الرئيسية | الدروس | الخطب | المحاضرات | الصوتيات | التفسير | الفتاوى | المرئيات | السير | الجامع | عن الشيخ
خطب الجمعة
" الرشوة وأخواتها "

"  الرشوة وأخواتها  "

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

ــــــــــــــــــــــ

( أما بعد : فيا عباد الله  )

حديثنا في هذا اليوم عن " الرشوة وأخواتها "

وقبل أن أتوغل في هذا الحديث أيصح أن يقال :

" هذه معاملة لها أخوات ؟ أو تلك المعاملة هي أخت تلك المعاملة " ؟

فالجواب / يصح ، ولذا في مصنف ابن أبي شيبة :

( أن عمر بن العزيز رحمه الله قال عن العينة قال هي أخت الربا )

والعينة : هي أن يبيع الإنسان سلعة له على شخص بمبلغ مؤجَّل ثم يشتريها منه قبل أن يفرغ من السداد بأقل من الثمن الذي في ذمته "

وهذا ربما يقع كثيرا في معارض السيارات ممن يتعامل بتقسيط السيارات ونحوها ، فلا يجوز لك إذا بعت على شخص سلعة وبقي في ذمته ريال واحد لا يجوز أن تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها عليه .

والعينة وردت كما عند أبي داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال صلى الله عليه وسلم :

( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد ، سلَّط الله عليكم ذُلَّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) وعند أحمد  ( حتى يراجعوا دينهم )

( الرشوة )

تنطق بتثليث الراء ، تقول [ الرِّشوة – الرُّشوة- الرَّشوة ] بضم الراء وبفتحها وبكسرها .

و ( الرشوة ) مأخوذة من " الرشا " الذي هو الحبل الذي يُتوصل به إلى إخراج الماء من البئر ، لأن الرشوة يتوصل بها " إلى إحقاق باطل أو إبطال حق "

( الرشوة )

ظهرت رائحتها في هذه الأزمان أكثر من ذي قبل ، والسبب أن الناس غفلوا عن الآخرة وأقبلوا على الدنيا ، وأصبحت هموم الدنيا بين أعين كثير من الناس ، وقد أخبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحذَّر منه كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال صلى الله عليه وسلم :

( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء أخذ المال من حلال أم من حرام )

وفي رواية النسائي :

( أصاب المال من حلال أو حرام )

كل ذلك من أجل أن يسعد بهذا المال المحرَّم ويُسعد أهله ، ولا يستحضر أنه ربما يكون هذا المال وبالا عليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث كعب رضي الله عنه ومن حديث أبي بكر  رضي الله عنه عند الطبراني :

( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به )

فقد يكون هذا المال وبالا على الإنسان وعلى ماله وعلى أسرته .

( الرشوة )

عدَّها العلماء من كبائر الذنوب ، وقد نقل ذلك الذهبي رحمه الله في كتابه " الكبائر " فيجب الحذرُ منها .

( الرشوة )

لها صور متعددة ، فمن صورها :

" ما يعطى الموظف من المال لتمرير معاملة يراد منها إحقاق باطل أو إبطال حق "

لو قال قائل : هو لم يظلم أحداً ، الحق هو هو ،لكن لدى الرجل معاملة تأخرت فأراد أن يستحثَّ بها حتى تخلص له ، فلا يجوز أن يأخذ على ذلك شيئا ، الموظف لا يجوز أن يأخذ شيئا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه :

( هدايا العمال غُلول )

أنت عامل لدى الدولة تأخذ مرتبا ،فلا يجوز لك أن تأخذ شيئا ، فبمقتضى العمل الذي وُضعت فيه يجب أن تقوم بعملك على أكمل وجه ، ولا تُزيَّف الأسماء ، هذه هدية ، هذه عطية ، هذه إكرامية ، هذه ليست لك يا فلان وإنما هي للأولاد  - سبحان الله – متى عرفت أولاده ؟!

ولذلك في الصحيحين :

( لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم  رجلا يقال له ابن اللُّتبية عاملا على الصدقة ، فرجع فقال يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي لي ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب ، فقال إني أولي الرجل منكم على العمل فيأتي ويقول هذا لكم وهذا أهدي إلي ، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ )

أجلس في بيتك وانظر هل هذا الرجل الذي أعطاك هذه الهدية وقال هذه إكرامية فهل يعطيكها ؟

( أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده لا يُغل أحدكم شيئا إلا أتى به يحمله يوم القيامة )

فلا تُزيَّف الحقائق ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها )

الآن يسمون الخمر بالشراب الروحي ، من باب الترويج والتسويق لها .

( ومن صور الرشوة )

أن الدولة قد توكل موظفاً للبحث عن شركة ليرسي عليها مشروع ، ولا يلزم أن يكون من قِبل الدولة ، وإنما في أي شركة ، فيأتي إلى شركة ويقول أنا أرسي عليكم هذا المشروع نظير كذا وكذا من المال ، فهذا فيه تزوير وخيانة وغش للأمة ، بل فيه إبطال حق ، حق من ؟ حق الأمة ، وحق صاحب تلك الشركة ، إذا كانت هذه الشركة خاصة بأشخاص ، ولذلك أنت وكيل ، فلو وكَّلتك الدولة أو وكَّلك صاحب الشركة فأنت وكيل ، والوكيل أمين ، فيجب أن تبحث عمَّا هو الأصلح لهذا المُوكِّل الذي وكَّلك في بيع أو في شراء ، لا تبحث عن مصلحتك أنت ، فلو أعطيك سيارتي لتبيعها ، فيجب أن تبيعها نصحا لي ، لا أن تبيعها بأقل من أجل محاباة ، أو تبيعها بأكثر وتأخذ الزائد، لأن بعضا من الناس يسأل يقول : بعض الناس يعطيني سلعته من سيارة أو غيرها ، فيقول  بعها لي يا فلان بألف ريال ، فيبيعها له بألف ومائة ، فيأخذ المائة – هذا حرام إلا في حالة واحدة – إن قال لك يا فلان بع هذه بألف وما زاد فهو لك ، فلا إشكال هنا ، أما أن يقول لك بعها بألف ثم أنت تبيعها من حيث لا يشعر ومن غير اتفاق تبيعها بأكثر وتأخذ هذا الزائد ، فإن هذا حرام ، ولذلك قال عز وجل عن أصحاب الكهف :

{ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ }الكهف19، وكَّلُوه { فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً } من باب تحقيق المصلحة لهؤلاء الموكلين الذين وكَّلوه .

( ومن صور الرشوة )

أن الدولة قد ترسي مشروعا على شركة كبيرة ولها من القدرات ما لديها ، وإذا بهذه الشركة الكبيرة تمرر هذا العمل إلى شركة أضعف ، والتي تليها إلى أضعف ، والتي تليها إلى أضعف ، وهذا فيه خيانة للأمة وأخذ مال بغير حق ، لأن من هو في الهرم وهي الشركة الكبرى تنظر فقط إلى ما يُفعل في هذا المشروع وتأخذ هي النصيب الأوفر من هذا المال ، وهذا خزي وعيب يحملونه يوم القيامة ، ويحاججهم ليس ولي الأمر فقط – لا – بل عموم الأمة ، لأنهم خانوا الأمة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما :

( أدُّوا الخياط ) يعني الخيط ، وفي رواية ابن ماجه ( أدُّوا الخيط والمِخْيَط ) المخيط : الإبرة ، فما ظنكم بمن يأخذ الآلاف أو مئات الآلاف أو الملايين بل المليارات ؟!

( أدُوا الخياط فإن الغُلول عار على أهله يوم القيامة ونار وشنار )

العار : هو العيب .

الشنار : هو العيب المصحوب بخزي ، لأن الإنسان قد يصاب بالعيب ولا يُخَزَّى ، لكن الشنار هو العيب المصحوب بخزي، في يوم القيامة يَظهر ويُظهر عيب هؤلاء ويخزون .

( ومن صور الرشوة )

" التزوير "

سواء التزوير بقلم أو بكتابة أو بكلام ، لأن فيه إحقاقا لباطل وإبطالا لحق ، وفيه كذب وتدليس ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين من حديث أنس وأبي بكرة لما عدَّ الكبار قال :

( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) فالكبائر درجات ، فإن هناك ما هو أعظم ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) ذكر منها ( قول الزور )

النبي صلى الله عليه وسلم كما عند النسائي من حديث معاوية رضي الله عنه :

( نهى عن الزور )

وهذه كلمة عامة

والنبي صلى الله عليه وسلم كما عند النسائي من حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال :

( أيما امرأة زادت في شعرها ما ليس منه فإنه زور تزيد فيه )

والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها :

( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )

وفي حديث جابر عند أبي داود والترمذي :

( من تحلَّى بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور )

وانتبه لهذا الحديث ، بعض الناس ربما يقول أعطاني فلان وأعطاني فلان وهو لم يعطه شيئا من باب أن يتشبع وأن يظهر للناس ، أو تقول المرأة لصويحباتها أعطاني زوجي كذا وكذا وهو لم يعطها شيئا ، بعض الناس ربما أنه في فقر مدقع لكنه يظهر للناس من أنه من الأثرياء ، الآن بعض الناس – ولاسيما في وسائل التواصل كأنستقرام – يضع صورا على أنه ذهب إلى تلك الديار وأنه اشترى تلك السلعة أو ذلك الشيء بآلاف الآلاف وهو لم يشتر شيئا يظهر للناس من أنه غني أو ثري ، وبعض الناس ربما يكون عاريا من فقه وعلم تفسير الرؤى ويقول " أنا مفسِّر للرؤى " وأنا أقول أي مفسِّر لم يقرأ الأحاديث الواردة التي أوردها البخاري في صحيحه في كتاب التعبير مع تعليق ابن حجر في الفتح أظنه لن يفقه كثيرا من تفسير الأحلام ، لأن ما ذُكر مبني على الكتاب وعلى الأصول   .

بعض الناس ربما يفتح له صفحة في التويتر وهو جاهل ويقول " أنا طالب علم " أو بعضهم قد يكون طالب علم ويقول أنا من العلماء المتبحرين ! يظهر للناس من أنه كذا وكذا ، أو ربما يقول أنا الدكتور الفلاني ، وهو ليس بدكتور ، يمكن للإنسان أن يصف نفسه بما يشاء من الأسماء  ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )

إذا كان هذا في قول الزور فما ظنكم بمن يُغيِّر المعاملات من أجل أن يتحصل على مال ؟!

( ومن صور الرشوة )

أن ما يُدفع لإنسان شرير لِيُتقى شرُّه فما يأخذه يندرج تحت حكم الرشوة ، بعض الناس قد يكون شاعرا فيعطيه بعض الناس مالاً من أجل أن يتوقى وأن يحذر شعره الشرير أو قد يكون إعلاميا فيعطى من أجل أن يُسّكَّت خيفة من أن يذم ذلك الشخص ، فما يأخذه قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الديلمي والخطيب البغدادي وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة :

( ذُبُّوا عن أعراضكم بأموالكم ، قيل يا رسول الله كيف نذبُّ عن أعراضنا بأموالنا ؟ قال أعطوا الشاعر ومن تخافون شرَّه )

لكن ما يأخذه هذا الشاعر ومن تخاف من شره فإنه سُحت عليه .

( ومن صور الرشوة )

ما يفعله بعض أولياء البنات ، يزوج ابنته من شخص من أجل المال ، وقد يزوجها من ليس بكفؤ ، بل قد يحبسها عن الزواج من أجل تحقيق منفعة له ، من أجل أن يزيد في المهر ليأخذ ما زاد عن هذا المهر ، أو ربما تكون لها وظيفة فيحبس هذه البنت ، فلربما يفوتها سن الزواج فيكون هذا من أظلم الظلمة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الطبراني :

( إذا أراد أحدكم أن يزوج ابنته فليستأذنها ) فالحق لها

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :

( أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستأذن البنت )

وفي حديث عند الترمذي وإن كان فيه ضعف ، لأن النصوص الشرعية العامة تؤيده :

( ثلاثة لا تؤخر إذا حضرت  ، الصلاة إذا حضرت ، والجنازة إذا حضرت ، والبنت إذا أتاها الكفؤ )

فلا يجوز للإنسان أن يتخذ مشاعر مَُوَلِّيَته لأنه قد يكون عمَّا وأخاً له الولاية ، فلا يجوز له أن يحبسها من أجل أن يأخذ ما يريد من المال ، ومثل هذا إذا ثبت فإنه تسقط ولايته في النكاح ، فلها أن تذهب إلى المحكمة والمحكمة تحل هذا الأمر وتزوج هذه البنت بمن هو كفؤ وتسقط ولاية هذا الرجل ، أو تلزم من تحته بأن يكون وليا عليها فيكون أصلح لها .

( ومن صور الرشوة )

ما يفعله بعض الناس من أخذ المال على الوساطة  "

أنت لست في تلك الدائرة ، لكنك تعرف أشخاصا فيأتي إنسان ويقول أنا أوظفك في هذا المكان نظير مبلغ من المال – وهذا منتشر الآن – إن كان لدى هذا الرجل قدرة ، فبعض الناس ما شاء الله يمكن يدخل على أكبر مسؤول ويتحدث معه وعنده إقناع في الأسلوب ، ويذهب بنفسه ويراجع ، فهذا لا إشكال فيه ، ويجوز له أن يأخذ ، وهذا من باب الجعالة في الشرع  ، لكن هو لن يذهب وإنما يعرف أشخاصا ، فإن تقاسم معهم المال فهذا أعظم وأطم ، وهذا يشمل مكاتب التعقيب ، فيحذر المسلم من أن يُدخل على ماله ما ليس بحلال ،

فلا يجوز أن تأخذ ولو ريالا واحدا إذا شفعت لأي شخص ، سواء كنت في تلك الدائرة الحكومية أو لم تكن  في تلك الشركة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند وسنن أبي داود من حديث أبي أمامة رضي الله عنه :

( من شفع لأخيه شفاعة فأعطاه هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا )

قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى بعد أن ذكر هذا الحديث ذكر أثر ابن مسعود رضي الله عنه :

( سئل ابن مسعود رضي الله عنه  : الرجل يشفع فيُهدى له فيقبل تلك الهدية ؟ قال رضي الله عنه هي السحت بعينه )

قال شيخ الإسلام رحمه الله : لماذا حرَّم الإسلام أن يأخذ الإنسان مالا على شفاعته وعلى وساطته ؟

قال : يلزم على ذلك أن من يعطي المال هو الذي يُوظَّف وهو الذي يُعطى وهو الذي يُقرَّب وهو الذي يُكف ُّ عنه الظلم ، ومن لا يبذل مع أنه أحق لا يُوظف ولا يقرَّب ولا يُكف عنه الظلم ، مع أنه أحق ، لم ؟ لأنه لم يدفع ، قال : ولما كانت المنفعة لعموم الأمة فيجب على الشافع أن يشفع نصحا للمسلمين ، لأنه ربما يولَّى الفاسق ومن ليس بأهل ويُترك من هو أهل ، فيجب أن تنصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم فتُبِّن للمشفوع عنده مَنْ هو أحق بهذا العمل ممن ليس بأحق ، فكما يجب أن تصلي وأن تصوم فيجب عليك أن تنصح للأمة فتخبر المشفوع عنده بمن يستحق وبمن لا يستحق "

 

 

 

( ومما يتعلق بالرشوة )

لو قال قائل : قلتم إن هدية الموظف لا تجوز ، إذاً ما الفرق بين الرشوة وبين الهدية ؟

قال ابن القيم رحمه الله كما في كتابه الروح :

قال " الرشوة والهدية وإن كانت في الصورة واحدة إلا أنها تختلف باختلاف النية ، لأن الرشوة يدفع المال لتحقيق باطل أو إبطال حق ، بينما الهدية من باب استجلاب المودة فقط لا لشيء آخر "

( ومما يتعلق بالرشوة )

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في المسند وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال :

( لعن الله الراشي والمرتشي )

فأصحاب الرشوة كلهم ملعونون ، بل حتى الوسيط – وإن كان في رواية أحمد ضعف –  ( والرائش ) وهو الساعي الذي يوفق بينهما ، وإن كانت الرواية فيها ما فيها من الضعف إلا أن النصوص العامة تدل على أن من كان سببا فهو يدخل في حكم المباشر .

 ( ومما يتعلق بالرشوة )

أن الرشوة مذكورة في كتاب الله عز وجل ، كيف ؟

قال عز وجل عن تلك المرأة :

{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ }النمل35

قال قتادة : أرادت أن ترشي سليمان عليه السلام ، قالت إني سأعطيهم هدية لأصانعهم بها عن ملكي إن كانوا أهل دينا ، لكن ماذا قال سليمان عليه السلام ؟

{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ }النمل36

وذكرت الرشوة في آية ثانية  ، قال عز وجل :

{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }البقرة188

هذه الآية لها تفسيران :

قال القرطبي رحمه الله : " لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وإدلاء الحجج لتلبيس الحق على القاضي فربما يقضي بحججكم الباطلة لمن ليس هو محق ، كما قال تعالى : { وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ }البقرة42

القول الثاني : قال ابن عطية هو الراجح – والصحيح أن القولين يدخلان في الآية – قال :

" لا تصانعوا بأموالكم إلى الحكام – يعني القضاة – لترشوهم ليحكموا لكم بالحكم بما تعطونهم من هذا المال "

لو قال قائل : هل هناك سِرٌ في قوله تعالى : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }البقرة188

بعد آيات الصيام ؟

قال أبو حيان في تفسيره " البحر المحيط " :

" هناك مناسبة وهي  : أنه جلَّ وعلا لما أمر هذه الأمة بالصيام كالأمم السابقة وأباح لهم الأكل والشرب بعد الصيام نهاهم عن أن يتخذوا سبيل الأمم السالفة في أكل أموال الناس بالباطل ، فذكر جل وعلا هذه الآية "

 

هناك آية ثالثة ذُكرت فيها الرشوة ، وهي قوله تعالى :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ }التوبة34

قال ابن كثير رحمه الله :

" ذلك بأنهم كانوا يأكلون الدنيا بالدين من أجل رئاستهم ومناصبهم عند الناس "

وعلى كل حال ، فصور الرشوة وما يتوصل به إلى إحقاق باطل أو إبطال حق كثيرة ، أسأل الله عز وجل أن يبارك في أموالنا وفي أولادنا وفي أعمارنا

 

 

  

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله /

" أذكر على وجه الاختصار مضار الرشوة "

من مضار الرشوة : أنها معصية ومخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .

من مضار الرشوة : أنها سبب لهلاك الإنسان وسبب لمحق البركة له في الدنيا قبل الآخرة .

من مضار الرشوة :  أنها تفسد المجتمع حكاما ومحكومين

من مضار الرشوة : أنها تبطل حقوق الضعفاء لأنه لا قدرة لهم على الدفع ، وتظهر أهل الظلم وأهل الطغيان .

من مضار الرشوة : أنها سبب للعنة الله جل وعلا لمن دخل فيها .

من مضار الرشوة : تقدِّم في الوظائف والمناصب تقدِّم من ليس بأهل وتؤخِّر من هو أهل ، وهذا مما حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما عند البخاري :

( أنه أتاه رجل فسأله : يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة ، قيل يا رسول الله وما إضاعة الأمانة ؟ قال إذا وُسِّد ) وفي رواية أخرى عند البخاري ( إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )

وليس هذا إقرارا منه صلى الله عليه وسلم وإنما هو تحذير للأمة .

من مضار الرشوة : أنها طريقة للتوصل إلى تولية من ليس بأهل فيدافع عن البلد من ليس بأهل ، وبذلك يفسد المجتمع ويفسد أفراده .

الخاتمة : ......................