرس على قناة الشيخ على اليوتيوب :

https://www.youtube.com/watch?v=Qzi3jGumGNw&list=PL2KIeD0zzgAfEMDAmVJwsZwWblJOdk3Xf&index=16

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ :  زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

بِسْم اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيم  الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وأُصلِّي وأُسلِّم على خاتم الأنبياء وإمام المُرسلين نبيّنا مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وأصحابهِ وَسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين

 

أمّا بعد :

 

فَكُنّا قد توقّفنا عند قول الله عزّ وجلّ :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } :

لمّا ذَكَرَ عزّ وجلّ مِن أنّ مَن قام بالبِرِّ فَهُوَ مِن المُتَّقِين بل هو مُتّقِي ، وَلـَمَّا ذَكَرَ أنّ القِصاص مَن قامَ به أَوْصَله ذلك إلى تقوى الله ، وكذلك لمّا ذَكَرَ مَن قام بالوصِيّة فَهُوَ مِن المُتَّقِين - ذَكَرَ هُنا أنّ مِن بَيْن الوسائل التي تُوصِل إلى تقوى الله عزّ وجلّ الـصِّـيـام

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ } أي فُرِضَ عليكم

{ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } :

أي كما فُرِضَ على الذين مِن قبلكم .

 

والكاف : تدلّ على أنّ الصيام كُتِبَ على مَن قبلنا ، لَكِن أَهَذا الصيام الذي أُمِرنا به وقد كُتِبَ على الذين مِن قبلِنا أهوَ يُشابِههُ مِن حيثُ الزّمن ، أي مِن حيث الأيّام ؟ أو مِن حيث القَدْر بِمَعْنَىٰ مِن حيث القَدْر اليوميّ ؟ أو مِن حيث وَصْف الصيام مِن حيث المَطعم والمَشرب ؟

 

أَقْــوَال :

فَعلى كلّ حال ، فهذا الصيام سواء قيل بأحد هذه الأقوال أو بالثاني أو بالثالث . فإنّ هذا الصيام الذي أُمِرنا به قد كُتِبَ على الذين مِن قَبلِنا .

 

  وذلك لأنّ الصيام فيه نوعٌ مِن المشقّة وهي مَشقّةٌ ظاهرة ، وإلّا فكلُّ شَرْعِ الله عزّ وجلّ خَيْرٌ لِـلْـعِبَـاد . فَفِيه نوعٌ ظَاهِرٌ مِن المَشقّة .

  فَهُنا تَسليةٌ مِن الشرع إذ بَيَّنَ مِن أنّ هذا الصوم قد كُتِبَ على الذين مِن قَبلِنا

 

{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } :

 أي مَن صامَ هذا الصَّوْم فإنّ هذا الصوم يُوصِل إلى تقوى الله عزّ وجلّ

 

 ولا شكَّ أنّ مَن صامَ - وهذا أمرٌ محسوسٌ - يَجِدُ أنّ الصومَ يُقرِّبَه إلى الله عزّ وجلّ ، وَيُبَعِّدَه عن المنكرات .

 

{ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } :

 قِيلَ : { أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } تَعودُ إلى صِيَام عاشوراء وإلى صيام ثلاثة أيّام مِن كلّ شهر ، لَكِنْ السِّياق يدلّ على أنّ المقصود مِن الأيّام المعدودات شهر رَمضان ؛ لأنّ الآيات تُبيِّن وتوضِّح ذلك

 

  وقد كان صوم يوم عاشوراء كان فرضًا على الأُمّة ، ثُمَّ نُسِخَ بِصيام رمضان

 

{ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } :

نُصِبَتْ إمّا لأنّها مفعول ثاني لِكُتِبَ أو لأنّها منصوبةٌ على الظَّرفيّة بِمَعْنَىٰ أنّ الأصل ( في أيّام معدودات ) فَحُذِفَ الحرفُ الجارّ فانتَصَبت الأيّام

 

{ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ }  :

والأيّام جمعُ تكسير قِلّة . وَوُصِفَ بأنّه معدودات . وهذا الوصف معدودات جَمْعُ قِلّة ليس جَمْعُ كثرة ممّا يُهوِّنُ على المسلمين مِن أنّ هذا الصوم إنّما هو مجرّد أيّام معدودات .

 

{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } :

أي مَن كان مريضًا ، وهو المرض الذي يُضْعِفُ الإنسان أو يُتْعِبه ، وليـسَ كلّ مرض ؛ لأنّ مِن بَيْن الأمراض - وهذا على الصحيح - لأنّ بعض أهل العِلم قال : أنّ الإنسان متى ما أصابه أيّ مرض فَلَه أن يُفطِر .

   ولكن الذي يظهر أنّ المقصود مِن المرض هو المرض الذي يُتعب الإنسان أو يُضعِفُه ، أو مِن باب أولى الذي يُتلِفُه أو يُتلِفُ عُضوًا مِن أعضائه .

   وهذا مِن رَحمة الله عزّ وجلّ بالعِباد إذ أنّه خَفّفَ عليهم ، فأباح لهم الفِـطْـر حالَ المرض

 

{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ } :

أي مَن كان مُسافِرًا . فإنّ الإنسان متى ما سافَر ، وَلَوْ كان السفرُ لَمْ يَجِد فيه العَبْدُ مَشقّة فإنّ لهُ أن يُفطِرَ ولهُ الأحَقِّيَّة في الفِـطْـر ، حتى لَوْ سافرَ آلاف الكيلوات على مَتْن طائرة وَلَمْ يشعر بِمَشقّة ولا بِتَعَب فإنّ لهُ أن يُفطِر  فأجاز له الشرع الفِـطْـر .

ثُمَّ لِيُعلَم :

أنّ المرض وكذلك السفر إذا كان الصومُ يشقُّ بالإنسان فإنّه يُكرهُ لهُ الصوم حالَ المرض وحال السفر ، وإن كان يصرّ به فَيَحرُم عليه ؛ لأنّه لا يجوز أن يضرّ بِنَفسِه . قال تعالى :

{  وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا }

 

   لَكِنْ إن استوى الأمران عنده فالأفضل أنّه - والمقصود مِن ذلك السَّفر - الأفضلُ في حَقِّه أن يُفطر ؛ لأنّه أسرع في إبراء ذِمَّتِه . ولذا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كما ثَبَتَ عنه قال :

( ليسَ مِن البِرّ الصيام في السفر ) وذلك إذا أضرّ بالمسلم أو شقّ عليه .

 

  لَكِنْ إن لَمْ تَكُنْ هناك مَضرّة ولا مَشقَّة فإنّ الأفضلَ في حَقِّه أن يصوم ؛ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصومُ في السفر .

   لأنّ السفرَ ما كان يُتعبُ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا صامَ .

 

     { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } أَتَىٰ بِحرف { عَلَى } ممّا يدلّ على أنّ السفر الذي تُستباحُ بهِ رُخَص السفر إذا كان على سفر ، يعني قد خرجَ مِن بَلدَته وتركها وراء ظهره .

 

   ولذلك فالقول الصحيح :

 أنّه لا يُستباح له أن يُترخّص بِرُخَص السفر وهو في مدينته حتى يَـخْـرُجَ منها .وهذا ما عليه جماهير أهل العِلم

 

{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } :

 يعني فأفْطَرَ ، فعَلَيْهِ عِدّةٌ مِن أيّامٍ أُخَر . وأطلقَ هُنا . ممّا يدلّ على أنّه لا يلزم حالَ قضائها أن تكونَ مُتتابعة ، أي مُتتالية مُتَواصِلة .

 

     وهُناك رأيٌ لبعضِ أهل العِلم ونَصَره الدار قُطنيّ ، إذ أَخْرَجَ الدار قُطنيّ عن عائشةَ رضي الله عنها أنّها قالت :

    ( أنّ هذه الآية لمّا نزلت { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } نزلت مع كلمة

 ( مُتَتابِعات ) لكنّها سقطت ) وصحّحَ إسناده الدار قُطنيّ .

 

    ووَرَدَتْ أحاديثُ أيضًا في هذا الباب ، لكنّها أحاديثُ ضعيفة .

     ولا شكّ أنّ الأفضلَ التتابُع .

 

  وَلَكِنْ القول الصحيح أنّ التَّتابُعَ لا يلزم ؛ وذلك لأنّ هذه الكلمة

( مُتتابعات ) لَوْ كانت ثابتةً وأخذت بها الأُمّة لأخذَ بها العُلماء .

 

  فدلّ هذا على أنّ إطلاق { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }

   للإنسان إذا أفطرَ في رمضان لِعُذرٍ ، لهُ أن يقضيَ تلك الأيّام مُتفرِّقة . وإن كانت متتابعة فهذا أفضل وأحسن

 

{ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }

    هذه الآية قال بعضُ أهل العلم أنّها منسوخة

 

{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } :

 قالوا هذا في أوّل الإسلام ، كانَ في أوّل الإسلام الإنسانُ مُخيّر بينَ أن يصوم وبينَ أن يُفطر . وبدلَ هذا الفِـطْـر يُطْعِم عن كلّ يَوْمٍ مسكينًا ، ولو كان قادرًا .

    ثُمَّ نُسِخَ بعد ذلك هذا الحُكْم .

 

وقال بعضُ أهل العِلم : هي مُحكمة . باعتِبار ماذا ؟

 

{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } يعني كانوا في أوّل أمره يطيقونه ثُمَّ حَصَلَ معهم عَجْز أو كَبُرَت سِنُّه . فهنا : لَــه أن يُفطِرَ وأن يُطعِم .

 

 وَلَكِنْ الذي يظهر أن الآية :

 { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }

هو القول الأوّل { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }

{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } صَرَّحَ هُنا بالإطعام مع أنّ الفِدية هي الإطعام .

 

   وَلَكِنْ لمَ نصّ على الإطعام ؟

 نصّ على الإطعام ؛ لأنّ الفِدية قد تكونُ بِمال ، وقد تَكونُ بِإطعام . فَلَمَّا ذَكَرَ الإطعام دلّ على أنّه لا يُجزِئ في هذا الأمر إلّا الإطعام ، ولا يُجزئ النقود .

 

{ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } :

 وإطعام المسكين يدلّ في ظاهره على أنّ تخصيص المسكين مِن باب أن يتذكّرَ الصائم أنّه حينما يُمسكُ عن الطعام والشراب يتذكّر حال إخوانه الذين لا يجدون في غير حالة الصيام لا يجدونَ طعامًا يَقتاتون به

 

{ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ } :

{ فَمَن تَطَوَّعَ } يعني مَن زادَ وأطعمَ أكثر مِن مسكين - ولذلك أتى بِحرف الفاء ؛ لأنّها مُرتّبة على ما سبق ، لَكِنْ في آيات السعي بين الصفا والمروة - كما سبق - { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }

{ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا }:  وَلَمْ يأتِ بالفاء . ممّا يدلّ على أنّه ليس المقصود أن يتطوّعَ بالسعي بين الصفا والمروة

 

{ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } : فزادَ في الإطعام ، فهو خَيْرٌ له ، خَيْرٌ له مِن أن يكتفي بإطعام مسكين وَاحِد أو بِإطعام الجزء المُتَعيِّن عليه 

 

{ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ }: بِمَعْنَىٰ أن تصوموا خَيْرٌ لكم مِن الفِـطْـر

 { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } : إن كُنتُم تعلمون أنّ هذا هو خير لكم فاحرصوا عليه فصوموه . وهذا كما سَبَقَ في أوّل الإسلام .

 

{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ }

 

{ شَهْرُ رَمَضَانَ } :

شهر رمضان : سُمِّيَ بهذا الاسم قيل لأنّه يقع في الرّمضاء ، وقيل إنّه يَرمضُ الذُّنوب، بمعنى أنّه يُحرِقها .

  وشهر رمضان : وردَ حديث مِن أنّ رمضان اسمٌ مِن أسماء الله . لكنّه حديث لا يصحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .

 

شهر رمضان : مِن مزايا هذا الشهر { الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } ودلّ هذا على أنّ القرآن منزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ

 

{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ } : وَلَمْ يَقُل نزَّل { أُنزِلَ } لأنّ كلمة 

{ أُنزِلَ } تدلّ أنّه نزل جملةً واحِدة في رمضان . نزل مِن اللوح المحفوظ إلى السماء الدُّنيا في رمضان

 

كما قال القُرطبيّ رحمه الله : ولا نَــعْــلَــمُ خِلافًا في ذلك .

 

ثُمَّ لمّا نزل إلى السماء الدنيا نزل مُفرَّقًا على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حَسْبَ الأحداث .

 

وقولُه : { الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } مع قوله عزّ وجلّ : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }

 { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } يدلّ على أنّ ليلة القَدْر إنّما تَكونُ في شهرِ رمضان ؛ لأنّ القرآن أُنزِل فيها .

 

   وقال هُنا : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ }

ودلّت الـسُّـنَّـة الصحيحة مِن أنّ ليلة القَدْر إنّما تكون في العشر الأواخِر مِن شهر رمضان

 

{ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ } : هذا القرآن

{ هُدًى لِّلنَّاسِ } وهو كما سَلَف في أوّل السورة { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } نصّ على المُتَّقِين لأنّهم هم المنتفعون به  مع أنّه مِن حيث الأصل أُنزِل هُدًى للناس ،لكنّ الموفّق مَن وفّقه الله عزّ وجلّ فاهتدى به مَن ؟

المتّقون .

 

{ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } :

بيِّنات : هذا القرآن بيّنات دلائل واضحة وبراهين

{ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } مَن أرادَ الهداية ففي آيات الله ، مَن أرادَ أن يُفرِّق بينَ الحقّ والباطل ففي كِتَاب الله ، مَن أرادَ أن يُحارِب أهل البِدع وأن يُبْطِلَ حُجَجُهم وشُبَههم فذلك موجودٌ في القرآن .

 

{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } :

 مَن شَهِد منكم الشهر . مَن شِهدَ : بمعنى مَن حَضَر ، وليس معناه مَن رأى لأنّ لو كان كذلك لَتعذَّر على الناس أن يَرَوْه ، ومِن ثَمَّ يتعذّر عليهم أن يصوموه

 

{ فَمَن شَهِدَ } أي مَن حضرَ { مِنكُمُ الشَّهْرَ } والشهر هو ما استهلّ واشتهرَ بينَ الناس ، فمَن رَآه مِن المسلمين وكانت شهادتُه مُعتبرة ، فإنّه يلزم جميع المسلمين أن يأخذوا بِشهادته ، وعليهم أن يصوموه .

 

{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } هذا أمرٌ بالوجوب ينسخ الحُكْم السابِق .

 ما هو الحُكْمُ السابق ؟

 

{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }

 

{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ } :

كرَّرها مرّةً أُخرى حَتَّىٰ لا يُظنّ وحتّى لا يُتوهّم أنّ حالة المرض وأنّ حالة السفر قد نُسِخَت مع الحُكْم السابق

  قال هُنا : { وَمَن كَانَ }

لَمْ يَقُل ( منكم ) لعلّ ذلك مِن باب الاكتفاء بما سَبَقَ

 

{ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }

 أي فأفْطَرَ فعليه عِدّةٌ مِن أيّام أُخَر

 

{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } :

{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ } في جميع الأحوال . ومِن ذلك أنّه أباح لكم الفِـطْـر حالَ المرض وحالَ السفر .

 

 وأكّد ذلك بقوله مع أنّ قولَه { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ } ينفي الْعُسْر . ومع ذلك كرّره { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }

 

ومِن ثَمَّ لِيُعلَم أنّ قَوْلَ بعض مِن الناس - الذي يريد أن يفتح لنفسه الوُلوج في الذنوب - قال : الدِّينُ يُسر . إذا نُهِيَ عن فِعْلِ ذنبٍ .

 

  يُقال له :

الدِّينُ يُسر هو ما جاء به الـشَّـرع . الدِّين يُسر باعتبار أنّه خفّفَ على المسافر فأباحَ له الفِـطْـر وخفّفَ عليه وأرخصَ لهُ أن يقصُرَ الرُّباعيّة إلى رَكعتين وهكذا ممّا جاءت به الأدلّة الشرعيّة التي بها تخفيفٌ على المسلمين

 

{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } :

أي لِتُكمِلوا عِدَّة رمضان إمّا بإتمامه ثلاثين أو بِرؤية هِلال شوّال . كما ثبتَ بذلك الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )

 

أيضًا { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } أنتم يا مَن أفطرتم لِعذر عليكم القضاء حَتَّىٰ تُكمِلوا العِدّة .

 

{ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } :

 { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّه } أي لِتُعظِّموا الله على ما هداكم . فهداية الله للعبد تقتضي منه أن يُعظِّمَ اللهَ إذ وفّقه الله عزّ وجلّ فهداه

 

ويدخل في ضِمْن التكبير هُنا { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّه } التكبير المُطلق ليلة عيد الفِـطْـر كما هو معروف مِن حيث الآثار

 

{ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } وهذا إن دلّ يدلّ على أنّ الْعِبَادَاتِ فيها خَيْرٌ للمسلم ، وهي سبيلٌ إلى تعظيم الله عزّ وجلّ .

 

  في قضيّة البُدن وفي قضيّة البهائم في سورة الحجّ { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ }

 

{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } :

فَمِن أعظم النِّعَم أن تُوفَّق للعِبادة . ومِن ذلك ما ذُكِرَ هنا مِن الـصِّـيـام . فالمسلم عليه أن يشكُرَ الله عزّ وجلّ ، وليس الشكرُ محصورًا فيما يتعلّق بالأمور الدُّنيويّة ، بل إنّ أعظم الأُمور التي يُشكَرُ الله عزّ وجلّ عليها أن شرعَ هذه الْعِبَادَاتِ وأن وفّقَ عِبَادَه إلى فِعلِها .

 

   ومِن ثَمَّ يدلّ هذا على ماذا ؟

   يدلّ على أنّ العبادات وسيلةٌ إلى شُكر الله عزّ وجلّ .

 

ولذلك قال قبل آيات - كما مرّ معنا - { وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }

 

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } :

 ذَكَرَ هذه الآية والمتعلِّقة بالدعاء بين آيات الصيام مِن باب أنّ الدُّعاء مقبولٌ حال الصيام ، وقد ثبت بذلك الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ( ثلاثةٌ لاتُردّ دعوتهم : ذَكَرَ منهم الصائم حَتَّى يُفطِر )

 

   فالدّعوةُ مأمورٌ بها ومُستَجابة حال الصيام .

 

 

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } :

لمّا قالوا يا رسول الله - كما ذكر ذلك كثيرٌ مِن المفسِّرين - قالوا يا رسول الله - بل إنّ السِّياق يدلّ عليه - قالوا : يا رسول الله ، أقَريبٌ ربُّنا فَنُناجِيه أم بعيدٌ فَنُناديه ؟

 

  فأنزلَ الله عزّ وجلّ هذه الآية { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ }

 

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا }

 

وهِنا : لَمْ يَقُل ( قُلْ ) ممّا يدلّ على ماذا ؟

  يدلّ على أنّ تَرْك كلمة ( قُلْ ) - والله أعلم - يدلّ على أنّ ليس هُناك حواجز بين العبد وبين رَبِّه ، فَعَليه أن يسأل الله .

ولذا ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله ( مَن لَمْ يَسألِ اللهَ يغضب عليه )

 

فَوا عجَبًا لأناس يستغيثونَ بِغَيْرِ الله ، ويَدعونَ غَيْرَ الله . ويقولون هؤلاء شفعاء لنا عند الله . فهذا هو الشِّرك . نسأل الله السلامة والعافية

    إنّما على العبد أن يدعوَ الله عزّ وجلّ

ولذا قال تعالى :

{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }

 

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } اللهُ عزّ وجلّ قريب

 

وهذه الصفة المأخوذة مِن هذا الاسم ( قريب ) هل هو قُرْب الله عزّ وجلّ مِن جميع العِباد قُرْب يدلّ على إحاطتِه وعلى عِلْمِه كالمعيّة ، المَعِيّة نوعان :

{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } 

  مع جميع خلقِه بِعِلمهِ وبإحاطته وبتصرّفه عزّ وجلّ .

 

مَعِيّة خاصّة بالمؤمنين بالصابرين كما مرّ معنا :

{ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } إلى غير ذلك من الآيات

 

هل قُرْب الله عزّ وجلّ عامّ وخاصّ كالمَعِيَّة

 

بعض أهل السنّة قالوا بذلك ، واستدلّوا بقوله عزّ وجلّ :

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }

  وبقوله عزّ وجلّ { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُم } يعني الميّت المُحتضَر { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ }

  

هذا قول لبعض أهل السنّة . ولا يُنكَر على هذا القَول .

لكنّ الجماهير - جماهير أهل السُّنَّة - كما نصّ شيخُ الإسلام رحمه الله : إنّما قُرْب الله عزّ وجلّ خاصٌّ بِمَن عِبَدَه بِعابِديه وبمن دَعاه

 

  وقال رحمه الله :

 قوله عزّ وجلّ :

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }

المقصود قرب الملائكة ؛ لأنّه قال : { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } 

ولأنّه ذكر في صَدْر الآية العِلم { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ } دلّ على أنّ العِلم غير القُرب

 

وَأَمَّا قوله عزّ وجلّ { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ } فالمقصود أيضًا مِن هذا القُرب قُرْب الملائكة ؛ لأنّه قال

{ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ } وَاللهُ عزّ وجلّ إنّما يُرى يوم القيامة .

 

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } 

 

{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }

 

ولذا قال عمر رضي الله عنه ، قال : مَن وُفِّقَ للدُّعاء وُفِّقَ للإجابة ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }

لكن قد يقول قائل : بعض الناس يدعو الله عزّ وجلّ ولا يُستجاب له .

  وهذه الآية فيها { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فبعض الناس يدعو الله عزّ وجلّ ومع ذلك لمْ يُستجبْ له . فالجواب عن هذا .

 الله عزّ وجلّ يُجيبُ مَن دعاه ، ووعدُ الله عزّ وجلّ حقّ . ولكن ربّما أنّ الداعي يدعو اللهَ عزّ وجلّ وَلَمْ يأتِ بالأسباب التي بها يستجاب دعاؤه من حيث الدعاء في أوقات الإجابة أو أنه لا يحضر قلبه أو أنه يأتي بموانع إجابة الدعاء كأن يأكل الحرام إلى غير ذلك من موانع الدعاء التي من بينها ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام :

(( أنه ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول يارب يارب ومطعمه حرام وملبسه حرام فأنى يستجاب لذلك ))

وإذاً من دعا الله وأتى بالأسباب وانتفت الموانع أجاب الله دعاءه

إن أتى بالأسباب وانتفت الموانع ولم يجب له دعاء فإن الأحاديث الصحيحة أثبتت أن من دعا الله استجاب الله له أو أنه يدفع عنه من السوء نظير ما دعاه أو أنه يدخر هذه الدعوات ثوابا له يوم القيامة

{  فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي }

{  فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي } بالطاعة

{ وَلْيُؤْمِنُوا بِي } :

هذا يدل على أن من أسباب إجابة الدعاء أن من تقرب إلى الله،  وأن من عبد الله وأن من أطاع الله وأن من آمن بالله فإنه حري بأن تستجاب دعوته ، ولذلك قال  : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي }

ذكر الاستجابة التي تدل على العمل الصالح وذكر الإيمان مما يدل على أن من أعظم العبادات التوحيد

وكذلك الطاعة لله

{ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }

الرشد : هو حسن التصرف

فطاعة الله والإيمان به وسيلة إلى أن يكون الإنسان راشدا يكون تصرفه تصرفا حسنا

وهذا يفهم منه ماذا ؟

يفهم منه أنه إذا كان ذا رشد يدل على أنه من أصحاب العقول الصحيحة

ولذلك خطاب الله عز وجل إنما هو لأصحاب العقول

{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

ويدل على أن  من لم يستجب لله ومن لم يقم بشرع الله فإنه سفيه

ويدل لذلك ما مر معنا :

{ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ }

{ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ }

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ } :

ذكر هنا ما يتعلق بالصيام

وبعد ماذا ؟

بعد الدعاء للعلل التي  ذكرناها من أن الدعاء حري بأن يستجاب حال الصيام

{ أُحِلَّ لَكُمْ }  أي أبيح لكم

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ } يعني الجماع

{ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ }  أي مجامعة النساء

وذلك لأنه في أول الأمر كان الفطر من الغروب إلى العشاء ، فإذا نام الإنسان قبل صلاة العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع ، وإذا لم ينم وجاء بعد العشاء فإنه يحرم عليه

فبعض الصحابة رضي الله عنهم:

وهذه طبيعة الإنسان ضعف فجامع زوجته بالليل بعد العشاء وفي هذا ما فيه من المشقة الظاهرة وإلا كما سلف فأحكام الشرع أحكامه خير للقلوب وللعباد

فقال عز وجل :

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } :

{ هُنَّ لِبَاسٌ } : حال الجماع إذا تعرى الرجل مع زوجته وجامعها فإنه بمثابة اللباس لها وهي بمثابة اللباس له

ولذلك :

ما ورد من حديث :

(( لا تتجردوا كما يتجرد العيرين ))

 فإنه حديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام

وأيضا :

{ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } بمثابة اللباس الذي يستر الإنسان فكل منكما يستر الآخر عن الوقوع في الفاحشة

وكذلك  :

{ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ }

بمعنى :

أن كل واحد ستر للآخر بحيث لا يفضح أسراره

ولذلك :

 النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه قال :

(( ولا تهجر إلا في البيت ))

بمعنى أنه إذا وقع بين الزوجين ما يقع لا يخرج هذا الأمر خارج البيت وإنما يكون في البيت لأنه أستر ؛ ولأن الأمور ستصلح بإذن الله قبل أن يدخل الوشاة في أمر الزوجين

{ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ }  :

{ عَلِمَ اللَّهُ }  وهذا يدل على ماذا ؟

على إحاطة علم الله بكل شيء ومن ذلك ما يحتاج إليه العبد

بالنسبة إلى النساء ولذلك :

قال عز وجل : { وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا }

فالإنسان ضعيف

{ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } وذلك بالجماع  قبل أن يباح لكم 

ودل هذا على أن من خالف أمر الله عز وجل ولو كان ما كان من ذنب سوءا كان صغيرا أو كبيرا فإنه خان نفسه

لأنه قال هنا :

{ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } :

 من رحمته عز وجل

{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } : فأباح لكم { وَعَفَا عَنْكُمْ } ما مضى مما وقع منكم

{ فَالْآنَ } :هذه تدل على النسخ لأن هذا تخفيف من الله

{ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ } : ولم يقل : " كلوا " لأن المقصود هنا مع أنهم نهوا عن الأكل والشرب بعد العشاء لكنه خصص هنا المباشرة أو ذكرها من تخصيص مما يدل على أن هذا هو المقصود

{ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا } أي اطلبوا { مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } من الولد في ثنايا هذا الجماع

{ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } من الخير ومن ذلك ليلة القدر

فهذا الجماع وهذه الإباحة من الله لكم بهذا الجماع لا ينسيكم ليلة القدر ولا ينسيكم الخير والعبادة

{ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ }

فدل هذا على أن الليل  كله محل للأكل والشرب والجماع بخلاف ما كانوا عليه في السابق فإنه إلى العشاء

{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ }

 كان بعض  الصحابة كان بعضهم يضع حبلا أبيض وحبلا أسود فإذا ظهر النور وتبين له لون هذا من لون هذا أمسك عن المفطرات

فأنزل الله  { مِنَ الْفَجْرِ }

{ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ }

 فدل هذا على أن المقصود ليس الخيط المعروف وإنما المقصود بالخيط الأبيض بياض النهار وبالخيط الأسود سواد اليل

{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ } يتبين : بمعنى أنه عن يقين

ولذلك :

لو أن الإنسان أكل شاكا في طلوع الفجر عنده شك ثم لما أكل تبين له أنه قد أتي النهار فصومه صحيح

لو أنه غلب على ظنه أن النهار قد طلع لكن ليس عنده يقين هنا أكل ثم لما مضت عليه بعض الساعات تبين أنه قد أكل في النهار فصومه صحيح

لابد من اليقين فالأصل بقاء الليل

{ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } 

دل على أن هذا الوقت كله محل وزمن للمفطرات

لذا من هذه الآية وهو يدل عليه فعل النبي عليه الصلاة والسلام من قوله :

{ مِنَ الْفَجْرِ  } يدل على أنه لو جامع قبل الفجر بثوان ثم بعد ذلك طلع عليه الفجر وقد فرغ من الجماع يدل على أن صومه صيحح وأنه يغتسل ولو طلع الفجر

ويدل لهذا ما جاء في الصحيحين :

" كان النبي عليه الصلاة والسلام كان يصبح جنبا من جماع من غير احتلام فيصوم عليه الصلاة والسلام "

ومن ثم :

لو أن المرأة طهرت قبل الفجر بثوان فإن عليها أن تغتنم هذا الوقت بالسحور ولو بما تيسر ، وتغتسل وتؤخر الاغتسال إلى بعد طلوع الفجر

{ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }

يعني من طلوع الفجر الثاني يبدأ الصوم إلى الليل

والليل :

قال هنا { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } يعني أول ما يدخل الليل هنا يباح لكم الفطر

ويدل لذلك قوله عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه

{ إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم }

{ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ } أي الجماع ودواعيه { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }

لما ذكر أن المباشرة تجوز في الليل ذكر هنا ما يتعلق بالاعتكاف لأن الغالب من أن الاعتكاف يكون معه صوم ولا يلزم على الصحيح ذلك لقول عمر رضي الله عنه كما ثبت عنه قال :

(( إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال عيله الصلاة والسلام : أوف بنذرك ))

{ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }

جملة قيدت وهي جملة حالية بمعنى أنه إذا كان الإنسان معتكفا فإنه لا يخرج لكي يجامع زوجته أو أنه يباشرها ويداعبها

{ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }  وذكر الاعتكاف وذكر محله

مما يدل على استحباب الاعتكاف مع الصوم

وذكر محله ومكانه وهو المسجد

مما يدل على أن غير المساجد كالمصليات في الدوائر الحكومية فإنه لا تعتبر مساجد

ولذلك لا يصح فيها الاعتكاف

إلا إذا كانت هذه المساجد مفتوحة وتصلى فيها الصلوات الخمس فتعتبر مساجد ولو أطلق الناس عليها مصليات

وليس العبرة بالمسجد :

المسجد الذي يكون محاطا بجدران أو ما شابه ذلك لو كان مسجدا من خيام وكان الناس يصلون فيه ويؤذنون فيه ويصلون فيه الصلوات الخمس فيعتبر مسجدا

فلا عبرة بنوعية البناء

{ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ } ما مضى

{ حُدُودُ اللَّهِ } فدل هذا على أن تلك العبادات وتلك المنهيات حدود الله

{ فَلَا تَقْرَبُوهَا } نهى هنا عن القرب { فَلَا تَقْرَبُوهَا }  من باب الاحتياط

{ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ }  كذلك يعود إلى ما سبق { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }

يعني كما بينا ما مضى لكم بينا لكم تلك الأحكام المتعلقة بالصوم وما يكون فيها من جماع وأكل وشرب وما يكون من اعتكاف كذلك نبين لكم كل الآيات التي تحتاجون إليها في حياتكم

{ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } :

وتأملوا هنا ذكر في أول الصيام التقوى وذكر في الختام التقوى ، وذكر قبل آيات الصيام ما يتعلق بالوصية وذكر التقوى ، وذكر قبل الوصية ذكر القصاص وذكرالتقوى ، وذكر قبل  القصاص ما يتعلق بالبر { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ } إلى أن قال { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }

مما يدل على أن العبد مأمور بتقوى الله ، وأن التأمل في آيات الله وأن عبادة الله تزيد العبد تقى { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى }