الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
خطبة قصيرة لكنها روعة بأدلتها الشرعية ( فكل مواطن منا رجل أمن )

خطبة قصيرة لكنها روعة بأدلتها الشرعية

فكل مواطن منا رجل أمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضيلة الشيخ :  زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

حماية الوطن هي مسؤوليّةُ كلّ مواطن، فالمحافظة على الوطن ، وعلى البلاد

 المحافظة عليه من الأفكار المنحرفة ومن الشُّبَه الضالّة ، ومن الشهَوات المائعة ، ومن المُسْكِرات والمخدِّرات القاتلة

 

هذا هو واجبُ كُـلِّ مُواطنٍ يعيشُ في بلدِه

 

وليـسَ الأمرُ - عِبادَ الله - ليس الأمر محصورًا في رجال الأمن ، بل يتعيّن أن يكون كلّ مواطن ، أن يكون رجل أمن ، ولْيَحتسب الأجر من الله عزّ وجلّ ، دفاعًا عن هذا الوطن ، وحُبًّا لهذا الوطن ؛ حَتَّىٰ يحصلَ المسلمُ على الثوابِ من الله جلّ وعلا ، لا لِكونه وطنًا مجرّدًا فقط . لا

 

وإنّما كما قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله  :

"  مَن دافع عن الوطن ، فلْيدافع عن الوطن لأنّه وطنٌ إسلاميّ ، فهو يريد أن يحفظ الإسلام والشعائر في هذا الوطن "

 

ومِن ثَمَّ :

 فإنّ مَن كانت هذه النيّةُ نيّتَه ، فيكون مِن المجاهدين في سبيل الله جلّ وعلا  كيف وهذه البلاد ولله الحمد ، هي بلاد التوحيد ، تَظهر فيها معالم التوحيد ، ليس فيها شركيّات ، ولا بِدعيّات ، ولا خزعبلات

 

النقص موجود ولا يَسلَمُ منه أحد ، والنقص يُعالَج ، لكن لا يمكن أن يسلمَ أحدٌ من النقص

 

فهذه البلاد يجب أن يُحافَظَ عليها

 

فأنتَ وأنا ، وهذا وذاكَ وذلكَ ، كلُّنا يتعيّن عليه أن يكون رجلَ أمنٍ لهذه البلاد المباركة

 

ومَن يسعى إلى تدمير وطنه ، ومن يسعى إلى تفكيك لُحمة وطنه فإنّه لا عقل له ، أو أنّه ضعيف العقل ، أو أنّه مُغيَّب العقل ، مَن يسعى إلى تدميره بأفكار منحرفة ، أو بمخدِّرات أو بشبهات أو بشهوات ، أو بما شابه ذلك من المفاسد ، فإنّه لا عقل له ،  لِمَ ؟

 

لأنّ النفوسَ مجبولةٌ على حبّ الوطن

 

يقول ابن تيميّة رحمه الله  :

 كما في مجموع الفتاوى :

 ( والنفوس تَحِنّ إلى الوطن ، والغريب عن وطنه إذا ذُكِّرَ  - وهو غريبٌ - إذا ذُكِّرَ بوطنه حَنّ إليه واشتاق إليه )

 

بل قال ابن القيّم رحمه الله :

كما في إعلام الموقّعين قال :

" إنّما لَمْ  يُكتفَى بِجلدِ الزّاني البِكر ، وإنّما أُضيف إِلَيْهِ أن يُنفى عن البلدِ سَنَة ؛ مِن أجل أن يذوق مرارة ألم مفارقة الوطن "

 

بل كما قال شيخ الإسلام رحمه الله    :

" كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، إذا أراد أن يعزِّرَ أحدًا ، عزّره بأن يُخرجه مِن البلد "

 

إِذًا :

 مَن يريد تدمير البلاد ، مَن يريد الفساد والدّمار للبلد ، فإنّه مُخالف لفطرته ، ومُخالف لعقله .

 

 بل كما قال شيخ الإسلام رحمه الله   :

 كما في القواعد النَّوْرانيّة ، وتَبِعَه على ذلك ابن حجر رحمه الله في الفتح قال :

" إنّ الله جلّ وعلا جَعَلَ إخراج الإنسان من بلده جعله قرينًا للقتل

 { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ}

 

بل إنّ الله عزّ وجلّ بيّن أنّ مِن شرف المهاجرين في سبيل الله كما في سورة الحشر :

{ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا  }

فدلّ هذا على أنّ خروج وإخراج الإنسان من بلده مِن أشقّ ما يكون .

 

 بل قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله   :

كما في التفسير ، هو شاقّ على النفوس ، بل هو أشقّ ، قال : بل قد يكون أشقّ من القتل .

  ولذلك :

 ماذا قال عزّ وجلّ :

{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ }

 

فدلّ هذا على أنّ الوطنَ محبوبٌ إلى النفوس

 

ــ بل إنّ مِن الأسباب التي أَمَرَ الشرع أن تُحْسِنَ فيها إلى الكفّار الذين لم يُحاربوك من أجْل الدِّين ، ولم يخرجوك من بلدك أن تُحسن إليهم ، لا أن تحبّهم

 فَفرقٌ بين المحبّة والإحسان ، أن تُحسنَ إليهم فقط دون المحبّة :

{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ }

فدلّ هذا على أنّه يتعيّن على العُقلاء ، يتعيّن على العُقلاء ، فضلًا عن المسلمين أن يحافظوا على هذه البلاد ، وأن يحافظوا على أوطانهم

 

ولذلك   :

 ماذا قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم  

ـ كما في الصحيحين  لمّا أتاه الوحي أخذته خديجة إلى ورقة ، فقال ورقة لمّا أخبره النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بما رَآه لمّا نزل عليه جِبْرِيل . فأخبره أنّ قومَه سيُعادونه ، وأنّهم سيُخرجونه من بلده

فماذا قال ؟

قال :

(( أَوَمُخْرِجِيَّ هُم ؟ ))

 

 قال السُّهَيليّ رحمه الله كما في الفتح    :

" فدلّ هذا على أنّه انزعج صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى أتى بحرف الواو بعد همزة الاستفهام لَمْ يَقُل :

( أَمُخرجيَّ )

بل قال :

( أَ وَ مُخرجيّ هُم )

ممّا يدلّ كما قال السُّهَيليّ :

 " على أنّه انزعج أن يُخرَج مِن بلده التي تربّى فيها "

 

 وقال ابن حجر رحمه الله   :

" يُحتمَل أنّ انزعاجَه مِن أجل أنّ قومَه سيكذّبونه ، وأنّهم سيخرجونه من بلدتِه "

 

 ولذلك لمّا وقف صلّى الله عليه وآله وسلّم

 كما عند الترمذيّ عند الحَزورة ، وهي مكان قُرْب مكّة ، لمّا أُخرج صلّى الله عليه وآله وسلّم قال كما ثبت عنه :

((  واللهِ ، إِنَّكِ لأحبُّ أرض اللهِ إلى الله ، ولولا أنّ قومَكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ ))   

 

وهذا ممّا يدلّ على أنّ الوطنَ محبوبٌ إلى النّفس

 ومن ثَمَّ :

 فكما أسلفنا عليكَ أن تستحضرَ النيّةَ مِن أنَّكَ تحمي وتدافع وتصون هذا البلد  وأيّ وطن مِن أوطان المسلمين على أنّه وطنٌ إسلاميّ ؛ حَتَّىٰ يحصلَ لكَ الأجرُ مِن الله عزّ وجلّ

 

حَتَّىٰ مَن يُحافِظُ ، حَتَّىٰ إنّ مَن يُحافِظُ  عليه ويُقتل دفاعًا عن هذا الوطن ، لِكونه يَستحضر أنّه وطن إسلاميّ تُقام فيه الشعائر الدينيّة ، فإنّه كما قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله :

 "  يُعتبَرُ مِن المجاهدين في سبيل الله الذين يريدون إعلاء كلمة الله "  

 

انظر - رعاك الله - بلال - كما في الصحيحين - لمّا فارق وهاجر مكّة إلى المدينة ، دخلت عليه عائشة رضي الله عنها ، فكان يتغزّل بأوديةِ وجبال وأعين مكّة

 

فأخبرت عائشة رضي الله عنها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لأنّ بلالًا كان يقول :

 

ألا ليتَ شِعري هل أَبِيتَنَّ ليلةً

                          بوادٍ وحَولي إزْخِرٌ وجَليلُ

 

 وهل أَرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجَنَّةٍ

 

ويصحّ نطق الميم بالكسر :

 ( مِجَنَّةٍ )

 

وهل أردن يومًا مياه مجنّة  

                        وهل تبْدُوَنْ لِي شامَةٌ وطَفيلُ

 

وهما جبلان  أو عينان في مَكَّة

 

فجعل يتغزّل بلال بتلك الأودية وبتلك الجبال وبتلك النباتات في مكّة . فدخلت عائشة رضي الله عنها على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخبرته  فقال :

(( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كَحُبِّنا مكّة أو أشدّ ))

 

بل إنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم  

كما في صحيح البخاريّ مِن حديث أنسٍ رضي الله عنه  :

(( أنّه كان إذا قَدِمَ صلوات ربّي وسلامه عليه ))

 وفي هذا إشارة كما سأذكره عن ابن حجر رحمه الله ممّا يدلّ على حنين الوطن في القلب وعلى الشوق إليه فكيف يأتي أُناس يدمّرون البلد ؟!

ما هذا إلّا هو غيابٌ عن العقل ، وما هذا إلّا سَفَهٌ وخَبَثٌ في النفوس وفي العقول

ولذلك قال أنس رضي الله عنه كما عند البخاريّ   :

(( إذا قَدِمَ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مِن سَفَر ، فرأى جُدُرات ( بضمّ الجيم والدّال ) جُدُرات المدينة أوضعَ راحلته ، يعني :  أسرع صلّى الله عليه وآله وسلّم ))

جُدُرات  :

( جمعُ جُدُر )   التي هي بمعنى جِدار

 

وممّا يدلّ على ذلك رواية الترمذيّ   :

 (( إذا رأى جُدران المدينة ))

 

وثَبَتَ عند البخاريّ أيضًا :

 (( دَرَجَات . إذا أبصر درجات المدينة ))

 وهي الطُّرُق المُرتفعة من المدينة

 

وفي رواية :

 ((  إذا رأى دَوحات المدينة ))

 وهي جمع دَوحة : وهي الشجرة العظيمة

 

إِذًا :

هو صلوات ربّي وسلامه عليه ، إذا قَدِمَ مِن سفر فرأى الطرقات المُرتفعة من المدينة ، و رأى جُدران بيوتها ، ورأى الأشجار صلّى الله عليه وآله وسلّم أسرعَ

 

قال ابن حجر رحمه الله كما في الفتح  :

"هذا يدلّ على فضيلة المدينة ، وعلى مشروعيّة - بهذا النصّ قال - وعلى مشروعيّة حبّ الوطن والحنين إليه "

 

إذن فَلْيَسمع أولئك الذين يقولون ويروّجون إذ قالوا : إنّ الوطن وثن . يقولون : إنّ الوطن وثن

 

وما هذا إلّا لِخُبثٍ في النفوس وفي العقول ، ويستدلّون بقول الله عزّ وجلّ ، يقولون : ما يَتَعلّق بالأوطان إلّا مَن في قلبه نفاق . هكذا زعموا

 

يستدلّون بقوله تعالى  :

 { وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ  }

 قالوا :

{ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ }

أناطوا الأمرَ بِيَثرب فقط

{ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا }

 

وهؤلاء لم يفهموا هذه الآية ،  لأنّ المنافقين علّقوا الولاء والبراء بالوطن

 

وَنَحْنُ نقول :

 الولاء والبراء للدِّين ، وإنّما يُدافَع عن الوطن ،  ويجب أن يُدافَع عن الوطن باعتبار أنّه وطن إسلاميّ ، ويجب أن يُحْمَى فيه ما يكون من شعائر الدِّين ، كما نبّهنا على ذلك في أوّل ما ذكرنا مِن كلام شيخنا ابن عثيمين رحمه الله

 

فتنبّهوا - رعاكم الله -  :

أَمْن الوطن ، حماية الوطن مِن كلّ فاسِدٍ ومُفسدٍ يتعيّن علينا جميعًا ، يتعيّن على الجميع

 

كلّنا رَجُلُ أمنٍ

كلّنا مسؤول عن هذا الوطن

 

ولْتَستحضِر النيّة ابتغاءَ الأجرِ من الله عزّ وجلّ حينما تُدافِع عن هذا الوطن

 

أسأل الله عزّ وجلّ أن يحفظ هذه البلاد وبلاد المسلمين  وأن يجنّبنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطن  

 ونسألُه جلّ وعلا أن يعيننا ، وولاةَ أمرِنا على المحافظة على هذا الوطن

ونسأله جلّ وعلا أن يحفظ أخوانَنا المُرابطين على الحدود

 اللَّهُمَّ احفظهم بحفظك

 اللَّهُمَّ ثبّت أقدامهم

 وسدّد رميَهم

وانصرهم على أعدائك وعدوّهم

يا قويّ يا عزيز