خطبة الكبر (2)
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله /
ذكرنا في الجمعة الماضية نتفاً تتعلق بموضوع الكبر وكانت المحطة قد توقفت بنا إلى أن ذكرنا أثراً من آثار الكبر وإلى ذكر صورة من صوره ، وإليكم في هذه الجمعة تتمة هذه الصور وهذه العلامات وهذه المظاهر ،
من صور الكبر عباد الله /
المشيُ على الأرض على وجه الكبر والخيلاء والفخر ، ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( بينا رجل يمشي تعجبه نفسه في حلة تعجبه مرجلٌ شعره خسف الله به في الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ) وقد قال جل وعلا {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً} وهنا حينما يخاطب الله جل وعلا في هذه الآية عباد الله إنما يخاطب كل مَنْ يسير على الأرض بقطع النظر عن طبيعة سيره سواء كان يسير على قديمه أو يسير على دابة أو يسير على سيارة يقول الشاعر :
ولا خير في حسن الجسوم وطولها * إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
ومن مظاهر الكبر / إطالة الثياب فخرا ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( مَنْ جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه ) هذا إن كان الذي هو إطالة الثياب إن كان على وجه الخيلاء فهذه عاقبته ، أما إن كان عارياً من هذه الخيلاء فإن النبي صلى الله عليه سلم حرم على المسلمين أن يطيلوا ثيابهم قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار ) .
ومن مظاهر الكبر / ما يحدث للبعض من تفخيم وتعظيم الكلام أنفة واستكبارا ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود ( إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها ) .
ومن علامات الكبر / أن يحصل زهو للشخص حينما يظفر بنعمة مال أو جاه أو نحوهما ولاسيما إذا كانت النعمة تتعلق بالمال كما قص الله جل وعلا علينا قصة قارون {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } ولاسيما أيضا إذا حظي الإنسان على منصب أو وظيفة مرموقة وهذا شأنه كشأن فرعون حينما قال {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ }
ومن صور الكبر / الترفع عن مجالسة الضعفاء والفقراء ، وهذه هي طريقة العتاولة من البشر ، وقد قال العتاولة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال ( كنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ستة نفر فجاء كبار الكفار فقالوا يا محمد اطرد هؤلاء عنا حتى لا يجترئوا علينا ، قال سعد : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال بن رباح ورجلان نسيت اسمهما ، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع فأنزل الله جل وعلا{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } )
ومن آثار وصور الكبر / أن يتباهى الإنسان بنسبه أو حسبه أو قبيلته مما يودي به إلى أن يطعن في نسب وفي قبيلة الغير وهذا موجود وللأسف ولذا نرى أن بعض القبائل قد التصقت بها بعض النكت التي تحمل من السخرية ما تحمل نتيجة ماذا ؟ نتيجة التفاخر بالحسب والنسب فأصبحت كل قبيلة تطعن في الأخرى وتتمسخر بها وقد قال جل وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ } وقال جل وعلا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود قال ( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون عند الله من الجُعل الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله أذهب عنكم عبية ) يعني الكبر ( إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس من آدم وآدم خلق من تراب ) نعم من استغنى عن مبادئ الإسلام إلى رفعة نسبه وإلى التباهي بقبيلته فإنه ينحط قدره وتنزل مرتبته حتى يصبح في مرتبة حقيرة ذليلة بمرتبة حشرة المراحيض التي تدهده الخراءة بأنفها لم ؟ لأنه لا وجه لأن يتفاخر الإنسان بحسبه أو بماله أو بنسبه لأن الكل يجتمع عند آدم عليه الصلاة والسلام ولأن الفخر الحقيقي ولأن العظمة والمكانة الحقيقية إنما تكمن بقدر طاعة العبد لله جل وعلا فمن أراد شرفا من أراد كرما من أراد علوا من أراد قدرا فعليه أن يتقي الله جل وعلا فعليه بالتقوى فهي التي تسوقه إلى أن ينال المرتبة العليا عند الخالق وعند الخلق ولذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل كما في الصحيحين ( من أكرم الناس ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أتقاهم ) إذاً :
الناس من جهة التصوير أكفاء * أبوه آدم والأم حــــــواء
فإن يكن لهم في أصـلهم شرف* يتفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العـــلم * إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه * والجاهلون لأهل العلم أعـــداء
وإن أتيت بجود في ذوي نسب * فإن نسبتنا جود وعليـــــاء
ففز بعلم تعش به حيا أبـدا * فالناس موتى وأهل العلم أحــياء
ولذا ذكر ابن مفلح رحمه الله في كتابه [ الآداب الشرعية]( أن عليا رضي الله عنه تفاخر عنده رجلان فقال رضي الله عنه : إن يكن لكما عمل فلكما أصل ) أتتفاخران بأجساد بالية ؟ ( وإن يكن لكما خلق فلكما شرف وإن يكن لكما تقى فلكما كرم ، وإلا فالحمار خير منكما )
يقول الشاعر :
أيها الفاجر جهلا بالنسب * إنما النــــاس لأم ولأب
هل تراهم خلقوا من فضة * أم حديد أم نحاس من ذهب ؟
بل تراهم خلقوا من طينة * هل سوى لحم وعظم وعصب ؟
إنما الفخر لعقل ثابـــت * وحياء وعفـــــاف وأدب
ولذا لما افتخرت قريش على سلمان الفارسي قال رضي الله عنه ( لكني خلقت من نطفة مذرة ثم أعود إلى جيفة منتنة ثم آتي الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم ثم أنشد :
أبي الإسلام لا أب لي سواه * إذا افتخروا بقيس أو تميم
عباد الله / هذه أبرز مظاهر وصور الكبر ، ولكن عباد الله / مما هو جدير بالتنبيه هاهنا أن هناك بعض الأشياء قد يظن البعض أنها من الكبر وليست من الكبر في شيء ، وذلك أن يتجمل الإنسان في مظهره وأن يتأنق الإنسان في ملبسه أو يستقل سيارة فارهة أو يسكن بيتا جميلا ، فيظن البعض أن هذا الرجل قد تكبر وليس هذا من الكبر في شيء إذا خلا من المظاهر السابق ذكرها ، أما إن صحب هذه الأشياء شيء من تلك الصور وتلك المظاهر فهذا هو الكبر بعينه أما إن خلا منها فإنه ليس من الكبر وإليك إيضاح هذا الأمر لأن البعض قد يتصور أن الكبر محصور في هذه الأشياء التي ذكرت والنبي صلى الله عليه وسلم أوضح أعظم توضيح فقال عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال رجل ) وهو ثابت بن قيس كما قال ابن حجر رحمه الله أن الطبراني روى هذا بإسناد حسن ( فقال يا رسول الله : الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ، فقال عليه الصلاة والسلام إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) هنا يأتي ابن القيم في كتابه الفوائد فيضفي تعليقا جميلا فيقول رحمه الله [ يتناول هذا الحديث جمال الثياب المسؤول عنها ويدخل فيها بطريق العموم جميع الجمال ، وقد ثبت في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) وثبت في المسند وسنن النسائي عن أبي الأحوص رضي الله عنه أنه قال ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دون ) يعني قليل أو رث أو وضيع ( فقال عليه الصلاة والسلام ألك من المال شيء ؟ قال نعم ، قد أعطاني الله جل وعلا ، فقال : من أي المال ؟ فقال من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق ، فقال عليه الصلاة والسلام : فإذا أتاك الله مالا فليرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته) يقول ابن القيم رحمه الله ولا زال الحديث متواصلا مع ابن القيم رحمه الله يقول : فهو سبحانه يحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها ، ولمحبته للجمال أنزل الله جل وعلا لباسا كما قال عز وجل {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً } وقال جل وعلا عن أهل الجنة { وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً{11} وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً } فيقول رحمه الله : جمّل وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير ] ثم تابع حديثه في إحدى الصفحات فقال [ فصل : النزاع أن يقال الجمال في الصور لا يعدو من ثلاث حالات ، الحالة الأولى / هي ما يُحمد عليه العبد ، وهو ما كان لله جل وعلا وما استعين به على طاعة الله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود وللأعياد ونحوها ، الحالة الثانية / مذمومة ، وهو ما كان للفخر والخيلاء ، أو وهي الصورة الثانية من الحالة المذمومة : أو أن يكون هذا هو مصب اهتمام الإنسان وشغله الشاغل ] نعم ولهذا نرى البعض قد اشتغل برونقه وبملبسه وبمظهره في كل حين من أحيانه ،فإذا دخل البيت نظر في المرآة ،إذا خرج من البيت نظر في المرآة، إذا جلس إذا قام بل ربما بعضهم يحمل مرآة في ثوبه يطالع نفسه بين الفينة والأخرى ، بل أعظم برهانا على أن شباب الأمة قد تميع أكثره ما ينظر إلى محلات الحلاقة التي توجد الآن كأنها فنادق أصبح الشباب يرغبون في التأنث إذا بهذه المحلات تأتي وتجمل هؤلاء الشباب إما بمكياج أو بشد أو بتسريح أو ما شابه ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، فهذا هو المذموم أن يجعل المسلم كل وقته للتجمل والتزين ، أما [ الحالة الثالثة فهي ما لا تحمد ولا تذم ، وهي ما خلت مما ذكر في الحالتين الأوليين ] ثم قال رحمه الله [ فالله جل وعلا يحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالمحبة والإخلاص وجوارحه بالطاعة وبدنه بالثياب الجميلة وبتطهيره من الأوساخ المكروهة كالأشعار وتقليم الأظافر ] انتهى كلامه رحمه الله
قلت : ثبت عند البخاري في الأدب المفرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن نوحا عليه الصلاة والسلام لما أشرف على الموت أوصى أحد أبنائه فقال : إني خاص عليك الوصية آمرك باثنين وأنهاك عن اثنين ) فذكر مما ذكر في المنهي عنه ( قال أنهاك عن الشرك والكبر ، قلت ) يعني راوي الحديث وهو ابن عمر ( أو قال ) شك رضي الله عنه ( قال يا رسول الله : قد عرفنا الشرك فما هو الكبر ؟ أهو أن يكون لأحدنا حلة ) يعني ثوب ( يلبسها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لا ، قال : أيكون له نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لا ، قال : أهو أن يكون لأحدنا دابة يركبها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لا ، قال : أهو أن يكون لأحدنا صحبة يجلسون إليه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لا ، فقال إذاً ما الكبر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الكبر سفه الحق وغمص الناس ) وجاء أيضا في سنن أبي داود ( أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان جميلا فقال يا رسول الله : إنك ترى لباسي وإني قد أعطيت ما أعطيت ولا أحب أن يفوقني أحد بنعلة حسنة آلكبر هذا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لا ، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) وهاهم أولاء صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر البخاري في الأدب المفرد وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه قال ( لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متحزقين ) يعني جماعات يتنافرون فيما بينهم ( لم يكونوا متحزقين ولا متماوتين ) يعني يظهرون الضعف من جراء العبادة ومن أثر العبادة ( وكانوا يتناشدون الشعر ويذكرون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحد منهم في أمر دينه دارت حماليق عينيه ) وهي الجفن وهي كناية عن شدة النظر والغضب( دارت حماليق عينيه كأنه مجنون ) إذاً الكبر لا علاقة له بالمظهر الخارجي فالثوب الحسن والسيارة الجميلة والبيت الواسع ليس دليلا على الكبر ولا على العجرفة ، بل يكون اللبس صفة محمودة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك إذا كان الدافع إليه أمرا مشروعا فالله جميل يحب الجمال إنما المذموم ما كان على وجه الفخر والخيلاء أو ما كان مشتغلا به العبد طيلة يومه ، إذاً ليفهم أن الكبر خصلة سمة صفة تتعلق بالقلب ولا علاقة لها بالمظهر الخارجي نعم قد يكون الإنسان رث الهيئة وضيعا في ثيابه لكنه متكبر نعم قد يكون هذا ومما يدل على أن الكبر خصلة وصفة تتعلق بالقلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم قال ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) ذكر عليه الصلاة والسلام ( ملك كذاب وشيخ زاني وعائل مستكبر ) أي فقير متكبر ، إن شئت وأردت ورمت الشرف والكرامة عبد الله فعليك بطاعة الله جل وعلا {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } أي من أراد العزة والشرف فليطلبها بطاعة الله جل وعلا بامتثال أمره واجتناب نهيه .
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله /
لو سأل سائل فقال : بعد هذا العرض كيف يتأتى أن يعالج الإنسان نفسه من هذه الخصلة الذميمة ؟
فأقول : إليك رعاك الله الجواب :
أولاً : عليك أن تجاهد نفسك ، وذلك بأن تنزلها من عليائها وتعرف قدر نفسك فعليك أن تعمل في كل ما من شأنه أن تروض نفسك على التواضع والتخلص والتعري من هذه الخصلة الذميمة ، واسمع إلى جبير بن مطعم كما ذكر الترمذي في سننه قال جبير ( يقولون فيّ التيه) يعني الكبر وهذا من المصائب لأن البعض من الناس قد يوصف البعض بأنه متكبر نتيجة موقف من المواقف ربما يمر شخص على شخص أو على مجموعة ولم يرهم ثم لم يسلم فإذا بهم يطلقون عليه أنه متكبر ، وهذه طبيعة في بني آدم إلا من عصمه الله جل وعلا أن يتحدث وأن ينخر في أعراض الناس فيقول جبير رضي الله عنه ( يقولون فيّ التيه ) يعني الكبر ( وقد ركبت الحمار ولبست الشملة وحلبت الشاة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من فعل هذه الأشياء فليس فيه شيء من الكبر ) صححه الألباني رحمه الله ، وقد أخرج الحاكم في مستدركه ( أن عمر رضي الله عنه لما أتى إلى الشام وكان يمشي على ناقته فلما أشرف على الشام وإذا به يرى الناس قد احتفلوا به إذا به رضي الله عنه ينزل من على ناقته وإذا به يبصر مخاضة ) أي مستنقع ماء ( فخلع خفيه ثم وضعهما على كتفيه ثم خاض برجليه في الماء، فقال أبو عبيدة ما يسرني أنك فعلت هذا ، فقال رضي الله عنه لو قالها غيرك يا أبا عبيدة لجعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة من غيره أذلنا الله ) وكان في ذات يوم يحمل كما ذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين ( كان يحمل ذات يوم قربة على عنقه فقيل له ولماذا تصنع هذا ؟ فقال رضي الله عنه إنه لما أتتني الوفود سامعين مطيعين وجدت في نفسي نخوة ) أي عجب ( فأردت أن أكسرها ) إذاً إذا أحسست بنفسك مالت إلى العلو فعد بها إلى ما يخضعها كما فعل عمر وكما فعل مطعم بن جبير رضي الله عنه فكلما حثك الشيطان أو حثتك نفسك على الكبر فعليك أن تعمل ما هو عند العامة ما هو من خلق المتواضعين وبهذا بإذن الله تتمكن من السيطرة على نفسك وتتسمى بهذه السمة العليا وهي سمة التواضع وها هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه يكشف عن سر حقيقة ما صنع ذات يوم مع أنه من الأغنياء ( كان في ذات يوم رضي الله عنه يحمل حزمة من حطب ، فقيل له ما يحملك على هذا وقد أعطاك الله جل وعلا من المال ؟ فقال رضي الله عنه أردت أن أذهب الكبر من نفسي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) ولا يقل أحد إني لا أستطيع أن أتخلص من هذا ، فليس بصحيح النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إن العلم بالتعلم ، وإنما العلم بالتحلّم ) عليك أن تتعلم إذا أردت أن تكون عالما ، عليك أن تتحلم إذا كنت غضوبا ، عليك أن تتواضع إذا كنت متكبرا ، لكن أرِ الله جل وعلا من نفسك خيرا {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } هذا وعد ممن ؟ وعد من الله جل وعلا ، في كل خصلة ذميمة تمر بك أو تتخلق بها {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } فإذا اطلع الله جل وعلا على ما في قلبك من الخير والرغبة فإن الله جل وعلا يوفقك ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( إنما العلم بالتعلم ، وإنما الحلم بالتحلّم ) ثم ماذا ؟ في تتمة هذا الحديث ( ومن يتوخَ الخير يعطه ومن يتوقَ الشر يوقه ) أما إذا كان الإنسان يأنف من أن يصنع صنيع المتواضعين فإنه لا يريد لنفسه خيرا ولا فلاحا لا في دنياه ولا في أخراه ، وإذا أردت عبد الله أن تتخلص من هذا الداء فعليك أن تعمل بإرشادات النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه كما في الأدب المفرد للبخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال ( ما استكبر من أكل مع خادمه ) الأكل مع العمال إبداء البشاشة والابتسامة لهؤلاء العمال هذا يدل على تواضع العبد واسمع إلى قول حاتم الطائي وهو في جاهليته يقول كما ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد قال :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحــله * ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القِرى * ولكنما وجه الكريم خــصيب
القرى : الطعام ،
وقد قال ذات يوم يداعب عبدا له كان يقول في ليلة باردة :
أوقد فإن الليل ليل قَــرُّ * والريح يا موقد ريح صِرُّ
عل يرى نارك مَن يمـر * إن جلبت ضيفا فأنت حر
قر : برد
صر: شديد البرودة .
وقال بعضهم :
التيه مفسدة للدين منقصة للعقل * مجلبة للذم والســــــخط
منع العطاء وبسط الوجـــه * أحسن من بذل العطاء بوجه غير منبسط
وقال آخر :
بِشْرُ البخيل يكاد يصلح بخله * والتيه مفسـدة لكل جواد
ونقيصة تبقى على أيـــامه * ومسبة في الأهل والأولاد
ومن علاج الكبر عبد الله / أن تنظر إلى سبب الكبر ، ما الذي دعاك إلى سبب الكبر ؟ إن دعاك الجمال إلى الكبر فلتنظر إلى أصلك ، كنت معدوما فأنشأك الله ، كنت عاريا من اللباس فكساك الله وواراك وأرواك وسقاك وأشبعك وقواك فمَنْ هذه بدايته فكيف يتكبر ؟ ثم إذا بك في نهاية عمرك يتهدم بناء الجسم وبينما تذكر الشيء إذا بك تنساه ، وبينما تستمرأ الشيء إذا بك تنكره ، وبينما أنت تريد الشيء فتناله إذا بك لا تناله ، ثم ما هي إلا لحظات وإذا بهادم اللذات يعيدك جسدا هامدا ، وإن اعتراك الكبر بسبب النسب فلتعلم أنك تترفع وتتعزز بنسب غيرك من الآباء والأجداد ثم من هم آباؤك ؟ من هم أجدادك ؟ أليسوا كانوا معدومين ؟ أليسوا من طين ؟ أليسوا من تراب ؟ بلى وربي ، ومن اعتراه الكبر من جهة القوة ، قد يتفاخر البعض بقوته ومن اعتراه الكبر من جهة القوة فليعلم هذا المسكين أنه لو آلمه عرق لصار أعجز من كل عاجز ، وإن دخلت شوكة في رجله أزعجته وإن دخلت قذاة في عينيه أقلقته ،
ومن تكبر بسبب الغنى ، فليعلم أن هناك خلقا من اليهود أغنياء أثرياء فأف لشرف تتسابق فيه مع اليهود ،
ومن تكبر بسبب العلم ، فليعلم أن حجة الله على العالم آكد من غيره ، وهذه من الطامات أن يتكبر طالب العلم ، لأنه ينبغي بل يجب عليه أن يكون أبعد الناس عن الكبر ، ثم من تكبر بسبب علمه ففي نيته خلل نعم في نيته خلل ، وتالله وبالله ووالله لو أن الإنسان الذي يطلب العلم ينغرق فيه ويكثر منه لعلم وأيقن بجهل نفسه ، ولذا العالم الحقيقي هو الذي كلما تعلم ولو أثني عليه ولو أعطي من الألقاب والأوصاف ما أعطي ، كلما تعلم عرف جهل نفسه وحقيقة نفسه فيقول سبحان الله مثل هذه المسألة مثل هذه الأمر أجهله ؟ فهذه هي علامة صلاح نية العالم هي أن يتهم نفسه بالقصور وأن يتهم نفسه بالجهل{ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} ولذا النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم ( أول من تسعر بهم النار ) ذكر ثلاثة منهم ( عالم تعلم العلم وقرأ القرآن فأتي به فعُرِّف نعمة الله فعرفها ، فقيل له ماذا صنعت ؟ قال تعلمت وقرأت فيك القرآن ، فيقول الله جل وعلا كذبت ، إنما تعلمت ليقال إنك عالم ، وقرأت القرآن ليقال إنك قارئ ، وقد قيل ) قد أخذت وظفرت بهذه الثناء في الدنيا ( وقد قيل ، ثم يؤمر فيسحب به إلى النار ) فليتفكر طالب العلم في الخطر العظيم الذي هو بصدده وبالعقاب الذي ينتظره ومن علاج الكبر / أن تتذكر زوال الدنيا وأنها فانية وهذه الدنيا التي دعتك إلى هذا الخلق البغيض عليك أن تعرف أنها إلى الزوال عما قريب ، وآية ذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن أنس رضي الله عنه قال ( جاء أعرابي على قعود له فسبق ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ويقال لها [ العضباء ] وكانت لا تسبق ، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة أتسبق العضباء ؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه ) كل ما يتعلق بهذه الدنيا وإن علا وإن ارتفع فإن مصيره إلى الضعة والهوان يقول الطبري رحمه الله [ في التواضع مصلحة الدين والدنيا فإن الناس لو استعملوه ] أي التواضع [ لزالت بينهم الشحناء والبغضاء ولما تفاخروا بينهم ] وهذا مشاهد فالبعض يستدين من أجل أن يشتري سيارة فارهة من أجل ماذا ؟ من أجل أن يفاخر غيره ، أو من أجل على الأقل من أجل أن يضاهي غيره ، يريد أن يلبس لباسا مثل فلان يريد أن يسكن بيتا مثل فلان فتتعاظم عليه الديون وتتكاثر عليه ، وهذا نتيجة ماذا ؟ نتيجة التفاخر بين الناس ولذا قال رحمه الله [ في التواضع مصلحة الدين والدنيا ولو استعمله الناس لزالت بينهم الشحناء والبغضاء ولما حصل بينهم المباهاة والمفاخرة ] انتهى كلامه رحمه الله .
بقي عباد الله علاجان علاج يمكن أن يؤتى عليه في دقائق لكن بقي علاج ثمين عزيز يجدر بنا أن نخصص له معظم الخطبة أي الخطبة القادمة .
الخاتمة |