الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
تفسير القرآن الكريم
التفسير المختصر الشامل (5) تفسير سورة البقرة من الآية ( 44) إلى الآية ( 52)

التفسير المختصر الشامل ( 5)

تفسير سورة البقرة :

من الآية (44) إلى الآية (52)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط  تفسير الدرس على قناة الشيخ على اليوتيوب :

https://youtu.be/JTY9MCorfNM

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ :  زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } :

استفهام إنكاريّ . أنتم أيّها اليهود { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ }

 { النَّاسَ } :

( هُنا ) هُم الأقرباء لهم إذا أتَوْهُم في السرّ وسألوهم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قالوا هو نبيّ فاتّبعوه

 

{ بِالْبِرِّ } :

 البِرّ هو اسمٌ جامعٌ لخِصال الخير ، ومِن أعظم ما يكون ما يتعلّق بالعقيدة ، مِن الإيمان بالله وبالقرآن وبالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم .

 

{ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } :

 أي تَترُكون أنفسكم ؟

 وأعظم ما يكون للإنسان أن يُقَدِّمَ الخير إنّما يُقَدِّمُ لِنَفسِه ، فهؤلاء نَسُوا أنفسهم ، والحال { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } وهذا القَيد فيه تقبيح لشأن هؤلاء اليهود

 

  فهُم أصحاب كتاب { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } وتعرِفون أنّ محمّدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم نبيّ وأنّ القرآن هو كتاب الله ، كما قال عزّ وجلّ { الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ } في صفات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

 

 { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } :

 استفهام إنكاريّ ، يُنكِر عليهم ، أين عقولكم التي ذهبَتْ وضَلّت وتاهت فلَم تأمروا أنفسكم بالخير ، وفي هذا خطورة مَن ينهى الناس عن الذّنب ويقع فيه ، ولكن ليس معنى ذلك أنّ الإنسان إذا واقعًا في ذنب أنّه لا ينهى غَيره عن هذا الذنب الذي هو واقع فيه ، فلا تدلّ الآية على هذا أبدًا ، إنّما تدلّ الآية على سُوء مَن نهى شخصًا عن ذنب هو واقعٌ فيه ، ولا تدلّ على أنّ الإنسان لا يأمُر غَيره بِتَرك الذنب الذي وقع هو فيه ،

 

 فلو كان مثلًا :

 إنسان مثلًا - مِن باب الأمثلة المشهورة - لو كان يُدَخّن ، ورأى إنسانًا يُدَخّن ، فالواجب عليه - ماذا ؟ - أن ينهاه ، والواجب عليه أيضًا أن يَترك هو الدخّان ، وذلك لأنّه إذا نهاه ، وذلك لأنّه إذا نهاه وهو واقعٌ في الذنب ، هذا ذنب واحد ، لكن لو تَرَكَ النَّهي عن المنكر وقع في ذنبٍ آخر .

 

  { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } :

 { وَاسْتَعِينُوا } :

أنتم وغَيرُكم محتاجون إلى أن يستعين بالصبر ، فالصبر فيما لو دَعَتكُم نفوسكم إلى أن تكتموا الحقّ وأن تَقَعوا في الـذَّنب فَصَبِّروا أنفسكم . فإذا أراد الإنسان وَأَمَرَتهُ نفسه بأن يقع في الذنب يُصابِر نفسه يجاهدُها ، ولذلك قال عزّ وجلّ  :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

 

{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  } :

أُمِروا بالاستعانة بالصلاة كما أُمِروا بالاستعانة بالصبر ،

ولذلك :

 النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ كما ثبت عنه قال :

((  أَرِحنا بها يا بلال ، أَرِحنا بها يا بلال ))

وجمع بين الصبر والصلاة ، لأنّ الصبر تتعلّق بالقَدَر ، والصلاة تتعلّق بالشَّرع ، ولا تَنافي بين الشَّرع وبين القَدَر ، خِلافًا للقَدَرِيّة ومَن ضَلّ واتَّبَعَ سبيلهم .

 

فالإنسان مأمور بعبادة الله عزّ وجلّ ، وبِطاعة الله ، ولا يَقُل ربّما قدّر الله عليّ أن أكون مِن أهل النار ، فلا تَعارُضَ بَين الشرع وبَين القَدَر .

[ وسيأتي لهذا مزيدُ حديثٍ بإذن الله تعالى ]

 

{ وَإِنَّهَا } :

{ وَإِنَّهَا } :  الضمير - لم يَقُل وإنّهما - قال :

{ وَإِنَّهَا }  :

{ وَإِنَّهَا } :  الضمير إمّا أن يعود إلى كلّ خَصلة { وَإِنَّهَا } أي خَصلة الصبر وخَصلة الصلاة . 

أو { وَإِنَّهَا } تعود إلى الصلاة ؛ لأنّ الصبر موجود في الصلاة

 

 { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } :

 أي الصلاة ، أو على القول الآخر الصلاة والصبر ( خصلة كبيرة عظيمة )

وإن كان الأظهر : أنّ الضمير يَعود إلى الصلاة ؛ لأنّها أقرب مذكور .

 

{ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } :

 أي لَعَظيمة 

{ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } :

فَمَنْ خَشَعَ في صلاته سَهُلت عليه وأحبّها وأقبَلَ عليها ، لكن مَن يَدخل إلى الصلاة ولا يخشع فيها ، فتكون شاقّةً عليه .

 

ثمّ وصف الخاشعين :

{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ } :

أي يُوقِنُون ، فالظنّ يأتي بمعنى اليقين ، وبمعنى غَلَبَة الظنّ ، وبمعنى الشكّ وَهُنا { الَّذِينَ يَظُنُّونَ } أي يُوقِنُون ،

 

ولذا قال بعض العلماء :

إذا أتَتْ الأدلِّة والبراهين واجتمعت على أمْر فهو اليقين ، وإن كان هذا الأمر تتجاذبه براهين وغير ذلك فيكون ظنًّا ، وإن غَلَبَت الشكوك على البراهين كان شكًّا .

 فالظنّ هُنا هو اليقين .

{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ } :

لُقْيا خاصّة فيها تكريم وتشريف ، وإلّا فَكُلّ عَبدٍ سَيَلقى الله عزّ وجلّ

{ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ }

كلّ إنسان سيُلاقي الله عزّ وجلّ ، لكن لُقْيا ( هُنا ) لُقْيا خاصّة بالمؤمن الخاشع ، وتَتضمّن هذه اللُّقيا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله ، تَتضمّن رؤية الله عزّ وجلّ ، فهم يَرَوْن الله

{ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } :

 فيَرجعون إِلَيْهِ عزّ وجلّ ، فيحاسِب كلّ إنسان بِحَسَب ما عَمِلهُ .

 

{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } :

 كرَّرَ نِداء بني إسرائيل ، مِن باب التذكير بِمَا أنعم الله على أسلافهم ، مع أَنَّ المخاطَبين مَن ؟ هُم مَن في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وخُوطِبوا لأنّ المِنّةَ على الآباء والأجداد هي مِنّة على الأبناء ، ولأنّ هؤلاء اليهود رَضُوا بما فَعَلَهُ أسلافهم مِن الشرّ ، ومَن رَضِيَ فكأنّه فَعَل .

 

{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } :

ذَكّرَهم بإسرائيل ، مِن أنّهم أبناء إسرائيل الذي هو يعقوب عليه السلام

{ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } :

 اذكروها بقلوبكم وبألسنتكم وبجوارحكم { الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } .

 

 أنعم الله عليهم بِنِعَم عظيمة

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ }

 

{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) }

 

{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }  :

{ عَلَى الْعَالَمِينَ } :

 قُلْنَا في قوله تعالى { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } :

العالَمون : كلّ ما سوى الله فهو عالَم .

قال هُنا :

{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }

 هل هُم فُضِّلوا على العالَمين السابقين والمتأخّرين حتّى مِن أُمَّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟

 قيل بهذا ، بِاعتبار أنّ الأنبياء فيهم كُثُر ، ولذلك قال الله عزّ وجلّ :

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ }

 لكنّ هذا القول فيه ما فيه ، بِاعتبار أنّ قَبل بني إسرائيل فيهم أنبياء ، وقَبلهم مَن ؟

 

  إبراهيم عليه السلام خليل الله ، وبعدَهم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم خليل الله ، وإنّما المقصود أنّهم فُضِّلوا على العالَمين بِاعتبار زمانهم ، لكنّهم ليسوا بأفضل مِن أُمَّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والتي قال الله عزّ وجلّ عنها  :

{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }

 

{ وَاتَّقُوا يَوْمًا } :

 أمَرَهم بِأن يتّقوا هذا اليوم ، وهو يوم القيامة ، ونُكِّرَ لِلتعظيم . وإذا اتَّقَى العبدُ هذا اليوم ، فقد اتَّقَى الله عزّ وجلّ ، فلا تنافيَ بينه وبين قوله تعالى :

 { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ }

 

{ وَاتَّقُوا يَوْمًا } :

احذروا مِن ذلك اليوم ، يوم القيامة

{ لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } :

أي لا تُغني نفسٌ عن نَّفْسٍ شيئًا ، يعني أيَّ شيء ، كما قال عزّ وجلّ :

{ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) }

 وكما قال تعالى :

{ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) }

 

{ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } :

 إلّا بِشَرطَين :

 بإذن الله عزّ وجلّ الشافع أن يَشفع ورضاه عن المشفوع له .

 كما قال تعالى :

{  وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى }

 

 { وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } :

الفِعل مُذَكَّر ، وَلَمْ يَقُل ( ولا تُقبَل منها شفاعة ) وذلك لأنّ الشفاعة تَتضمّن الشفيع { وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } أي شفيع .

كما قال تعالى :

{ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ }

 أي وَعظٌ مِن ربِّه . ولهذا نظائر .

 

{ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } :

 لا يؤخذ منها فداء ومال لكي يُنقذَ الإنسانُ نفسه .

{ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ } :

 ليس هناك مَن ينصرهم ، وذَكَرَ الشفاعة والعدل وهو الفِداء والنُّصرة ، لأنّ الإنسان إنّما يتحصّن ويحمي نفسه ، أو يدفع عن نفسه المضارّ في هذه الدنيا بهذه الأسباب :

 إمّا شفاعة وساطة ، أو أن يدفعَ مالًا أو أن يكون له أعوان ينصرونه ويُعِينونه . فنفى الله عزّ وجلّ عنهم [ هذه الأشياء ] في الآخرة [ التي كانوا يَركَنون إليها في الدنيا ].

 

{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ } :

خاطَبَهم وَهُم في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } :

لأنّ المنّة على الأجداد كما سبق هي مِنّة على الأبناء ، ولأنّهم رَضُوا بما فعله أسلافهم ، فكان حُكمُهم كَحُكمِهم .

 

{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ } :

 مأخوذٌ مِن النجوى وهو الارتفاع ، يعني ارتفعتم بهذا الإنجاء .

{ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } :

 يشمل فرعون وآلَه ، بدليل أنّ مَن يعذّبهم فرعون ومَن معه ( الآل ) يُطلَق على الأتباع ، ويُطلَق على الشخص نفسِه ، إلّا إذا دلّ دليل يَخُصُّ أحدَهما .

 

{ يَسُومُونَكُمْ } : أي يُذيقونكم .

{ سُوءَ الْعَذَابِ } : أي أشدّ العذاب .

ما هو هذا العذاب ؟

 تفسيره ما بعده ، كما قال بعض المفسِّرين :

{ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ }

 لكن في سورة إبراهيم قال :

{ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ }

 أتى بالواو التي تجعل التذبيح والاستحياء خِلاف سَوم العذاب . فقال هؤلاء إنّ الواو زائدة .

والذي يَظهر أنّ قوله تعالى :

{ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ }

 أي أشدّ العذاب المتنوّع ، مأخوذ مِن السَّوْم وهو التَّنَقُّل ، كما يَنقُلُ الإنسان بَهائمه السائمة التي تَرعى في الصحراء مِن مَوطنٍ إلى موطنٍ آخر . ويكون مِن ضِمن هذا العذاب بِدلالة سورة إبراهيم :

{ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } :

 وهذا التذبيح سببُه كما ذكر كثيرٌ مِن المفسِّرين مِن أنّ فرعون خَشِيَ على مُلكِهِ أن يزول على يد غُلاَمٍ مِن بني إسرائيل ، فأَمَرَ بِذبح الأبناء ، واستِبقاء النساء ، وهذا يُسمّى بحديث الفُتُون ، رواه النسائيّ في السُّنن الكُبرى وهو حديثٌ طويلٌ ، حديثُ ابن عبّاس رضي الله عنهما ، لكن ليس هناك - كما سيأتي في سورة طه - ليس هناك دليلٌ صحيحٌ على هذا .

 وعلى كلّ حال يُستأنَس بذلك ، فيكون هذا مِن قَبيل الإسرائيليّات التي يُستأنَس بها ، والتي لا تُصَدَّق ولا تُكذَّب  وقد ذَكَرَ ذلك جُملةٌ مِن أهل العلم ، ولعلّ الحديث يَستفيض بِنَا إن شاء الله في بيان هذا الحديث ( حديث الفُتون ) وما شابه ذلك في سورة طه

{ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } :

{ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } :

الذّبح المعروف ، في سورة الأعراف { يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ } فإمَّا أن يكون الذّبح المقصود منه القتل ، أو أنّهم يفعلون ذلك تارة ، يذبّحون البعض ، ويَقتُلون البعض بِغَير آلة الذّبح .

 { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } :

أي يَستَبْقون النساء ، واستِبقاء النساء في ظاهرها نعمة ، لأنّهم لَم يعتدوا على نسائهم ، لكن لمّا قُرِنَ بِتذبيح الأبناء ، دلّ على أنّه ليس بِنعمة وإنّما هو عقوبة ، أن يرى الإنسان أبناءه يُذبَّحون ، وأن نساءه يُستَبقَون مِن أجل الخدمة .

{ وَفِي ذَلِكُمْ } :  أي ما سبق .

ما الذي سبق ؟

{ وَفِي ذَلِكُمْ } :

الضمير : إمّا أن يعود إلى النجاة ، وإمّا أن يعود إلى العذاب .

ولذلك قال :

{ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ } :

 أي امتحان

{ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } :

 ولا شيء أعظم مِن أن يُذبَح أبناء الإنسان ، وأن تُستَبقى نساءه وبناته للخدمة .

{ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } :

{ بَلَاءٌ }

{ وَفِي ذَلِكُمْ } :

 إن كان الضمير يعود إلى النجاة ، فيكون بَلوى نِعمة : أتَشكرون أم لا ؟ وإن كان الضمير يعود إلى { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } فهو ابتلاء مِحنة ؛ لِيَنظر : هل يَصبِر الإنسان أم لا ؟ والابتلاء كما يكون بِما يَسُوء الإنسان ، أيضًا بما يُفرح الإنسان .

 

 فالنِّعمة ابتلاء وامتحان .

قال تعالى :

{ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }

 

{ وَإِذْ فَرَقْنَا } :

 يُعَدِّد عليهم النِّعَم التي كانت على أسلافهم

{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } :

أي بِسببكم انفلقَ البحر ، أو لأجلكم انفلقَ البحر ، لمّا تَبِعهم فرعون ومَن معه مِن جُنوده ، كما ذَكَرَ عزّ وجلّ في سورة الأعراف وفي سورة الشعراء { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا  إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ  فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) }

 

{ فَأَنْجَيْنَاكُمْ } :

فَأَنْجَيْنَاكُمْ لمّا دَخَلتم في البحر . وهذه نِعمة .

 نِعمةٌ أُخرى : أن تَرَوا أعداءكم قد هَلَكوا ، هذه نِعمة أخرى

{ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } :

 أي أتباع فرعون . هل يدخل فرعون معهم ؟ نعم ، يدخل معهم ؛ لأنّ الآل كما سبق يدخل فيها الإنسان نفسه وأتباعه .

 

{ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } :

 وأنتم تُبصِرون أعداءكم - بِأُمّ أعينكم - وهم يهلكون ؛ مِن باب أن تتشفَّى صدوركم وأن تعلموا عِلم اليقين أنّ أعداءكم قد هلكوا ، يقينًا ترونهم . كما أخبر عزّ وجلّ عن رئيسهم فرعون في سورة يونس

{ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } :

ولِيطمئنّ بنو إسرائيل مِن أنّ فرعون قد هلك ، وأنّ جنود فرعون قد هلكوا .

 

{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } :

واعَدَ الله عزّ وجلّ  موسى أربعين ليلة ، هي ثلاثون ليلة ثمّ أتمَمَها بعشر ، كما في سورة الأعراف :

{ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ }

واعَدَه مِن أجل أن يُعطِيَه التوراة ، فالتوراة إنّما أُنزِلت على موسى بعد أن أهلك الله عزّ وجلّ فرعون .

قال تعالى :

 { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ }

 فبعدَ أن نجّى الله عزّ وجلّ موسى وقومَه مِن البحر ، وأهلكَ عزّ وجلّ فرعون وقومَه واعَدَه عزّ وجلّ أربعين ليلة ، تحديدُها والمقصودُ منها الله أعلم بذلك .

 

[ وسيأتي بيان لها في سورة الأعراف بإذن الله عزّ وجلّ أكثر ؛ لأنّها في سورة الأعراف فُصِّل عنها بأكثر ممّا في سورة البقرة ]

 

{ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } :

 لَم يَقُل يومًا ؛ لأنّ الليلة هي التي يدخل بها اليوم عند العرب . كما نقول مثلًا - وهذا هو المعمول به - مثلًا ( ليلة العيد ) يعني دَخَل العيد ، فلا صلاة تراويح ، وهذا كَمثال . وقيل إنّ ذِكْر ليلة مِن باب أَنَّ موسى عليه السلام أُمِر بِصيام ثلاثين يومًا مع الليل ، فيكون صيامه متواصلًا ، فبعد الثلاثين استاكَ ، فتغيّرَت رائحةُ فَمِه ، فأنكَرَ الله عزّ وجلّ عليه ، وأمَرَه بِعشر ليالٍ أُخَر أن يصومها . لكن هذا لا نَعلَمُ له دليلًا صحيحًا عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .

 فيكون ذِكر الليلة باعتبار أنّ اليوم عند العرب ، وحتّى في الشرع يدخل بالليل.

 

{ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ } :

 اتّخذتم العجل إلٰهًا .

{ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ } ماذا ؟ هناك شيء محذوف بدلالة الآيات في سُوَر أُخرى (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ إلٰهًا )

 { مِن بَعْدِهِ } :

 مِن بعد موسى عليه السلام ، لأنّ موسى لمّا نَجَّى الله عزّ وجلّ قومه وأهلك فرعون ، أمَرَه عزّ وجلّ أن يأْتِيَ إِلَيْهِ بعد أربعين ليلة لكي يأخذَ التوراة ، فاستَبطَأَت - مِن بعد ما ذهب موسى - استبطأت بنو إسرائيل قدوم ( ماذا ؟ ) موسى ، فجرى ما جرى مِن فِعل السامرِيّ في سورة طٰهٰ :

{ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) }

 [ وسيأتي له تفصيل بإذن الله تعالى ]

 

{ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ } :

ظالمون إذ اتّخذتم هذا العجل إلٰهًا مِن دون الله . وأيَّ ظُلم أعظم مِن الشرك بالله عزّ وجلّ ؟ فَفِعلكم هذا أعظم الظلم ، الذي هو الشرك بالله عزّ وجلّ . ولذلك قال عزّ وجلّ عن لُقمان :{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }

 

{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ } :

عفا الله عزّ وجلّ عنهم مِن ما اتَّخَذُوا العجلَ إلٰهًا ، وذلك أنّ موسى كما قال عزّ وجلّ :

{ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا }

لكي يعتذروا مِن عبادة العجل .

 

{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } :

 لأنّ عفوَ الله عزّ وجلّ لِلعبد يَستوجِب الشكر ؛ لأنّ أعظم ، ومِن أعظم النِّعَم أن يتوب الله عزّ وجلّ عليه ، ثمّ أيضًا قال :

{ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } كما قال في آيات أُخَر { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي رجاءَ أن تَشكروا الله ، فلا تتّكِلوا على أنفسِكم ، عليكم بِشُكر الله عزّ وجلّ ، ولا تتّكلوا على أنفسكم وإنّما عليكم أن تَرجو الله عزّ وجلّ أن يوفّقكم لِشُكره