الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
بلوغ المرام
" باب الحيض " حديث عائشة ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت )

شرح كتاب ( بلوغ المرام  )

( باب الحيض  )

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :

 ( أما بعد :

فقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

{ لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ, فَقَالَ اَلنَّبِيُّ r "اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ اَلْحَاجُّ, غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" }

  مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيث

فما زال المصنف رحمه الله يذكر الأحاديث المتعلقة بكتاب الحيض ، ولم يبق منها إلا ثلاثة أحاديث من بينها هذا الحديث ، فمن فوائد هذا الحديث :

أن هذا الحديث ورد بلفظ :

( افعلي ما يفعل الحاج )

وورد :

( اصنعي ما يصنع الحاج )

وكلتا العبارتين متقاربة في المعنى  .

( ومن الفوائد )

أنه صلى الله عليه وسلم قال :

{ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي }

ويصح النطق ( تطَّهري ) ويصح ( حتى تطهري ) والدليل على هذا النطق – وهو مشتهر عندنا( حتى تطهري  ) رواية ( حتى تغتسلي )

 

 

 

 

 

( ومن الفوائد )

أن ( سَرِفَ ) موضع بين مكة والمدينة ، يبعد عن البيت الحرام ثمانية عشر كيلا ، وهو من جهة ( التنعيم ) خارج الحرم ، ويبعد عن حدود الحرم عشرة كيلوات .

( ومن الفوائد )

أن ( سَرِفَ ) مصروف أم ممنوع من الصرف ؟

ممنوع من الصرف ، لم ؟

" للعلمية والتأنيث "

 

 

 

 

( ومن الفوائد )

أن عائشة رضي الله عنها قدمت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في النسك من حيث الفعل ، فمنهم من أتى ناوياً الإفراد ، ومنهم من أتى ناوياً القِران ، ومنهم من أتى ناوياً التمتع ، وهي رضي الله عنها  ، أتت وقد نوت التمتع ، والتمتع : أن ينوي المسلم العمرة في أشهر الحج ، وأشهر الحج هي :

[ شوال – ذو القعدة – وعشر من ذي الحجة أو ذو الحجة كاملا على قول ، وهو الصواب ]

فيحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم إذا فرغ منها ينوي الحج من عامه "

لكنها رضي الله عنها أتاها الحيض قبل أن تطوف طواف العمرة ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر :

( اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري )

 ( ومن الفوائد )

أن عائشة رضي الله عنها لما أتاها الحيض بكت ،فقال صلى الله عليه وسلم :

( أنفستِ  ؟ ) يعني أتاك الحيض ؟

( قالت : نعم ،

فقال صلى الله عليه وسلم : هذا شيء قد كتبه الله على بنات آدم )

وبكاؤها – رضي الله عنها – يدل على أن القلب إذا كان مليئا بالإيمان تحسَّر على ما يفوته من الطاعات أو على يحول بينه وبين فعل الطاعات ، والحيض مانع من هذه العبادة العظيمة .

( ومن الفوائد )

أن من خشي فوات الحج ، وفوات الحج يكون بفوات الوقوف بعرفة ، فمن خشي فوات الحج وقد جاء متمتعاً فإن المتعين في حقه وجوباً أن يدخل الحج على العمرة ، فيصبح بذلك قارناً ، فإن عائشة رضي الله عنها حوَّلت نسك التمتع إلى القِران ، وهذا لا يختص بالنساء ، ربما إنسان أتى متمتعاً وإذا به في الطريق يحصل له حادث أو تتعطل سيارته ، وإذا به يصل إلى مكة فيكون بين أمرين إن اعتمر فاته الوقوف بعرفة ، أو خشي أن يفوته الوقوف بعرفة ، فهنا المتعين في حقه أن يذهب إلى عرفة ، كما فعلت عائشة رضي الله عنها ، ذهبت إلى عرفة ، فيجب عليه – على القول الصحيح – أن يدخل الحج على العمرة فيصير بذلك قارناً  .

( ومن الفوائد )

هل يجوز في حال السعة أن يُدخل الحج على العمرة ؟

فعائشة رضي الله عنها الآن في حال ضيق ، لكن إنسان أتى متمتعاً  ورغب أن يقلب التمتع إلى قران فيدخل الحج على العمرة ؟

قولان لأهل العلم : ورجحنا – كما مر معنا في مسائل الحج – أنه لا يجوز إلا عند الضرورة كحال عائشة رضي الله عنها .

 

( ومن الفوائد )

أن النبي صلى الله عليه وسلم :

( أمرها أن تنقض شعرها وأن تمتشط )

حتى تنوي الحج ، وهذا يدل على أن تمشيط الشعر لا بأس به للمحرم ، وهذه المسألة مرت معنا في الحج ، وقد اختلف العلماء فيها ، هل يجوز للمحرم أن يسرِّح شعره ، سواء كان رجلا أم امرأة ؟

فالجواب عن هذا : إن كان يأمن من عدم تساقط الشعر فجائز ، لكن إن خشي فنزاع بين أهل العلم ، والصواب – كما قال ابن القيم رحمه الله وغيره – الجواز ، لعدم وجود الدليل على المنع، بل إن حديث عائشة يدل على الجواز ،

 

 ولذلك قال ابن حجر رحمه الله :

" فيه دليل على أنها تمتشط ولكن برفق "

( ومن الفوائد )

لو أن الإنسان كان قارناً وأراد أن يدخل العمرة على الحج

بدل ما يكون قارنا يكون متمتعاً – عكس المسألة الأولى – فهو في حال سعة ، أيجوز هذا ؟

قولان ، والصواب : الجواز  ، إلا إذا ساق الهدي ، فالقارن إذا ساق الهدي معه فأراد أن يحوِّل قرانه إلى تمتع فلا يجوز ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولأهللت بعمرة )

 ( ومن الفوائد )

أن النية في الحج فيها مرونة ، ليست عبادة الحج كغيرها من العبادات ، ولذلك لما ينوي الإفراد فله أن يحوله إلى قران أو تمتع ، فله ما يشاء من الأدنى إلى الأعلى ، لكن من الأعلى إلى الأدنى فلا .

ومما يدل على أن النية في الحج فيها يسر ومرونة :

أن ذلكم الرجل الذي هو – شبرمة – نوى الحج عن قريب له ، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم :

( حج عن نفسك ثم عن شبرمة )

مع أن النية قد انعقدت لشبرمة .

 

 

( ومن الفوائد )

أن أفعال الحج جميعها لا تشترط لها الطهارة إلا الطواف

إذاً / من وقف بعرفة أو في مزدلفة أو رمى الجمار أو نحر هديه ، وهو محدث حدثا  أصغر أو أكبر  فإن هذا الفعل صحيح ولا تشترط له الطهارة ، أين الدليل ؟

لعموم الحديث :

( اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري )

و [ الاستثناء معيار العموم ]

كما هي القاعدة في الأصول

فدل على أن أي عبادة في نسك الحج لا يشترط لها الطهارة ، ما عدا الطواف .

 ولو قال قائل : والصلاة ؟

نقول : الصلاة تابعة للطواف .

لو قال قائل : ما حكم السعي بدون طهارة ؟

أورد مالك رحمه الله في الموطأ لما ذكر هذا الحديث :

( غير ألا تطوفي بالبيت وبين الصفا والمروة حتى تطهري )

على هذه الرواية يشترط في السعي الطهارة كما يشترط في الطواف .

لكن قال ابن عبد البر رحمه الله : الأكثرون على أنهم لم يرووا عن مالك رحمه الله إلا ما هو مشهور ، وهو

( غير ألا تطوف بالبيت حتى تطهري ) 

لو قال قائل : ورد عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح – كما قال ابن حجر رحمه الله :

( أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن امرأة حاضت قبل أن تطوف بالبيت ؟

فقال : لا تطف بالبيت وبين الصفا والمرأة حتى تطهر )

فهذه فتوى من ابن عمر رضي الله عنهما ، فما هو الجواب ؟

نحن بين أمرين ، أما أن نقول إن الطهارة متعينة في السعي كما هي متعينة على قول الجمهور في الطواف ، أم نجد جوابا لما ورد ؟

الصحيح / أن الطهارة لا تشترط للسعي ، وأما ما ورد :

قال ابن حجر رحمه الله في الفتح : إن النهي عن الطواف بين الصفا والمروة إنما هو من أجل أن السعي لا يصلح إلا بعد طواف ، وليس من أجل الطهارة ، لأنه لا يمكن أن يسعى إلا بعد أن يطوف ، فالنهي الواقع في هذه الروايات وفي هذا الأثر من أجل أن السعي لابد أن يسبقه طواف ، لا من أجل أن الطهارة مشترطة في السعي ، بدليل أنه ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما :

( أنه سئل عن امرأة حاضت بعدما فرغت من الطواف ، قال تسعى )

والرجوع إلى ما ذكره الشرَّاح والانتفاع بما ذكروه ، أمر يستفيد منه طالب العلم ، بعض طلاب العلم وفقنا الله وإياهم يورد هذا الحديث ويقول ورد في الموطأ النهي عن الطواف وعن السعي بدون طهارة ، ولا يذكر خلافا بين أهل العلم ، لكن لو رُجع إلى مثل ما ذكره ابن حجر رحمه الله استفاد طالب العلم وأفاد فائدة كاملة وشاملة ، فالاستفادة ممن سبقك لا غنى لك عنها ولا سيما إذا كان متبحرا ، وحسبك بابن حجر رحمه الله .

( ومن الفوائد )

أتشترط الطهارة الصغرى وهو الوضوء هل تشترط في الطواف ؟

إنسان وهو محدث أتى وطاف بالبيت سبعة أشواط ، أيصح طوافه أم لا ؟

خلاف بين أهل العلم ، جمهور أهل العلم على أنه لا يصح طوافه ،والدليل كما هنا :

( لا تطوفي بالبيت حتى تطهري )

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنها :

( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام )

وإذا كان الطواف صلاة فيتشرط فيه الطهارة .

القول الثاني : لأبي حنيفة رحمه الله يقول لا يشترط الوضوء في الطواف ، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله ، وقال ليس هناك دليل على أن الوضوء  لازم في الطواف ، ولذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم من معه وهم كثر يقربون من مائة ألف في حجة الوداع ، ومع ذلك لم يأمرهم بالوضوء .

أما كونه صلى الله عليه وسلم لما وصل البيت :

( أناخ راحلته وتوضأ )

فهذا فعل منه لكمال العبادة وليس لصحة الطواف .

وأما حديث عائشة فلا يستدل به ، لأنه وارد في الحدث الأكبر وهو الحيض بدليل تلك الرواية :

( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي )

ولذلك يقول رحمه الله : إن النهي لعائشة رضي الله عنها لكون من به حدث أكبر لا يجوز له أن يمكث في المسجد ، لا لكونها غير طاهرة .

ولا شك أن الأحوط أن يتوضأ الإنسان ، ومرَّت بنا  هذه المسألة موسعة في مسائل الحج ، لكن أريد أن أربط تلك الفوائد بالحديث ، وحتى نعلم أن اللفظ المختصر منه صلى الله عليه وسلم يحوي فوائد كثيرة ، ويحوي أكثر مما ذكرناه  لقصور في أفهامنا أو لتقصير في بحثنا .

( ومن الفوائد )

لو أن المرأة الحائض انقطع عنها الدم فطافت قبل أن تغتسل ، فهل يجوز لها هذا ؟

الجواب  / لا ، لرواية ( حتى تغتسلي ) وهذه فائدة الإلمام بالروايات .

( ومن الفوائد )

أن هذا الحديث دليل لمن قال من أ هل العلم بجواز قراءة المحدث حدثا أكبر للقرآن ، وهذا ما أشار إليه البخاري رحمه الله في تبويبه ، كأنه يميل إلى هذا ، قال :

( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وهذا يدل على أن أي ذكر هو عبادة ويفعله الحاج ومن هذا الذكر قراءة القرآن لاتشترط له الطهارة .

فإذا كان هذا الحديث واردا بهذا العموم وينضم إليه أيضا حديث عائشة رضي الله عنها :

( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه )

ويختار الألباني رحمه الله أن الجنب يجوز له أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب ولو لم يغتسل .

أما حديث علي رضي الله عنه كما في السنن :

( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا ) قال الألباني إنه ضعيف .

فخلصنا من هذا : أن هناك قولا يقول إن الجنب يجوز له أن يقرأ القرآن ولو لم يغتسل .

ولكن نقول : بالنسبة إلى الحائض فلها أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب  - على القول الصحيح- لعدم ورود الدليل الصحيح على المنع ، أما حديث :

( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن )

فهو حديث ضعيف .

فالحائض والنفساء يجوز لهما أن يقرئا القرآن عن ظهر قلب ، ما الدليل ؟ هذا الحديث ، ولعدم وجود الدليل المانع .

بينما الجنب / فالصواب أنه لا يجوز له أن يقرأ القرآن حتى يغتسل ، لحديث علي رضي الله عنه ، وبالنسبة إلى سنده فإن كثيرا من الأئمة صححوه ، وهو رأي الجمهور ، فلا يقرأ الجنب شيئا من القرآن حتى يغتسل ، ولذا قال ابن حجر رحمه الله عن حديث علي قال " إنه صحيح من حيث السند لكثرة شواهده "

القول الثالث : أن الاغتسال سنة في حق الجنب وليس بلازم ، جمعا بين الأدلة .

لكن الصواب / المنع ، والنبي صلى الله عليه وسلم :

( كان يذكر الله على كل أحيانه ) هذا عام إلا إذا كان جنبا ، وليس هذا مطرداً

خلاصة القول أن الجنب يلزمه أن يغتسل حتى يقرأ القرآن

( ومن الفوائد )

وهي فائدة أصولية :

أن التخصيص في النص العام نوعان ، متصل ومنفصل ، فالمنفصل أن يأتي نص حديث عام ويأتي نص آخر فيخصص هذا النص النص العام .

لكن التخصيص  المتصل هو أن يذكر المخصِّص في نفس الدليل ، وهنا في هذا الحديث متصل نوعه " تخصيص بالغاية " ( حتى )

قال عز وجل : { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ }البقرة235

قال تعالى : {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ }التوبة6

فابن حجر رحمه الله ذكر هذا الحديث من باب بيان أن الحائض يجوز لها أن تفعل العبادات حال النسك ما عدا الطواف ، ومن بين تلك العبادات قراءة القرآن .

( ومن الفوائد )

وهي فائدة بلاغية :

أن التشبيه يجوز أن تحذف منه أداة التشبيه إذا فهمت من المعنى ( افعلي ما يفعل الحاج ) أي كما يفعل الحاج .