الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
" الخطبة الثانية من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

الخطبة الثانية من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله :

 

نتحدث في هذا اليوم عما توقفنا عنده من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية رحمه الله .

 

 " من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

 

أنه قال رحمه الله :

لماذا كان أعظم النعيم في الجنة هو رؤية الله ؟

قال رحمه الله : اللذة والنعيم التام لأهل الجنة وإن كانوا في نعيم من مأكول ومشروب ومنكوح ونحو ذلك ، النعيم التام هو أن ينظروا إلى الله ، لم ؟ لأن تلذذهم وتنعمهم برؤية الله أعظم من التلذذ والتنعم بأي مخلوق ، ولذلك في الدعاء المأثور كما عند النسائي :

( اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة )

وفي حديث صهيب عند مسلم ، قال صلى الله عليه وسلم :

( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند ربكم يريد أن ينجزكموه ، قالوا ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ قال فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه ، وذلك هو الزيادة )

فدل هذا على أن أعظم النعيم هو رؤية الله عز جل ، وأشد العذاب أن يحجب العبد عن رؤية الله ، ولذلك قال تعالى {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [المطففين: 15]

قال رحمه الله : نظير هذا –وهذا لمن وفقه الله – شخص نزلت به فاقة وحاجة فجعل يدعو الله فحصل له من هذه الالتجاء ومن هذا الدعاء لذة ، ما هي تلك اللذة هي لذة مناجاة الله ، تلك اللذة هي أعظم من مطلوب هذا العبد الذي دعا الله أن يرفعه أو أن يحققه .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

من أخذ من المخلوق فوق حاجته أضره ، إن أخذ من الطعام فوق حاجته أضره ، إن أخذ من الشراب فوق حاجته أضره ، إن أخذ من المنكوح – الجماع – فوق حاجته أضره ، فدل هذا على أن كل مخلوق وبال عليك إلا ما كان لله وفي الله ، وهنا يظهر معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند الترمذي :

( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلماً )

هنا يظهر معنى هذا الحديث ، لماذا لعنت الدنيا بما فيها إلا ما استثنى ؟ لأن المخلوقات إن تعلقت بها فهي وبال عليك إلا ما كان لله وفي الله .

 

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

" الله جل وعلا غني رحيم كريم ، يريد أن ينفعك لا لينتفع بك ، بينما المخلوق مهما كان هذا المخلوق يريد أن ينفعك لينتفع بك إما عن طريق المعاوضة والمبادلة ، مثل الزوجين كلٌ منهما ينفع الآخر من أجل أن تعود تلك المنفعة إليه ، فهو يريد أن ينفعه لينتفع به ، ومثل الملوك مع الجنود ، فالجنود ينفعون الملوك لينتفعوا بهم ، والملوك ينفعون الجنود لينتفعوا بهم في الحراسة وفي غير ذلك ، أما الله جل وعلا فهو يريد أن ينفعك لا لينتفع لك ، أما المخلوق فهو يريد أن ينفعك لينتفع بك ، وهذا هو المقصد الأول للمخلوق ، إما عن طريق المعاوضة والمبادلة أو عن طريق الإحسان ، مثل الأقرباء ينفعون قريبهم لا لنفعه النفع المحض – لا – وإنما المقصود أنهم إذا نفعوه وأكرموه عاد هذا النفع وعادت تلك الكرامة إليهم "

قال رحمه الله : فملاحظة هذا الأمر تجعلك تقطع رجاءك بكل مخلوق ، ولذلك قال خف الله في المخلوق ولا تخف المخلوق في الله ، وارجُ الله في المخلوق ولا ترجُ المخلوق في الله ، قدِّم إليهم النفع لله لا لرجائهم ، ولا يحملنك هذا على ألا تقوم بحق أو أن تتحمل منهم أذى ، كما قال عز وجل :

{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } [الإنسان: 9 ، { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

قال رحمه الله : تأمل حديث الاستخارة ، من بين جمله ( اللهم إني استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب )

يقول رحمه الله : إذا كنت لا تعلم مصلحتك ولا تقدر عليها ولا تريدها كما ينبغي فغيرك من المخلوقين من باب أولى أنه لا يعلم بمصلحتك ولا يقدر على تحقيقها ولا على إرادتها كما ينبغي "

خلاصة القول : علِّق رجاءك بالله الذي يعلم ويقدر ويعطي من فضله جل وعلا .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

" المخلوق لا يمكن أن ينفك عن محبة شيء وأن يعتمد على هذا الشيء ويثق به ، فيظهر هنا أن قوله تعالى : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5] كلام جامع شامل محيط أولا وآخرا ، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } العبادة تدل على المحبة { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }تدل على الثقة والاعتماد ، فما من مخلوق إلا وهو بحاجة إلى من يحبه ويثق به ويعتمد عليه ، ولهذا من وقع في الشرك إنما وقع بسبب هذين الأمرين ، وربما يقع هذا من المسلم لأن الشرك في الأمة أخفى من دبيب النمل ، مثل من أحب مخلوقا حباً عظيماً فإنه يحب هذا الشيء ويعتمد عليه ويثق به ، كمن أحب المال وطغى حبه على قلبه ، هنا المحبة وقعت في قلبه لهذا المال ، ثم هو يثق بهذا المال ويعتمد عليه في قضاء حوائجه ، ولذلك تأمل – سبحان الله أعطي هذا الرجل فهماً عجيبا رحمه الله – قال تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم :

( تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار )

إذاً هم عبدوا الدينار والدرهم ولو كانوا مسلمين ، لأنهم أحبوا هذا المال وطغى حبه على قلوبهم ووثقوا به .

قال رحمه الله : فليحذر المسلم فإن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل "

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

" من يجلب إليك المنفعة هو الله عز وجل ، ومن يدفع عنك الضر هو الله "

والآيات كثيرة ، لكن هذه الفائدة موجودة في سورة كثير منا يقرؤها ويحفظها في قوله جل وعلا :

{ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ  } هذا دفع المضرة ، لأن النصرة تدفع الضرر .

{ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} وهذا يدل على حصول المنفعة .

 

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله :

هذه الفوائد التي ذكرتها تزيد من توحيد وتعظيم الله جل علا .

 

" من الفوائد العلية من فتاوى ابن تيمية "

أنه قال :

" قد قيل : من احتجت إليه من المخلوقين صرت أسيره ، ومن استغنيت عنه من المخلوقين صرت نظيره – يعني شبيها له – ومن أحسنت إليه من المخلوقين صرت أميره " ولذلك صدق القائل :

    بين التذلل والتدلل نقطة    في رفعها تتحير الأفهام

ففرق بين التذلل والتدلل .

قال رحمه الله : وأعظم ما يكون للمخلوق عند المخلوقين من الوجاهة والقدر والثناء إذا أحسن إليهم واستغنى عنهم ، فإن المخلوق وإن احتاج إلى المخلوقين ولو في مقدار شربة ماء ولو قضوا له حاجته فإن قدره ينقص عندهم بقدر ما يطلبه منهم "

فهذا شيء مشاهد لو تطلب المخلوق ولو فيما قلَّ نقص قدرك عند هؤلاء المخلوقين بقدر ما تطلبه منهم .

قال رحمه الله : وهذا من حكمة الله جل وعلا من أجل ألا يقع شرك بالله وأن يكون الدين كله لله "

لأنك إذا عرفت أن هؤلاء المخلوقين إن طلبت منهم شيئاً نقص قدرك عندهم  ، إذاً لا تتعلق إلا بالله ، فهنا لا يقع الشرك ، لأن توجهك ودعاءك إنما هو لله ، هنا يظهر الدين كله ، لأنه إذا انتفى الشرك وظهر التوحيد هنا يكون الدين كله لله .

وللحديث إن شاء الله تتمة في هذه الفوائد العلية .

الخاتمة : .................