الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
" الخطبة الأولى من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

الخطبة الأولى من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله :

بحكم معرفتي واطلاعي على فتاوى ابن تيمية رحمه الله ، فإن هذه الفتاوى تحتاج أن يتحدث عنها ولاسيما في هذا الزمن ، لأنه رحمه الله – ولا ندعي فيه العصمة – كان رحمه الله حريصا على اتباع الكتاب والسنة في أقواله ، ولكن العصمة لمن عصمه الله عز وجل ، والمطلع على هذه الفتاوى يدرك أو سيدرك أن هذا العالم كأنه يعيش بيننا ، ونحن بحاجة ضرورية إلى هذه الفتاوى في هذا الزمن الذي كثرت فيه فتن الشبهات وفتن الشهوات وكثر تمييع أحكام الدين ، وبالتالي فإني أستعين الله عز وجل بعرض فوائد من هذه الفتاوى وتكون هي محل حديثنا اللهم إلا إن اعترض عارض من موسم يتطلب الحديث عنه أو عن أمر عارض يلزم الحديث عنه ، وإلا فهذا هو الأصل ، وسأصوغ هذه الفوائد بأسلوب ميسر حتى تفهمه القلوب وتروق له الأسماع بإذن الله تعالى ، وذلك لحاجتنا لهذه الفتاوى ، وسميت هذه الفتاوى بـ [ الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية ] وكما قلت لا ندعي فيه العصمة  ، لكن لما رأيت في سالف عمري في طلب العلم أن هذه الفتاوى نحتاج  إليها في هذا الزمن استوجب هذا أن أطرح ما قرأته من هذه الفتاوى على أسماعكم .

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

قال رحمه الله : أمر الله عز وجل بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في نحو من أربعين موضعا من القرآن ، كقوله تعالى {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80] وقوله تعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء: 65]

ثم قال لا يمكن أن يهتدي عبدٌ شاء الله هدايته إلا عن طريق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه هو صلى الله عليه وسلم هداه الله بهذا الوحي الذي جاء به للأمة ، إذاً الوحي هو هدي للأمة وهو هدي له صلى الله عليه وسلم ، والدليل { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } [سبأ: 50] ، فبمحمد صلى الله عليه وسلم تبين الربح من الخسارة ، والهدى من الضلالة ، والتوحيد من الشرك ، وأهل الجنة من أهل النار "

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

النفوس محتاجة إلى معرفة العلم الشرعي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من حاجتها إلى الطعام والشراب ، لأنه إن فات الطعام والشراب هلك البدن ، وإن فات العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حصل العذاب السرمدي ، فواجب على كل مسلم أن يبذل جهده في تعلم العلم ، ولهذا كان تعليم الدين من أعظم فرائض الإسلام "

كيف نعلم الناس الدين ؟

قال رحمه الله : بالكتاب وبالسنة ، لأن الله بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالكتاب وبالسنة ، قال تعالى {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } [الأحزاب: 34]

{ آيَاتِ اللَّهِ }هي القرآن  .

{الْحِكْمَةِ } قال غير واحد من المفسرين هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم "

إذاً لا نذهب يمنة ولا يسرة لأفكار أو لأحاسيس أو تذوقات ،فهذا لا ينفع ولا يجدي ، الذي يجدي هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

البعض من الناس يرى المشايخ في المساجد في معظم وقتهم وأنه يدرِّس يقول سبحان الله هؤلاء كيف يحبسون أنفسهم على هذا الأمر  ، قال رحمه الله :

" قام العلماء فسافروا إلى البلاد وتركوا الأموال والأولاد وهجروا لذة الرقاد وتوسدوا التراب وقاسوا الصعاب أمر حببه الله إليهم وحلاَّه – مثل الحلوى – وحلاه في نفوسهم من أجل أن يحفظ دينه ، كما حُبب الناس إلى أن يذهبوا إلى بيت الله الحرام فجعله الله مثابة للناس يأتون إليه من كل فج عميق مع ما يتحملون معه من المصاعب والمتاعب "

فهذا أمر حببه الله إلى العلماء وحلاه في نفوسهم .

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنتم سمعتم الآن فضل من ينشر العلم ، بعض الناس يقول أنا عامي لا أعرف شيئا ، فهل لي نصيب من هذه الفضائل ؟ نعم لك نصيب ولاسيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه وسائل التواصل وأصبح الناس ينشرون كل شيء ، فأنت إن نشرت العلم الصحيح ، ولا تتسرع بنشر أي معلومة في وسائل التواصل – لا – إذا أتتك معلومة شرعية معزاه إلى موقع عالم شرعي معروف ، لأن البعض من الناس يدعي أنه عالم في هذا الزمن ، إذا أتتك معلومة شرعية من مصدر كلام عالم شرعي معروف باتباع الكتاب والسنة على ما فهمه سلف هذه الأمة فانشره ولك فضل ، ما الدليل ؟

قال رحمه الله :

" قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( نَضَّرَ الله امْرَأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا ، فبَلّغَهُ غَيْرَهُ ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غير فقيه ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ  )

لكن لا تنشر إلا ما كان سليما صحيحا .

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال في قول الله عز وجل :

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]

أعظم أولياء الله هم المبلغون شرع الله عز وجل ، بل إنهم يرتفعون على غيرهم من المؤمنين ، كما قال عز وجل { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [المجادلة: 11]

ولذلك جعل لهم البشرى { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 64]

قال رحمه الله : { الْبُشْرَى } هو ثناء الناس عليهم  "

وليس هذا هو المقصد ، كما قال صلى الله عليه وسلم عند مسلم ( تلك عاجل بشرى المؤمن )

قال رحمه الله :

قال رحمه الله : { الْبُشْرَى } هو ثناء الناس عليهم  والرؤيا الصالحة "

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال في قوله عز وجل :

{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [الشورى: 13]

فالذي شرعه الله عز وجل لنا هو الذي شرعه للنبي صلى الله عليه وسلم ، ما هو ؟

قال عز وجل : {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] 

قال رحمه الله : ما تفرق كثير من الناس إلا بعد أن جاءهم العلم – وهذا هو المذموم – أما الخلاف السائغ بين العلماء على ما فهموه من الكتاب والسنة فليس بداخل في هذا .

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

قال رحمه الله : الله جل وعلا أمر بطهارتين طهارة البدن وطهارة القلب ، بعض الناس يحرص على طهارة قلبه بينما يغفل عن طهارة بدنه ، وبعض الناس يهتم بطهارة بدنه حتى يصل به الأمر إلى الوسوسة ويغفل عن طهارة قلبه ، والشرع إنما جاء بالطهارتين ، قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } [المائدة: 41] ، وقال تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } [التوبة: 103] وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

قال رحمه الله : ترك شيء من عبادة الله سبب للفرقة بين المسلمين ، فعبادة الله هي سبب الاجتماع والألفة ، وترك شيء من عبادة الله هو سبب للفرقة والشقاق ،ما الدليل ؟

قال عز وجل : {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } ما النتيجة ؟ { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [المائدة: 14]"

تترك العبادة أو يترك شيء منها هنا تحصل الفرقة ، بينما إذا اجتمع الناس على شرع الله فإنه سبب للاجتماع .

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

قال رحمه الله :

جاء في الحديث المشهور في السنن عن فقيهي الصحابة رضي الله عنهم ، من هما ؟ " ابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهما .

قال جاء ذلك الحديث العظيم – وهذا الحديث نحتاج  إليه في هذا الزمن الذي كثر فيه الشقاق والنزاع – قال صلى الله عليه وسلم :

( ثَلاَثُ لاَ يَغِلُّ ) ويصح النطق بضم الياء ( يُغِلُّ ) وهذا الضبط ليس في الفتاوى في هذا الموضع .

( ثَلاَثُ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ ) يعني لا يصيبه غل ولا حقد ولا حسد .

وعلى ضبط الضم ( يُغِلُّ ) يعني لا يخون ، فلا يأخذ شيئا من بيت مال المسلمين .

( ثَلاَثُ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِم إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ  عَزَّ وَجَلَّ ، وَمُنَاصَحَةُ وُلاَةِ الأَمْرِ ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَائَهُمْ  )

قال رحمه الله فهذه الجمل الثلاث هي أصول الدين ، وبهذه الأشياء الثلاثة تنتظم مصالح الدين والدنيا ، لأن الحق نوعان حق لله وحق للمخلوق ، فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئا ، أين هذه في الحديث ؟

( إخلاص العمل لله )

الحق الثاني هو حق المخلوق ومنه حق خاص كحق الوالدين والجار .

ومنه ما هو حق عام للمخلوق وذلكم الحق العام للمخلوق نوعان : حق للراعي وحق للرعية ، فحق الراعي في قوله ( مناصحة ولاة الأمر ) وحق الرعية في قوله ( لزوم جماعة المسلمين )

تحدث أي شقاق أو نزاع فقد اعتديت على حق المسلمين ، لأن حق المسلمين أن تلزم جماعتهم .

 

قال رحمه الله : ويبين هذا ما جاء عند مسلم من حديث تميم الداري : (  الدِّينُ النَّصِيحَةُ ،  قُلْنَا لِمَنْ قَالَ " لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " )

سبحان الله ما أجمل هذا الجمع للنصوص الشرعية ، وما ذُكر ابن تيمية رحمه الله وبيننا وبينه أكثر من سبعمائة سنة إلا لأنه كان حريصا على أن يبني أقواله وفتاواه على ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله :

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

هناك أربعة أمور يحتاجها العبد بل يحتاجها كل حي "

ما هي تلك الأربعة ؟

قال رحمه الله : أولا : العبد يريد شيئا محبوبا ، ثانيا :يريد سببا يوصله إلى هذا الشيء المحبوب ، ثالثا : العبد لا يريد المكروه ، رابعا : يريد سببا ليدفع به هذا المكروه عنه ، قال وهذه الأمور الأربعة يتبين من خلالها أن الذي يجب أن يدعى ويطلب ويقصد هو الله جل وعلا ، فهو الذي يجمع هذه الأمور الأربعة دون سواه ، إذاً لا يمكن أن يتحقق لك مطلوب ولا يمكن أن يندفع عنك مكروه ، ولا يمكن أن تحصل لك تلك الأسباب لتحصيل المحبوب وترك المكروه إلا بالله عز وجل ، فهنا يتبين آية نقرؤها في كل ركعة ، وجاء عن السلف أن جميع ما وجد من أصول في الكتب السماوية وفي القرآن موجود فيها ، ويتبين هنا عظم قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5]

فلا تحقيق للمصالح إلا به جل وعلا .

 

 

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

الله جلا وعلا ماذا قال في مناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه ؟

{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]

يعني الذين يزولون ، لأن الذي يزول ليس بإله ، فحقيقة العبد روح وقلب ، ولا صلاح لهذا القلب إلا بالله ، ولو تلذذ بأي مخلوق فإنه إن تلذذ به إما أن يسأم منه وإما أن يفارقه وإذا كثر فإنه يفعل هذا الشيء من مطعوم أو مشروب لا على وجه اللذة ، بل ربما أن هذا المخلوق يؤذيه باتصاله به ،  – سافر بعضنا ، أكل بعضنا ، ثم ماذا ؟ بل ربما أن بعضنا لم يسعد في سفرته أو في شربه أو في طعامه – أما إلهه جل وعلا فلابد له منه في كل حين وفي كل وقت وأينما كان ، وبهذا يظهر معنى قول إبراهيم عليه السلام {  لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}.

فلا تتعلق بالمخلوق فإنه زائل .

 

وللحديث إن شاء الله تتمة حول هذه الفوائد .

الخاتمة : ......................