: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
مَنْ مولاك يا أبي (2)
 

 

 

 


خطبة مَنْ مولاك يا أبي (2)

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

الخطبة الأولى

أما بعد فيا عباد الله /

تحدثنا في الجمعة الماضية عن زخم الهموم التي تصيب كثيرا من الناس في هذا الزمن ، وذلك من جراء اهتمامهم بأمور حياتهم الدنيوية المستقبلية ، وقلنا إن الخلاص والمخرج والسعادة كل السعادة إنما هي في تقوى الله جل وعلا فمن اتقى الله جل وعلا وأناب إليه ورجع إليه بالتوبة والإنابة كفاه الله جل وعلا هم أمر دينه وآخرته ، وكان حديثنا قد توقف عند تلك الحادثة التي حدثت لبعض الصحابة، والتي توقفنا جميعا على أن من اتقى الله جل وعلا كفاه في حياته وبعد وفاته ، فقد ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحيه في [كتاب الخُمُس ، باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا مع النبي صلى الله عليه وسلم ] يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ( لما وقفت مع أبي ) يعني الزبير بن العوام رضي الله عنه ( لما وقفت معه يوم الجمل فقال يا بني إني لا أراني إلا سأقتل مظلوما ، وإن من أكبر همي الدين ، يا بني إذا مت فاقض عني ديني ، فإذا عجزت عن شيء منه فاستعن به على مولاي ، قال عبد الله : والله ما أدري من مولاه , حتى قلت يا أبتِ من مولاك؟ قال الزبير : إن مولاي هو الله ، قال عبد الله : والله ما وقعت في كربة من كرب دينه إلا قلت يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضي عنه دينه) وكان الزبير رضي الله عنه لم يدع درهما ولا متاعا ولا دينارا ، إنما ترك أرضين وترك إحدى عشرة دارا بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر ، وكان دينه الذي عليه رضي الله عنه أنه كان رجلا أمينا يستودعه الناس على أموالهم، فكان الواحد منهم يأتي إليه ويقول هذا المال وديعة ، فيقول رضي الله عنه لا بل هو قرض ، بل هو سلف ، إني أخشى عليه الضيعة ، وهذا من نصحه رضي الله عنه لأن القرض والسلف متى ما تلف ضمنه المقترض في جميع الأحوال ، أما الوديعة لو تلفت بغير تعدٍ أو تفريط من المودَع فلا شيء عليه ،( قال عبد الله فحسبت ما عليه من الديون ، فوجدته ألفي ألف ) ألف ألفٍ يعبر عنه في زماننا بـ[المليون] ( فوجدته ألفي ألفٍ ومائتي  ألف ، فمر بي حكيم بن حزام )  وهو ابن عم الزبير رضي الله عنهما ( فسألني عن دين أبي ؟ فأخبرته بقدر الدين ، فقال حكيم إنكم لن تستطيعوا قضاءه ، فإذا عجزت فاستعن بي ، وكان عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ، كان له على الزبير أربع مائة ألف ، فقال عبد الله بن جعفر لعبد الله بن الزبير إن شئتم أن تسقطوها فأسقطوها ، قال عبد الله لا ، قال عبد الله بن جعفر إن شئتم أن تؤخروها فيما تؤخرون فذلك لكم ، فقال عبد الله بن الزبير لا ، ولكن خذ قطعة من أراضي الزبير نظير هذا الدين ، فأخذ عبد الله بن جعفر قطعة من الأرض ، فجعل عبد الله بن الزبير يبيع الأراضين وبقية الدور ، وكان الزبير رضي الله عنه ترك تسع بنات وترك تسعة بنين ، وترك أربع زوجات مات عنهن ) انظروا بعدما باع عبد الله بن الزبير جميع ماله أحصيت تركة الزبير بـ[ خمسين ألف ألف ومائتي ألف ] أي خمسون مليونا ومائتي ألف ، ( فأصاب كل امرأة ألف ألفٍ ومائتا  ألف ) يعني مليون ومائتي ألف ، حتى إنه بالبركة التي أودعت أودعها الله جل وعلا في عقار الزبير، تلك البركة نالت عبد الله بن جعفر ، فإنه لما أخذ القطعة نظير الدين الذي مقداره أربع مائة ألف باعها عبد الله بن جعفر بستمائة ألف ، أي ربح مائتي ألف ،

فالشاهد عبد الله من إيراد هذه القصة وهذه الحادثة / أن الأمور التي تجري ليست بأيدينا ، وأن الشؤون التي تحصل ليست بتقديرنا ، إنما لك خالق، رازق ، من  {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }  فيا عبد الله / لا تسلم نفسك للكآبة والحزن ، ثق بربك غاية الوثوق ، ثق بربك ، توكل عليه ، وارض بما قسم لك ، واستعن به كما استعان به الزبير ، ( إذا عجزت عني شيء من قضاء ديني فاستعن به على مولاي ، قلت يا أبتِ من مولاك ؟ قال مولاي الله ) ،

الله ربي لا أُريد ســــواه * هل في الوجود خالق إلا هـــو ؟

الطير سبحه والوحش مجــده * والموج كبره والحوت في البحر ناجاه

والنمل تحت الصخور الصم قدسه * والنحل يهتف حمدا في خلايــــاه

 ( من مولاك يا أبتِ ؟  قال : مولاي هو الله )

عباد الله / لم تحصل هذه البركة في عقار الزبير إلا يوم أن كان لله في حياته مطيعا منيبا ، الزمها تفز ،

فعيك بتقوى الله فالزمها تفز * إن التقي هو البهي الأهيبُ

واعمل لطاعته تنل منه الرضا * إن المطيع لربه لمقرب

وقال آخر

فاقنع ففي بعض القناعة راحة * واليأس مما فات فهو المطــــلب

لا تحرصن فالحرص ليس بزائد * في الرزق بل يشقى الحريص ويتعب

ويظل ملهوفا يروم تحـــيلا * والرزق ليس بحيلة يُستـــــجلبُ

كم عاجز في الناس يؤتى رزقه * غدا ويُحْرمُ كيِّس ويُخـــــــيبُ

كم من شخص أبله لا عقل له تتوافد عليه الأموال ، وكم من شخص ذكي عاقل بصير بأمور حياته ولا يأتيه إلا المال القليل ، إذاً كل شيء قد قدر وكتب

كم عاجز في الناس يؤتى رزقه * رغداً ويُحْرمُ كيس ويُخيــبُ

أدٍ الأمانة والخيانة فاجتــنب * واعدل ولا تظلم يطب المكسب

وإذا بليت بنكبة فاصبر لــها * من ذا رأيت مُسلَّما لا يُــنكب

وإذا أصابك في زمانك شــدة * وأصابك الأمر الأشق الأصـعب

فاضرع لربـــــك إنه أدنى * لمن يدعوه من حبل الوريد أو أقرب

فلقد نصحتك إن قبلت نصيـحتي * فالنصح أغلى ما يــباع ويوهب

خذها قصيدة منظومــة جاءتك * بها نظم الدر بل هي أعــــــجب

فمن استيقن أن الله جل وعلا كافيه وأنه لن يأتيه إلا من قدر له لم تطمح نفسه ولم تسع جوارحه في اكتساب الأموال من الطرق المحرمة ، أقول هذا لأن كثيرا من الناس حينما يستبطئ رزقه يطلبه من الطرق المحرمة وهذا مما دعا بعض نساء السلف أن يقلن لأزواجهم إذا خرجوا في أول النهار ( اتقوا الله فينا ولا تطعمونا الحرام ، فإنّا نصبر على الجوع ، ولا نصبر على النار )

أقول هذا/ لأن البعض قد يدفعه طمعه وجشعه فيستعجل رزقه فيجمعه من حل أو من حرام ، ولم يعلم هذا المسكين أن جشعه وأن طمعه لن يزيد في رزقه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في سنن ابن ماجة   ( يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب ) أجملوا واقتصدوا في طلب الدنيا ( فإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ولو أبطأ عليها ، فخذوا ما حل ودعوا ما حرم ) فرويدا بنفسك والله لو كتب الله لك لقمة لن ترحل عن هذه الدنيا حتى تأكلها ،

وما المرء إلا حيث يجعل نفسه * فكن طالبا في الناس أعلى المراتب

وكن طالبا للرزق من باب حلةٍ * يضاعف عليك الرزق من كل جانب

يقول ابن القيم رحمه الله كما في كتابه [الفوائد]  ( من أجمل في طلب الدنيا استراح من نكد الدنيا وهمومها ) ا.هـ

سبحان الله / ما الذي يحمل العبد على أن يكلف نفسه ما لا يطيق ؟ ما الذي يدعوه إلى أن يحرص على جمع المال ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في معجم الطبراني بإسناد حسنه الألباني رحمه الله ، اسمع ( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله ) قف عند هذه العبارة الوجيزة الرفيعة التي تحمل إرشادا ، تحمل قضية ، تحمل معنىً يحتاج إليه العبد أيما حاجة ( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله )

لا تطلبن معيشة بمذلـة * واربأ بنفسك عن دني  المطلب

فليرجعن إليك رزقك كله * لو كان  أبعد من مقام الكوكب

لا إله إلا الله /  {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } لقد نادت الدنيا النبي صلى الله عليه وسلم هلم ، فأعرض عنها مع أنه لو طلب أن تصاغ له جبال مكة ذهبا وفضة لتحقق له ذلك ، ولكنه عليه الصلاة والسلام علم بأن هذه الدنيا ليست دار مقر بل دار ارتحال، لم تكن الدنيا تسيطر على عقله ، أو تهيمن على تفكيره لأنها دار فانية مهما جمع العبد وحوى منها فهو مفارق لما جمع وحوى ووعى ، فإذا ما وقفت على نبذ من سير هذا النبي عليه الصلاة والسلام ترى فيها الزهد كله ، ترى فيها الورع أجمعه ، ترى فيها سيرة رجل حاز على رتبة الأفضلية عليه الصلاة والسلام ، البساطة ، السماحة ، وربي وربكم لو خلقت الدنيا للملاذ والمتع ما كان أحد  أكثر منه غنى أو مالا ، ولكنه عليه الصلاة والسلام يرى هذه الدار يرى أن فيها أحباء قد ارتحلوا ، أصدقاء قد امترضوا واعتلوا ، أغنياء قد افتقروا ، أعزاء قد ذلوا ، هكذا عرفها خليل الله محمد صلى الله عليه وسلم ، فما فرح إذا هي أقبلت ولا حزن إذ هي أدبرت ، اسمع إلى عائشة رضي الله عنها وهي تقول كما في الصحيحين ( ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض عليه الصلاة والسلام ) وفي الصحيحين قالت رضي الله عنها ( لقد كان يؤتى على آل محمد الشهر ولم يوقد في بيته نار ، ما هو إلا التمر والماء ) وفي صحيح مسلم قال عمر رضي الله عنه ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي في اليوم من الجوع ما يجد من الدقل ) أي رديء التمر ( ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه ) وفي سنن ابن ماجة قالت رضي الله عنه ( كان ضِجاع )  أي فراش ( النبي صلى الله عليه وسلم أدما ) يعني جلدا ( حشوه من ليف ) يعني من قشر النخيل ، وعمر رضي الله عنه لما دخل عليه ذات يوم وهو حديث  في صحيح مسلم ( فرأى عليه إزارا فقط ليس عليه رداء ، وإذا به قد اضطجع على حصير فأثر في جنبه ، فجعل عمر يتأمل في هذه الخزانة فوجد فيها قبضة من الشعير تقدر بقدر الصاع ، ورأى فيها القرظ ) وهو نوع يدبغ به الجلود ( ورأى فيها ايهابا ) يعني جلدا لم يدبغ ( فابتدرت عيناه ) أي سالت عينا عمر من الدموع ( فقال عليه الصلاة والسلام ما يبكيك يا عمر ؟ قلت يا نبي الله : ما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ، وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار ، وأنت نبي الله وصفوته ، فقال عليه الصلاة والسلام يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟ قلت بلى ) وها هو  ذا عليه الصلاة والسلام يذكر طعامه ومقداره في أول الإسلام جاء في سنن الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال (  لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد ، وأوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون ليلة وما لي ولبلال من الطعام إلا ما يواري إبط بلال ) وفي الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام ( مات ودرعه مرهونة عند يهودي ) جاء في صحيح البخاري ( مرهونة بثلاثين صاعا من الشعير ) ما أدري بأي لسان أفصح ؟  وبأي تعبير أعبر ؟ وبأي لغة أتحدث ؟ حينما نرى بيوتنا ، نرى مخازننا وما فيها من أنواع الطعام والشراب ، في كل بيت يحوي من الطعام ما يكفي أن يكون قوتا لأهل مدة شهر ، بل مدة سنة ، ومع ذلك تشعر من الناس بالخوف والذعر خيفة على المستقبل ، والله من كانت هذه صفته ، من كانت هذه سمته لن تجد منه اكتفاء لن تجد منه اقتناعا ، لن تجد منه امتلاءً ولو احتضن الدنيا كلها بأسرها ، والسبب خلو القلب من الاعتماد على الرب العظيم الكريم .

 

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله /

يقول ابن القيم رحمه الله كما في كتابه [ الفوائد ] يقول ( إن التوكل نوعان ، توكل من العبد على الله في طلب حظوظه من الدنيا وهذا له فضل ، ولكن الأفضل منه هو النوع الثاني وهو التوكل عليه في حصول ما يحبه من الإيمان والطاعة ، وهذا ما كان عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام ) انتهى كلامه رحمه الله ،

قلت : ما كان هناك أحد ينال أعلى المراتب في التوكل بعد النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته الكرام ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ( لا أبالي على أي حال أصبحت على خير أم على شر فإني لا أدري هل الخير فيما أحبه أو فيما أكرهه ؟ ) وابن مسعود رضي الله عنه قال ( لأن يعض أحدكم على جمرة حتى تطفأ  ، خير له من أن يقول لأمر قد قضاه الله يا ليت هذا لم يكن ) فإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلا واستحضرنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تلك السيرة العظيمة الحافلة بزهده في هذه الدنيا ، يتبدى لنا العجب نفسه وتظهر لنا الدهشة نفسها ، فنرى من ثمر الله له الأموال التي تكفيه وتكفي بنيه بل وبني بنيه من بعده نجده مع هذه الدنيا كشارب الخمر كلما تناول جرعة منها ازداد عطشا لا بكثير يشبع ولا بقليل يقنع ، أين هؤلاء من سيرة هذا النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أعميت أبصارهم ؟ أم ضلت أفكارهم ؟ أم تاهت عقولهم ؟ لما لم يقفوا على سيرة هذا النبي العظيم القائل كما في سنن الترمذي ( من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) فيا ترى ماذا يقول لو رأى هؤلاء في هذا الزمن ؟  نجد أن أحدهم يكد صباح مساء ليل نهار خلف هذه الدنيا كأنه ما خلق إلا لجمع المال ، فإذا ما علت به نفسه إلى بعض معالي الأمور لم يتجاوز الفرائض معرضا عن النوافل ولم يدرِ هذا المسكين أنه يجمعها وينتفع بها غيره وليت الأمر يقتصر على هذا بل ينتفع بها غيره(  وسيسأل عن كل درهم من أين اكتسبه وفيما أنفقه) ، كما جاء ذلك في سنن الترمذي ، وقد جاء في الحديث الصحيح عند ابن ماجة في الحديث القدسي يقول الله جل وعلا ( ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإن لم تفعل ملأت يدك شغلا ولم أسد فقرك )

النفس تجزع أن تكون فقيرة * والفقر خير من غنى يطغيــــــها

وغنى النفوس هو الكفاف * فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها

ي عباد الله / لما لهذا الموضوع من الأهمية سوف يكون حديثنا متواصلا عنه في الجمعة القادمة إن شاء الله .

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com