الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
وقفات نافعة في زوال الكرب

" وقفات نافعة في زوال الكرب   "

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ــــــــــــــــــــــ

( أما بعد : فيا عباد الله  )

تحدثنا في الجمعة الماضية عن " الحزن " هذا الحزن عباد الله إذا استمر بالإنسان واستسلم له صار هذا الحزن سمة له حتى يكون هذا الحزن موصلا له إلى ما يسمى " بالكرب " فالحزن إذا استسلم له العبد فإنه يوصله إلى الكرب ، ما هو الكرب ؟

قال أهل اللغة  :  مادة " الكاف والراء والباء " تدل على الشدة والقوة .

إذاً / الكرب : هو ما يدهم الإنسان فيغمه ويحزنه ويستمر معه ، فمن أصيب بمرض واستسلم لآثاره وآلامه فإنه يعد مكروبا ، من أصيب بماله واستمر معه الحزن في ذلك فإنه مكروب ، من أصيب بعدم صلاح أولاده فهو مكروب ، من أصيب بعدم استقرار بيته وصلاح زوجته فإنه مكروب ، إذاً  / كل ما لا يلائم العبد ويستمر معه فإنه يعد مكروبا .

ولو قال قائل :

كيف نعالج هذا الكرب ؟ وكيف يزول الكرب ؟

 

الكرب يزول بما يأتي  :

 

" أن تعتقد الاعتقاد الكامل بأن الذي يفرج الكرب هو الله جل وعلا "

 قال تعالى :

{قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ }الأنعام64

{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }النمل62

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى إلى المريض ليرقيه يأتي ببعض الكلمات – صلوات ربي وسلامه عليه – تلك الكلمات هي موضع الشاهد معنا كما جاء في مسند الإمام أحمد ، وإلا فإن أصل الحديث في الصحيحين  كان صلى الله عليه وسلم إذا أتى إلى المريض أتى إليه وقال عنده كلمات ليذكره بأن الذي يكشف الكرب ويرفعه هو الله ، وتلك الدعوات إنما هي سبب ، إنما الذي يكشف الكرب ويزيله هو الله جل وعلا ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند المريض هذه الدعوات :

(  أمسح البأس رب الناس بيدك الشفاء )

موضع الشاهد ( بيدك الشفاء لا يكشف الكرب إلا أنت )

كل هذا من أجل أن يغذي قلب المريض من أن الكرب لا يمكن أن يكشف إلا من الله جل وعلا .

ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس كما في المسند وسنن الترمذي لما كان رديفا له فقال :

( يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك )

ولذا قال جل وعلا  :

{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }الرحمن29

قال أبو الدرداء رضي الله عنه كما في سنن ابن ماجه

( إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية " من شأنه جل وعلا كل يوم يغفر ذنبا ، ويفرِّج كربا ، ويرفع أقواما ويضع آخرين )

هذا هو تفسيره صلى الله عليه وسلم للآية .

 

من الأشياء التي يزول بها الكرب بإذن الله جل وعلا :

" أن تستحضر أنه كلما عظمت الشدة فإن الفرج آت بإذن الله جل  وعلا "

قال تعالى :

سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً }الطلاق7

{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً }الشرح6

وقال صلى الله عليه وسلم كما في المسند ، في إحدى روايات حديث ابن عباس رضي الله عنهما :

( واعلم أن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا )

انظروا ( و أن الفرج مع الكرب ) أي أنه مصاحب  له ، وبالتالي فإن الكرب كلما عظم فلتعلم أن الفرج قريب بإذن الله جلا وعلا .

من الأشياء التي يزول بها الكرب بإذن الله جل وعلا :

" أن تكثر من دعاء الله جل وعلا "

وأن تلتجئ إلى الله بالدعاء أن يزيل همك وكربك ، ولذلك الأنبياء نُجُّوا من الكرب بسبب الدعاء ، قال جل وعلا :

{وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ }الأنبياء76

وقال جل وعلا : {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ }الصافات75

وقال جلا وعلا : { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ{10} فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ }

وقال أيوب عليه السلام على وجه الاستسلام والالتجاء إلى الله :

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }الأنبياء83 ، فما الجواب ؟

{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ }الأنبياء84

يونس عليه السلام :

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ  }

وهل هذه خصوصية لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام ؟

لا  { وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ }الأنبياء88

فدل على أن العبد بحاجة ماسة إلى دعاء الله جل وعلا .

ولو قال قائل : هل هناك أدعية نبوية أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم حالة الكرب ؟ أو قالها إذا كان في حالة كرب – لأن الكرب لا يسلم منه أحد حتى النبي صلى الله عليه وسلم – ولذلك من ضمن ما يذكر من دعاء في السنة النبوية فيما يخص الكرب :

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما عند أبي داود لأسماء بنت عميس رضي الله عنها – حتى النساء بحاجة إلى هذا الدعاء ، وكذلك الرجال ، قال لأسماء بنت عميس :

( ألا أعلمك كلمات تقولينهن في الكرب أو عند الكرب ؟

" الله ربي لا أشرك به شيئا " )

سهل أن يحفظها الإنسان ، قل

( الله ربي لا أشرك به شيئا )

إذا كنت في كرب .

وكذلك من ضمن الأدعية ما جاء في سنن أبي داود من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( دعوات المكروب اللهم رحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، لا إله إلا أنت )

هذا نوع من أنواع أدعية المكروب .

وجاء في سنن الترمذي  من حديث أنس رضي الله عنه :

( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه كرب كان يقول " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث )

سهل أن يحفظه الإنسان ، فإن كنت لا تحفظها فاحفظها ، ولاسيما هذه الجملة المختصرة كقوله صلى الله عليه وسلم ( الله ربي لا أشرك به شيئا ) ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث )

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال :

( ما أصاب أحدا قطُّ هم ولا حزن فقال " اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك  ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيّ حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك،  
أو استأثرت به في علم الغيب
عندك ، أن تجعل القران العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله عنه همه وحزنه وأبدل همِّه فرحا )

موضع الشاهد الذي أردت أن أصل إليه ، ولا شك أن هذا الدعاء جميل ، وجميل بالمسلم أن يحفظه :

( قالوا : ألا نتعلمهن يا رسول الله ؟

قال صلى الله عليه وسلم : بلى ، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن )

ومما ورد في الدعاء ، ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما  :

( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم ،لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم) 
ليس هناك مما يعانيه الإنسان بعد فراقه لهذه الدنيا من كرب أعظم من كربة الموت ، وهناك كلمة تزول بها عنه كربة الموت ، لكن من يوفق لها ؟

في المسند :

( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ، فقال عمر يا أبا محمد إني أراك كئيباً ، ما الذي ألمَّ بك ؟  أأغضبتك إمارة أبي بكر ؟ قال لا ، وأثنى على أبي بكر خيرا ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلمة لا يقولها عبدٌ عند موته إلا أزال الله عنه كربه وأشرق لونه ، وما منعني أن أسأله إلا القدرة عليها )

أنا قادر على أن أحفظها ، لكنه رضي الله عنه نسيها

( فقال عمر رضي الله عنه : والله إني لأعرف تلك الكلمة ، هي أعظم كلمة أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب " لا إله إلا الله "

قال طلحة : والله هي هي )

إذاً ، كلمة " لا إله إلا الله " تزيل الهموم وتفرِّج الكروب ولاسيما عند الموت ،فنسأل الله جل وعلا أن يذكرنا وإياكم إياها وأن يعيننا على قولها عند الموت .

من الأشياء التي يزول بها الكرب بإذن الله جل وعلا :

" أن تُعين من وقع في مكروب "

ولذلك لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري :

( لما أتاه جبريل وأتى إلى خديجة وقال يا خديجة إني خشيت على نفسي )

 فماذا قالت ؟

( كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ) موضع الشاهد ( وتعين على نوائب الحق )

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم  مبينا أن أسهل طريق لكشف الكرب واستجابة الدعوة أن تفرِّج عن مكروب ، قال صلى لله عليه وسلم كما في المسند :

( من أحب أن تستجاب وأن تكشف كربته فليفرِّج عن معسر )

من وقع في عسر فرِّج عنه ولو بكلمة ، ولو بإعانة معنوية ، بل إن تفريج الكرب عن المعسرين فيها تفريج الكرب يوم القيامة ،قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين :

( من فرَّج كربة عن مسلم فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة )

بعض الناس ولا يسلم من أن يكون عليه دين ، ولا يسلم من هذا أحد – فكم من شخص دائن يطلب أشخاصا مالا ، ولا قدرة لذلك المدين على السداد ، هنا إذا أردت أن تفرج كربتك وتحفظ وتصان من الكرب أن تقع بك فأسقط هذا الدين أو أسقط بعضا منه ، يقول عبد الله بن أبي قتادة كما في صحيح مسلم ، قال :

( أتى أبي لرجل يطلبه دينا ، فطرق عليه الباب فلم يخرج ، فعلم أبي أنه في البيت ، فلما التقى به عتب عليه ، فقال : والله ما منعني من الخروج إلا أنه لا وفاء عندي .

فقال أبو قتادة :  آلله ؟

أصلها في اللغة " أبالله "

قال : آلله .

فقال أبو قتادة : قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

( من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فليفرِّج عن معسر أو يضع عنه )

إذا كان إسقاط الدين كله أو بعضه يفرِّج كرب يوم القيامة فكيف بكرب هذه الدنيا ؟!

بل إن الكرب تفرج حتى عن الكفار "

اسمع إلى هذه القصة التي ذكرها البخاري في صحيحيه ، لكن لنعد إلى الله عز وجل ، ولنعلم أن هذه الدنيا لن يسلم أحد من الكرب فيها ، والأنبياء والصالحون وقع لهم ما وقع .

تقول عائشة رضي الله عنها :

( أسلمت امرأة سوداء من العرب ، وكان لها حِفْش في المسجد )

الحفش : هو المكان الصغير المتواضع ، لكن لا يصل إلى حجم الخيمة .

( فكانت تجلس فيه )

 وهذا يدل على نوم المرأة في المسجد إذا أمنت الفتنة ، كما بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه ، لأنه لا مكان عندها تأوي إليه إلا المسجد .

( وكانت تأتي وتجلس عندنا وتحدثنا فإذا قامت وفرغت من حديثها قالت :

       ويومَ الوِشاح من تعاجِيبِ ربنا 

                                ألا إنه من بلدة الكفر نجَّاني

 

تقول عائشة رضي الله عنها :

( كلما قامت كلما ذكرت هذا البيت ، فقالت رضي الله عنها ما الذي بك كلما قمت قلت هذا البيت ؟

قالت : كنت أمة عند قوم من العرب وكان عندهم جويرية " تصغير جارية ، يعني بنت صغيرة ، وفي غير رواية البخاري " كانت عروسا "

وكان معها وشاح " وهو نسيج ينسج ويرصع من أدم يعني جلد أحمر ويرصع باللؤلؤ الأبيض .

قالت : فجاءت  الحُدَيَّة " تصغير حدأة وهي طائر "  فأخذته تظن أنه لحم ، فأخذته فاتهموني به وعذبوني حتى إنهم طلبوه في قُبُلها ، فبينما أنا في كربة "

في رواية في غير صحيح البخاري :

( أنها دعت الله أن يفرِّج كربتها )

قال ابن حجر رحمه الله : " تلك الدعوة قبل أن تسلم ، لأنها ما أسلمت إلا بعدم أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم "

( قالت : فبينما أنا في كربة حتى أتت الحدية ووازت برؤوسنا فأسقطت الوشاح ، فقلت هذا الذي اتهمتموني به "

فانظر عبد الله مع أنها يوم أن دعت كانت كافرة ، فما الظن بك وأنت مسلم ؟!

أسأل الله عز وجل أن يفرِّج عني وعنكم كرب الدنيا وكرب يوم القيامة .

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله :

" من الأشياء التي يزول بها الكرب بإذن الله جل وعلا "

" أن تحسن ظنك بالله وأن تتفاءل أن الله جل وعلا سيزيل ما ألمَّ بك من كرب "

واسمع معي ما أورده البخاري رحمه الله في صحيحه ، وأورد هذه القصة مختصرة حتى لا يطول بها الحديث ، وفيها عظم التفاؤل وعظم حسن الظن بالله جل وعلا ، ممن ؟ من الزبير بن العوام رضي الله عنه .

يقول عبد الله بن الزبير :  لما وقفت مع أبي يوم الجمل

يعني ما جرى مع الزبير وعائشة بين علي رضي الله عنهم ، وقد اجتهدوا في هذا الأمر ، وسمي بيوم الجمل لأن يعلى بن أمية رضي الله عنه أتى بجبل قيمته مائة دينار وأركب عائشة رضي الله عنها عليه .

فقال عبد الله : قال : " إنه لن يقتل في هذا اليوم إلا ظالم أو مظلوم ، ولا  أُراني إلا سأُقتل في  هذا اليوم مظلوما ، وإن أعظم همِّي ديني "

قال عبد الله : ولا زال يكرر هذا .

قال الزبير :  يا بني إذا أنا  قُتلت فاقضِ عني ديني "

ثم قال:"يا عبد الله أترى أن ديننا يبقي لنا من مالنا شيئا ؟

ثم قال : " يا عبد الله ، إذا عجزت عن قضاء ديني فاستعن عليه بمولاي "

وعبد الله يظن أنه أحد الموالي الذين أعتقهم الزبير ، هذا ما خطر في بال عبد الله /

قال : فسألته فقلت : يا أبت  : من مولاك ؟

قال : " إن مولاي هو الله "

قال عبد الله : فقتل أبي ولم يترك مالا وإنما ترك أرضين ، ترك أرضا يقال لها " الغابة " في عوالي المدينة .

وإحدى عشرة دارا بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، ودارا بمصر ، ودارا بالكوفة )

من أين أتى هذا الدين على الزبير ؟

كان رضي الله عنه يأتيه الرجل يستودعه المال ، فيقول الزبير – لا – إنما هو قرض ، إني أخشى عليه الضيعة )

لأنه لو كان وديعة فربما يضيع فيتهمه المودِع بأنه أهمل  ، فيقول الزبير ( هو قرض ) حتى يكون في ذمة الزبير سواء كان من تفريط أو عدم تفريط ، فاجتمعت الديون على الزبير بن العوام رضي الله عنه .

يقول عبد الله : ولم يل أبي إمارة ولا جباية خراج ولا شيئا ، إلا أنه يعزو مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم .

قال عبد الله : فأحصيت ما عليه من الديون فإذا بها ألفا ألف ومائتا ألف " مليونان ومائتا ألف "

قال : فمر بي حكيم بن حزام رضي الله عنه – وهو ابن عمر الزبير – وانظروا إلى حسن الظن بالله ، كان الزبير قال لعبد الله " اقض عني ديني وأوصي بالثلث من مالي ، وثلث الثلث لأبنائك يا عبد الله "

قال حكيم بن حزام  : ماذا ترك أبوك ؟

قال عبد الله : ترك عليه مائة ألف ، وهو لم يكذب رضي الله عنه ، فإن من أخبر ببعض الدين فإنه لم يخبر بخلاف الواقع ، وهو خشي أن يستعظم حكيم مليونين ومائتي ألف .

فقال حكيم : ما أرى مالكم يسع هذا ، فإن احتجتم فاستعينوا بي .

قال عبد الله : أرأيت إن كان الدين ألفي ألف ومائتي ألف ؟

في بعض الروايات قال حكيم ( إن أباك أراد أن يدعنا عالة ) لأنه ابن عمه .

فقال عبد الله : قمت ببيع الدور والأراضي ، والله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضي عنه دينه .

فباع عبد الله الدور والأراضي ، يقول ابن حجر رحم الله " لقد حبب الله جل وعلا بحسن ظن الزبير حبب الله الناس في شراء عقار الزبير ، وهذا يدل على أن العقار مبارك "

والناس يقولون " العقار هو الولد المبارك " وهذه المقالة لها أصل .

يقول ابن حجر " هذا يدل على أن العقار مبارك ، لأنه يحصل لا بكثير تعب ولا بكثير لغط "

يعني ليس فيه تعب ولا كذب ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( من باع عقارا ولم يجعل ثمنه في مثله فَقَمِنٌ ) يعني حري  ( ألا يبارك له فيه )

قال عبد الله : فكان لعبد الله بن جعفر على أبي " أربعمائة ألف " فأعطيته جزءا منها – انظروا إلى البركة – قال عبد الله بن جعفر : إن شئتم أن أتركها تركتها ، لأنه استعظم ما عليه من الديون ، وإن شئتم أن تؤخروها فيما تؤخرون فلكم ذلك .

فقال عبد الله : نعطيك جزءا وسهما من العقار ، فقطع له من أرض الغابة مقابل نظير " أربعمائة ألف " فباعها عبد الله بن جعفر على معاوية بستمائة ألف ، يعني ربح مائتي ألف .

فجعل عبد الله يبيع في الدور حتى نادى ورثة الزبير ، قالوا اقسم لنا ، قال لا والله حتى أظل أربع سنوات أنادي في موسم الحج من كان له دين على الزبير فليأتنا ، فلما مضت الأربع السنون ، وكان الزبير قد ترك أربع زوجات وتسعة من الذكور وتسعا من البنات ، فلما باع العقار إذا بالتركة " خمسون ألف ألف ومائتا ألف "

أحصيت ترك الزبير بخمسين مليون ومائتي ألف ، والدين الذي كان عليه مليونان ومائتا ألف .

الزوجات ولو اجتمعن أربع فلهن الثمن ، فأصاب كل امرأة " ألف ألف ومائتا ألف " يعني مليون ومائتا ألف .

انظروا إلى حسن ظن الزبير بن العوام رضي الله عنه بربه عز وجل ، فأحسن ظنك بربك .

ولا تظنن بربك إلا كل خير       فإن الله أولى بالجميل

الخاتمة : ...................