الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
بلوغ المرام
" باب الحيض " حديث ابن عباس ( يتصدق بدينار أو نصف دينار )

شرح كتاب ( بلوغ المرام  )

( باب الحيض  )

حديث ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :

 ( أما بعد :

فقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا, عَنِ اَلنَّبِيِّ r -فِي اَلَّذِي يَأْتِي اِمْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ-

قَالَ: { يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ, أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ }

رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ وَابْنُ اَلْقَطَّانِ, وَرَجَّحَ غَيْرَهُمَا وَقْفَه

( من الفوائد )

أن قول ابن حجر رحمه الله :

( رواه الخمسة ) هذا مصطلح يطلق على " الإمام أحمد وأصحاب السنن "

( ومن الفوائد )

تحريم جماع المرأة في فرجها ، فالدليل من القرآن :

قوله تعالى :

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ }البقرة222

والدليل من السنة :

ما ورد هنا ، أن من وقع على زوجته حال الحيض فيؤمر بالكفارة ، ولا يؤمر بالكفارة إلا من وقع في محرم ، فهذا موطن الاستدلال بهذا الحديث  .

وقد جاءت أحاديث أخرى بالنهي عن ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أقبل وأدبر ) يعني ما تشاء من جماع المرأة ، من القُبل أو من الدبر ، يعني من الأمام أو من الخلف ( أقبل وأدبر واتق الحيضة والدُّبر ) يعني إذا جامعها من خلفها ولكن في الفرج فإنه جائز ، قال تعالى :

{ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى }البقرة223

وفي هذا ردٌّ على اليهود الذين يقولون :

" إذا أتى الرجل امرأته من الخلف في موضع الفرج فإنه الولد يأتي أحول "

( ومن الفوائد )

أن هذا الحديث اختلف فيه ، ذكر ابن حجر رحمه الله هنا أن ممن صححه [ الحاكم وابن القطان ] وكذلك هو صححه ، وصححه الإمام أحمد ، ومن المتأخرين ابن القيم ، وغيرهم كثير .

وهذا الحديث فيه دليل لمن قال : إن من وطئ زوجته حال الحيض في الفرج فإنه يلزم بالكفارة ، وهو الصواب .

 

ما هي هذه الكفارة ؟

( دينار أو نصف دينار )

وقال بعض العلماء : إن الحديث لا يصح ، لم ؟

قالوا : لأنه مضطرب من حيث الإسناد ومن حيث المتن ، والمضطرب ضعيف .

فمن حيث الإسناد : قالوا إن شعبة رحمه الله مرة يرفعه ومرة يوقفه ، وهذا اضطراب منه في الحديث .

 

 

ولذلك قال ابن حجر رحمه الله :

[ ورجح غيرهما وقفه ]

باعتبار أن شعبة رحمه الله أوقفه أحيانا ، وأحيانا يرفعه .

وأما الاضطراب في المتن : فقالوا :

ورد : ( يتصدق بدينار )

وورد : ( يتصدق بنصف دينار )

وورد : ( يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار )

وورد : ( يتصدق بدينار إذا كان الدم عبيطاً ) يعني في أول نزول الدم ( وبنصف دينار إذا كان الدم أصفراً )

وورد : ( يتصدق بدينار قبل انقطاع الدم وبنصف دينار إذا انقطع الدم ولم تغتسل )

وورد : ( يتصدق بخمسي دينار )

وورد : ( بدينار أو بنصف دينار ) وهو الذي معنا .

قالوا : هذا اضطراب في المتن ، فما هو الجواب ؟

الجواب : أن دفع الاضطراب في السند : أن وقف الحديث مرة ورفعه أخرى لا يكون اضطراباً ، لأن القاعدة تقول :

[ إن الرفع لا يتعارض مع الوقف ، فمن رفع فعنده زيادة علم ]

 لأنه ربما في موطن يختصر في ذكر الحديث ويذكره موقوفاً ، ومرة يذكره مرفوعاً  ، وربما ينسى فيذكره موقوفاً وفي موطن آخر يتذكر فيذكره مرفوعاً ، فلا تعارض بين الوقف وبين الرفع ، فمع الرافع زيادة علم .

أما ردُّ ا لاضطراب في المتن فنقول : إن الاضطراب يكون معتبراً فيما لو تساوت الروايات ، لكن إذا وجدت رواية صحيحة راجحة فلا تعارضها الروايات المرجوحة ، والرواية الراجحة :

 ( يتصدق بدينار أو بنصف دينار ) كما هنا .

وأما ما عداها من الروايات فإنها لا تصح مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن بعضها هذه الروايات صحت موقوفة .

ولما ذكر أبو داود رحمه الله هذا الحديث في سننه قال :

" وهذه هي الرواية الصحيحة :

( يتصدق بدينار أو بنصف دينار )

أما رواية ( بخمسي دينار ) فقد ذكرها الدارمي مطولة ، وهي

( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت له امرأة لا تشتهي الجماع ، فإذا أرادها قالت إني حائض فأرادها ذات يوم فظنَّ أنها تريد الهروب ، فواقعها فإذا بها حائض، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بخمسي دينار )

لكنه لا يصح .

فنخلص من هذا : أن مسألة جماع المرأة حال الحيض فيه نزاع بين أهل العلم ، منهم من يقول بأنه تلزمه الكفارة ، ما هي الكفارة ؟

( دينار أو نصف دينار )

القول الثاني : أن الكفارة ليست بلازمة وإنما هي مستحبة ، لأن الحديث فيه ما فيه .

القول الثالث : بما أن الحيض ضعيف فإنه يكفِّر لكن كفارة مقاسة على الجماع في نهار رمضان ، فيعتق رقبة ، لكنه قياس مع الفارق .

القول الرابع : لا كفارة عليه وإنما عليه التوبة فقط لضعف الحديث .

والصواب أنه : يتصدق بدينار أو بنصف دينار .

 

 

 

 

( ومن الفوائد )

قلنا إن القول الراجح : أنه  :

( يتصدق بدينار أو بنصف دينار )

هل ( أو  ) هنا للتقسيم أو للتخيير ؟

إن قلنا للتخيير فله ما يشاء:

( يتصدق بدينار أو بنصف دينار )

فمرد الأمر إليه ، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله .

وقال البعض :

إن ( أو ) هنا للتقسيم ، بناء على ما مضى من روايات ، فإن كان الجماع أول الدم فدينار وإن كان في آخره فنصف دينار

وقول آخر يقول :

إن كان الجماع قبل انقطاع الدم فدينار وإن كان بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال فنصف دينار .

وقول آخر يقول :

إن كان موسرا فدينار وإن كان معسرا فنصف دينار  .

إذاً / الصواب ما رجحه شيخ الإسلام من أنه مخير بين الدينار ونصف الدينار .

وليس معنا هذا الكلام أنه يجوز له ذلك ، وإنما هو آثم وتجب عليه الكفارة .

( ومن الفوائد )

لو قال قائل : ما هو الدينار ؟

" الدينار " عملة من الذهب ، وهو " أربعة جرامات وربع "

فيتصدق بأربعة جرامات وربع أو بنصفها ، على التخيير السابق ، فينظر في وزنها في محلات الذهب  .

وهذا على القول الميسر ، لأن شيخ الإسلام رحمه الله يقول " هو الدينار المضروب " الذي هو عملة ، أما كونه تبرا أو قطعة لم تضرب على أنها عملة فلا .

إذاً / من باب أولى ما يكون من قيمته .

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ، فهو من الذهب ، سواء كان مضروبا أو غير مضروب ، وإن شاء أن يخرج قيمته فله ذلك ، بأن يأتي إلى أصحاب الذهب ويقول كم قيمة أربعة جرامات وربع ؟

 

 

 

 

( ومن الفوائد )

ورد حديث في السنن وهو قوله صلى الله عليه وسلم :

( من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد ) صلى الله عليه وسلم .

فهذا الحديث مختلف في ثبوته ، وممن يصححه الألباني رحمه الله ، بناء على أن الرجل المضعف في سنده اختلف في توثيقه ، ولذلك يرى البخاري رحمه الله أنه ضعيف وكذلك ابن حجر رحمهما الله

 وغيرهما يرى أنه مقبول الحديث ، وبالتالي فإن الحديث يرى الألباني رحمه الله أنه بشواهده أنه مقبول .

وعلى هذا التصحيح منه رحمه الله يكون " الكفر " في الحديث محمول على واحد من أمرين :

إما الكفر الأكبر ، ويكون بذلك أنه استحله ، قال " هو مباح "

وإما من باب التغليظ فهو كفر دون كفر، فيكون كافراً  لنعمة الله عز وجل إذ أباح له الجماع في حال طهر المرأة الذي به النقاء ، فكفر هذه النعمة فواقعها في وقت يكون فيه الأذى ، والدنس والضرر .

لكن المشكل في لفظ ( الكاهن ) هل هو كفر أصغر ؟

لا ، فكيف الجواب ؟

نقول : هناك حذف ( أو صدَّق كاهناً )

كما يقال في الشعر :

" علفتها تبناً وماءً باردا "

الماء البارد يعلف أم أنه يشرب ؟ يشرب

فهناك فعل محذوف

" علفتها تبناً وأسقيتها ماء باردا  " ً

فتكو ن جملة ( أو أتى كاهنا ) منصبا على التصديق .

(  ومن الفوائد )

أن النهي عن إتيان المرأة وهي حائض لأنه أذى ، كما قال عز وجل :

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى }البقرة222

فهو أذى مطلقاً ، ولذلك أثبت الأطباء أن الأعضاء التناسلية تضعف ولا تستطيع أن ترد الجراثيم التي تحصل أثناء جماع الحائض ، وبالتالي فلربما أن الرحم يتأثر أو أن المرأة تحمل خارج الرحم ، ثم ما يكون بالمرأة حال الحيض من التوتر والتعب وعدم الارتياح النفسي ، وهذا شيء مشاهد .

( ومن الفوائد )

أن من أتى زوجته وهي حائض فإنه يلزم بهذه الكفارة ، لكن هي تلزم أم لا ؟

نعم تلزم إذا طاوعته ، فإذا طاوعته فإنها تلزم بمثل ما يلزم به .

( ومن الفوائد )

أن هذا الحكم وغيره من الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بثلاثة شروط كونه  :

[ عالماً – ذاكراً – مختاراً ]

فإن كان جاهلا بالحكم فإنه لا إثم عليه ، ولا يلزم بشيء .

لكن لو قال : أنا أعلم بالحكم ، لكن ما يترتب على هذا الحكم لا أعلم به ، لو كنت أعلم لحرمت شهوتي ولما جامعت امرأتي حال الحيض بما أنه يترتب علي هذه الكفارة ، أنا أعلم أن جماع المرأة حال الحيض حرام .

ويقول آخر : لو كنت أعلم أن علي كفارة مغلظة لما جامعت زوجتي في نهار رمضان .

فنقول : هل تعلم أن جماع المرأة في نهار رمضان حرام ؟

قال : نعم  .

فنقول : تلزمك الكفارة .

أهم شيء عندنا هو معرفته بالحكم ، أما ما يترتب على الحكم من كفارة ، فهذا لا يلتفت إليه إذا كان جاهلا .

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : لما أتاه الرجل الذي وقع على زوجته في نهار رمضان ، هو لا يعلم بالكفارة ولكن يعلم الحكم ولذا قال :

( هلكتُ يا رسول الله ) في رواية ( احترقت يا رسول الله )

فهو يعلم أنه وقع في إثم ، لكن ما يدري ما الذي يترتب على ذلك ، ومع ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بإخراج الكفارة ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :

( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه )

هو يعرف أنها حرام ، لكن لا يعرف الآثار المترتبة على تلك الكلمة من عقاب ، ومع ذلك كُتب له سخط الله لأنه يعلم حكمها .

إذاً لابد أن يكون عالماً بالحكم الشرعي .

ثانيا :

أن يكون ذاكرا ، فربما أنه يواقعها وهو ناسي وهي ناسية حال الحيض ، وبالتالي فإنه لا يترتب عليه شيء .

ثالثا :

أن يكون مختارا ، لكن لو أكره فوضعت المرأة سلاحا على رأسه وقالت إن لم تجامع قتلتك ، فجامع فإنه لا كفارة عليه ولا يترتب عليه شيء ، ونعوذ بالله من الابتلاء .

 

 

( ومن الفوائد )

أن " النفساء " لو جومعت حال النفاس ، فإنها تأخذ حكم الحائض .

ولتعلم أن النفاس كالحيض فيما يحل وفيما يحرم وفيما يكره وفيما يستحب .

فيما يباح : كالمباشرة إلا الجماع .

فيما يحرم : كالجماع في الفرج .

فيما يكره : المباشرة على قول فيما هو دون السرة وأعلى الركبة .

فيما يستحب : يستحب لها ذكر الله عز وجل ، وتطهير فرجها عند الاغتسال  .

وهناك استثناءات لو أتينا إلى باب النفاس ذكرنا شيئا منها إن شاء الله تعالى .