الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
تفسير القرآن الكريم
تفسير قوله تعالى {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } البقرة 28

( تفسير سورة البقرة )

قوله تعالى

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }

البقرة28

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين :

أما بعد /

فقد قال عز وجل /

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }البقرة28

 ( من الفوائد )

" أن الله عز وجل إذا خلق الإنسان من عدم فإنه يتنقل إلى مراحل "

نطفة أربعين يوماً ، ثم علقة أربعين يوما ، ثم مضغة أربعين يوما ، ثم تنفخ فيه الروح "

قال عز وجل هنا :

{ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ }

أتى بـ ( الفاء ) فالفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب

مثال / لو قلت " جاء زيد فعمرو "

دل على أن مجيء عمرو عقيب مجيء زيد ، ليس بينهما فاصل من الزمن طويل  .

لكن لو قلت : " جاء زيد ثم عمرو "

" ثم " تفيد التراخي ، يعني هناك زمنا طويلا بين مجيء وعمرو وبين مجيء زيد .

قال عز وجل هنا :

{ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ }

هل من حين ما كنا نطفة أو كنا من العدم وجدنا نفخت فينا الروح ؟

لا ، وإنما هناك فترة .

إذاً ما الجواب ؟

الجواب / الفاء هنا " للترتيب والتعقيب " وكل شيء بحسبه .

مثال " لما ينزل المطر هل تنبت الأرض مباشرة ؟

قال عز وجل :

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ }الحج63

هل بمجرد نزول المطر تصبح الأرض مخضرة ؟

لا ، " والفاء هنا " تعقيبية "

نقول : كل شيء بحسبه .

وهناك دليل في القرآن فيما يخص طور ابن آدم الخلق .

في أول سورة المؤمنون :

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14}ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ{15}

سبحان الله ! إذا ذكر طور ابن آدم يُذكَّر بأن هذه الأطوال التي مرت عليه في حياته ، هذه الأطوال كلها مصيرها إلى الفناء ، ولذلك يذكر بيوم المعاد ، قال عز وجل :

{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ }الانشقاق19

فنحن نتنقل ، كنا أطفالا ، ثم أصبحنا صبية لما بلغنا سن " السابعة "

ثم لما أوشكنا على البلوغ صرنا " مراهقين "

فالمراهق في اللغة العربية " من قارب البلوغ "

ونحن نرى أن المراهقة من عمره " سبعة عشر عاما أو ثمانية عشر عاما – لا – المراهقة في اللغة العربية " من أوشك على أن يبلغ "

ثم بعد المراهقة بلغنا فأصبحنا " شبابا " إلى سن " الثلاثين .

ثم بعد " الثلاثين " صرنا " كهولنا "

بعض الناس يظن أن الكهل هو العجوز الهرم  - لا – الكهل في اللغة العربية " من بلغ الثلاثين إلى الخمسين "

ثم بعد " الكهولة " أصبحنا في " الشيخوخة "

فمن " الخمسين إلى السبعين " يسمى " شيخا " في اللغة العربية .

قال الشاعر :

         زعمتني شيخا ولست بشيخ 

                              إنما الشيخ من يدبُّ دبيبا .

ثم بعد الشيخوخة يصل الإنسان إلى " الهرم "

الهرم " ليس هو المخرف  ، فمن تجاوز السبعين ولو كان عقله معه يسمى " بالهرم "

لم ؟

لأنه في الغالب إذا تجاوز السبعين عقله يهرم ، إلا ما ندر .

فلما يذكر عز وجل طور ابن آدم يذكره بأن هذه الأطوار التي مرت به إنما هي إلى فناء .

ولذلك نوح عليه السلام لما أتعبه قومه ماذا قال ؟

{ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً{13} وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً{14}

فلما ينتقل الإنسان من مرحلة إلى مرحلة في طور حياته عبرة له أن يقف ويتأمل .

ولذا لما ذكر عز وجل أطوارهم قال في نهاية الآية

{ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }البقرة28

وإذا رجع هؤلاء ما مصيرهم ؟

مصيرهم النار ، ما الدليل ؟

ما جاء في سورة غافر ، قال عز وجل :

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ }غافر10

ما معنى هذه الآية ؟

يعني أنهم لما دخلوا النار مقتوا أنفسهم وأبغضوها ، فينادى فيهم " كونكم تمقتون أنفسكم ، الله عز وجل أشد مقتاً وغضباً عليكم في الدنيا لما أُمرتم بالإيمان بالله عز وجل فكفرتم .

ماذا قال بعدها ؟

{قَالُوا رَبَّنَا } بعد ماذا ؟!

{قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ }غافر11

ولذلك تعجب من حالهم في صدر هذه الآية

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ }

مع وجود الدلائل ، وهم لم يعترفوا في الدنيا ، لكن اعترفوا متى ؟

لما صاروا إلى النار .

( ومن الفوائد )

قال تعالى :

{ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }

عند انقضاء آجالكم ، قال عز وجل في أول سورة الأنعام :

{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }

وفي سورة الأنعام أيضا :

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60

( ومن الفوائد )

ثم قال عز وجل :

{ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }

متى ؟ يوم القيامة .

لو قال قائل / هل هناك فرق بين الحياتين الثانية والأولى ؟

الجواب / أن الحياة الأولى زائلة والثانية باقية ، ما الدليل ؟

قوله : { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }

ومن رجع إلى الله عز وجل  فإنه :

( يؤتى بالموت على صورة كبش فيوقف بين الجنة والنار فيذبح ، فيقال " يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت " )

( ومن الفوائد )

قال عز وجل :

{ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }

لو قلت عن شخص " فلان ذهب ثم رجع "

كأنه ما ذهب ، وإذا رجعوا فإنهم يرجعون كهيئتهم السابقة ، قال تعالى :

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }الأنعام94 .

" حفاة  ، عراة " غرلا " يعني غير مختونين " بهما " ليس معنا شيء ، كذلك نعود إلى الله عز وجل ، ولكنهما حالتان مفترقتان /

لما تنزل من بطن أمك تنزل بلا ذنب ولا معصية ، بينما إذا رجعت إلى الله عز وجل ترجع بماذا ؟

ولذلك فيه تذكير لنا بأن نعود إلى الله عز وجل كما خلقنا في هذه الدنيا ، لم ؟

لأن أعظم أحوال ابن آدم ثلاث حالات ، إذا سلم من هذه الأحوال الثلاثة فقد سلم :

قال عز وجل عن يحيى عليه السلام :

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً }مريم15

إذا نجوت في هذه المواضع فقد نجوت ، حينما تنزل من بطن أمك وحينما تغادر هذه الحياة ، وحينما تقابل الله عز وجل .

ولذلك قال عيسى عليه السلام :

{وَالسَّلَامُ } يعني السلامة .

{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }مريم33

فنسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والسداد ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .