الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
" الخطبة الثالثة من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

الخطبة الثالثة من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله :

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

" عبادة الله وطاعته هي غذاء القلوب وصلاحها ، وليست أوامر الشرع تكليفا أو مشقة كما يزعمه بعض المتكلمين وبعض الفقهاء من أن الشرع تكليف ، أو كما يزعمه بعضهم من أن الله أمر بالعبادة من باب اختبار الخلق ، ولا كما يزعمه بعض المعتزلة من أنه ما أمرهم إلا ليثيبهم فقط على هذا العمل .

والصحيح / أن عبادة الله عز وجل ليست تكليفيا ومشقة ، صحيح أنه قد تقع مشقة في بعض أوامر الشرع ، لكن تلك المشقة ليست المقصود الأول ، ولذا لم يأت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا في كلام السلف أنهم يطلقون التكليف على عبادة الله وعلى شرع الله ، فإن قال قائل وهذا هو محل الاستفهام ؟

ماذا تقولون في قوله عز وجل : {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [البقرة: 286] { لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا } [البقرة: 233] ؟

فالجواب / أن هذا التكليف المذكور في القرآن إنما وقع في سياق النفي ، بمعنى أنه لو حصل تكليف أو مشقة في أوامر الشرع فإن الإنسان لا يكلف إلا قد وسعه وطاقته ، فليست هناك مشقة مقصودة في عبادة الله ، بل قال رحمه الله إن غالبها لذة القلوب وسرور الأفئدة وكمال الأرواح .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

الله جل وعلا قال : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]

قال بعض المتكلمين – وهو الغزالي – قال هي لا تسبح وإنما لكونها مفتقرة إلى الله عز وجل تجري عليها مشيئة الله ، هذا هو تسبيحها ، ولا شك أن هذا المعنى خطأ

وكذلك قول من يقول : إن تسبيح هذه المخلوقات وإن قنوتها إنما هو إذا رآها بنو آدم فرأوا آيات من آيات الله فسبحوا الله عز وجل ، وهذا خطأ .

والصواب/ أن كل مخلوق يسبح لله عز وجل تسبيحا نحن لا ندركه ولا نفهمه ، أما كون كل مخلوق من جماد أو نحو ذلك هو مفتقر إلى الله ، فلا شك في ذلك ، ومع هذا فزيادة على هذا فإن هذه المخلوقات ولو كانت جمادات فإنها تسبح الله عز وجل ، وبنو آدم ما عرفوا الله فقط بهذه الآيات ، بل قال رحمه الله بنو آدم مفطورون على معرفة الله جل وعلا قبل هذه الآيات ، إذاً / { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } لها تسبيح {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } [البقرة: 116] لها قنوت ، لكن نحن لا ندرك ذلك ، والله جل وعلا يعلم ذلك .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

إن كل مخلوق مفتقر إلى الله لا يمكن أن يستغني عن الله طرفة عين ، لكن بعض المخلوقين قد يأتيه خير من هذه الدنيا فيحصل له نوع استغناء في ظنه – يظن أنه لما يأتيه المال أنه قد استغنى – ولذلك قال عز وجل {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)} [العلق: 6، 7] وقال تعالى : {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83]

هذا في ظن هذه المخلوق ، ولكن لا يمكن لأي مخلوق أن يستغني عن الله ، لأن فقر المخلوق إلى الخالق فقر لازم بذاته للمخلوق ، كما أن المغنى المطلق لله لازم لذاته جل وعلا .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

" بعض الناس إذا لم يعطه المخلوق شيئا فإنه يذمه وهذا يدل على ضعف يقينه بالله عز وجل – لا تنظر إلى ثناء الناس ولا إلى ذم الناس ، إن قمت بما أوجبه الله عز وجل عليك – قال " المحمود من حمده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والمذموم من ذمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ما الدليل ؟

( لما أتى وفد بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجرته فنادى أحدهم فقال يا محمد اخرج علينا ) – كما ذكر عز وجل في سورة الحجرات – اخرج علينا فإن حمدي زين وذمي شين " يعني إن مدح فمدحي هو الغاية ، وإن ذممتك أسقطتك ( فقال صلى الله عليه وسلم ذاك هو الله ) الذي حمده زين وذمه شين ، أما أنت فأنت مخلوق لا تملك نفعا ولا تدفع ضرا

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال عند قول الله عز وجل :

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء: 22]

بعض الناس لا يخاف من الله فإذا لم يخف من الله اتبع هواه فلم يسترح قلبه إلا بالمحرمات ، تلك المحرمات لا تغنيه إنما الذي يغنيه هو عبادة الله فإن لم تستغن بعبادة الله واستغنيت بغيرها فهو فساد قلبك ، والدليل قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء: 22]

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

كل منا يريد أن يكون غنيا قويا وأن يندفع عنه ما يؤذيه ، هل تريد وأنا مثلك أريد ، نسأل الله لي ولك التوفيق ، هل تريد أن تكون قويا غنيا يندفع عنك كل ما يؤذيك ؟ وكل ما يقوله رحمه الله موجود في الكتاب والسنة لكن الفهم يختلف وهذا الفهم يؤتيه الله عز وجل من يشاء ، والله عز وجل أكرم من عبده ، فلو أن نفوسنا صفت وتطهرت وتخلت من المشاغل والصوارف وأصبح الهم فقط هو الهم للآخرة لوفقنا كما وفق إليه أمثال هؤلاء ، تريد أن تكون قويا غنيا يندفع عنك كل أذى ، قال رحمه الله : عليك بأمرين :

الأمر الأول : التوحيد .

الأمر الثاني : الاستغفار .

الاستغفار الذي ورد بعدد معين في الشرع أو الاستغفار المطلق ، فلا يأت إنسان بعدد من الاستغفار ويبني عليه كما يفعل بعض الناس من أن له أجرا ويحصل له كذا وكذا –لا – الاستغفار المطلق أو الاستغفار الذي قيَّده الشرع  ، ولذا فإني لأعجب من أناس ينتسبون إلى الدعوة يقولون ليس هناك داعي إلى تعلم التوحيد ، فهذا من الجهل ، ولذا قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كشف الشبهات " من قال إن التوحيد قد عرفناه فهو من أجهل الناس "

فما مر من فوائد مما ذكرته آنفا تتعلق بالتوحيد ، تزيد إيمان العبد ، تعطي العبد انشراحا وإقبالا على طاعة الله عز وجل، فما ذكرته هو التوحيد ، لن تستغني عن التوحيد حتى تلقى الله ، أول واجب عليك بعد البلوغ هو التوحيد " أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله " وآخر واجب حينما تخرج من هذه الدنيا " لا إله إلا الله "

إذاً عليك بأمرين حتى تكون غنيا قويا يندفع عنك كل ما يؤذيك ، والدليل على هذين الأمرين التوحيد والاستغفار ، قوله تعالى :

{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) } [محمد: 19] .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال في تفسير قول الله عز وجل :

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 175]

ليس معناها كما قال بعض المفسرين من أن الشيطان يخوف أولياءه المنافقين ، لأن الشيطان يعدهم ويمنيهم فهو لا يريد أن يرعبهم ، وإنما الذي يرعبهم ويقذف الرعب في قلوبهم هو الله عز وجل : { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151]

ولذلك قال عز وجل بعدها : { فَلَا تَخَافُوهُمْ } فالشيطان يجعل أولياءه مخوفين للمؤمنين لا خائفين منه  ، فلا تخف من أولياء الشيطان  .

ولذلك قال رحمه الله : بعض الناس يقول يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك ، هما جملتان " إني يا رب أخافك " والجملة الثانية " وأخاف من لا يخافك " قال رحمه الله : هذا كلام ساقط وضعف في التوحيد ، فيجب أن يكون خوفك من الله عز وجل .

لو قال : هذا يتسلط علي ويعذبني ؟

فالجواب : أنه ما سُلِّط عليك إلا بأمر الله ، ثم انظر إلى حالك لو لم يكن لديك تفريط في طاعة الله لما سلط عليك ، فتب إلى الله عز وجل حتى لا يتسلط عليك أحد ، والدليل قوله تعالى : {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الأنفال: 33]

سبحان الله كيف أتى بهذا الاستدلال ؟!

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال في قوله تعالى :

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِي} [آل عمران: 146]

ما تفسير هذه الآية حتى أصل إلى ما أريده من بيان تلك الفائدة وهي فائدة نحتاجها في هذا الزمن بل يحتاجها كل مسلم إلى قيام الساعة ؟

معنى هذه الآية أن كثيرا من الربيين – وهم الجموع الكثيرة كما قال جماهير السلف – قاتلوا مع النبي صلى الله عليه فقتل منهم من قتل ومع ذلك لما قتل من هؤلاء الربيين تلك الأعداد صبروا وثبتوا حتى كانت راية الله هي العليا ، وهذه قراءة الجمهور {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } أما أبو عمرو فقرأها على وجهين مثل الجمهور ، والقراءة الأخرى {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّيُّونَ } ففهم بعضهم أن كثيرا من الأنبياء قتلوا ، وهذا ليس بصحيح ، فمعنى الآية أن الأنبياء ممن أمروا بالجهاد قاتلوا في سبيل الله ومعهم أعداد كثيرة تلك الأعداد الكثيرة لما قتل منهم من قتل ما ضعفوا وما استكانوا ولكن صبروا ، قال رحمه الله بدليل أن الأنبياء قبل بني إسرائيل لم يقاتلوا في جهاد ، والأنبياء من بني إسرائيل من موسى عليه السلام ومن بعده ما قتلوا في الجهاد ، بل قال رحمه الله ولم يأت دليل على أن أحداً من الأنبياء قتل في الجهاد ، قتل بعض الأنبياء – نعم – مثل زكريا عليه السلام وغيره .

إذاً لما قتل هذا العدد من هؤلاء الربيين فما وهنوا وما ضعفوا ، قال رحمه الله : هذا يدل على أن كل من قاتل على شرع النبي صلى الله عليه وسلم فقد قاتل معه ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم موجودا ، قال وهذا الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم ، فإنهم فتحوا البلاد شرقا وغربا وعراقا وشاما وروما وعربا وعجما أكثر مما فتحوه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون الصحابة قد قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولو أنه صلى الله عليه وسلم قد مات ، فمن يجاهد في سبيل الله وعلى شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يكون قد قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك من قُتل فإنه يكون قد قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان صلى الله عليه وسلم قد مات ، بدليل أن النبي صل الله عليه وسلم يرسل الصحابة في حياته إلى غزوات وسرايا ومع ذلك أليسوا داخلين في قوله تعالى :

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ؟

فهذه آية مستمرة إلى قيام الساعة .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أن كلمة " رباني " قال بعضهم إنه منسوب إلى الرب ، قال رحمه الله هذا ليس بصحيح ، لأن كل عبد منسوب إلى الرب إما نسبة عموم أو نسبة خصوص .

قال رحمه الله : هو مأخوذ من ربان السفينة الذي يصلحها ويقودها ، فالرباني الذي يربي نفوس المسلمين

لكن هل كلمة "  رباني " موجودة في اللغة العربية ؟

قال شيخ الإسلام رحمه الله : زعم أبو عبيد – وهو من علماء اللغة – من أن كلمة " ربانيين " لا يعرفها العرب .

قال رحمه الله : هذا خطأ هي عربية ولكن العرب لا يتداولونها ، لأنه ليس لهم ربان مثل ربان السفينة يقودوهم ، لم ؟ لأنهم لا شريعة لهم .

قلت : يظهر لي ولكم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) فإذا كان كلمة الرباني لا تعرف عند العرب لكونهم لا شريعة لهم ، إذاً من أسقط الولاة أو أنه خرج من بيعة ولي الأمر فإنه كما جاء في الحديث يموت ميتة جاهلية ، من باب أولى لأنه لا ربان له يقود سفينته .