أحوال الناس بعد رمضان 1427هـ
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الخطبة الأولى
أما بعد فيا عباد الله /
أن الأمة الإسلامية تستمد قوتها من الله عز وجل، ولا يشك في ذلك مسلم عاقل، ومصدر استمداد هذه القوة / أن تكون الأمة الإسلامية مجتمعة متآلفة متعاونة متراحمة مترابطة ، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، نحن أفضل الأمم بثناء الله عز وجل علينا، إذ سطر جل وعلا في كتابه في اللوح المحفوظ وفي علمه أن هذه الأمة هي أشرف الأمم وأكرمها وأعظمها وأجلها قال تعالى{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }على أحد وجوه التفسير{كُنتُمْ} يعني في اللوح المحفوظ، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أخرجت لمن ؟ { أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } من أجل ماذا ؟ من أجل أن تقدم هذه الأمة الخير لعموم الناس ، ومن لوازم ذلك أن تكون الأمة خيّرة في نفسها ، فإذا لم تكن خيّراً في نفسك فكيف تقدم الخير لعموم الناس ؟! ، ولذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بقوله كما عند الترمذي ( إنكم لتتمون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ) يقول عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره؟) الأمة المحمدية في أصلها الخير ،ما أوصافها ؟ ما شمائلها ؟ {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات هذه الأمة لم ؟ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات ودلائل وقرائن الاجتماع والمحبة والألفة ، حينما أرى عليك شيئا فأنصحك، أُنبهك ،هذه قرينة،علامة أمارة على ماذا ؟ على المحبة ، على الشفقة ، على العطف ، الأمة لن تكون قوية إلا باجتماعها .
نحن عباد الله / رأينا صورة من صور الاجتماع في شهر رمضان ، رأينا الصُوّام، رأينا القُوّام، أبصرنا التالين لكتاب الله ، الذاكرين لله ، رأينا المعتكفين ، رأينا صوراً إيمانية عظيمة ،
رمضان عباد الله/ ولى ، وولى معه ما عمله الإنسان من خير أو شر، أيامه إيمانية ، لياليه ليالٍ روحانية ، يا ليت الأمة الإسلامية يكون حالها بعد رمضان كما هو حالها في رمضان ، اسمع إلى قول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} نداء من الله عز وجل لك أنت يا مؤمن ، بماذا ؟ {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} استفرغ قوتك وجهدك وشغلك في طاعة الله عز وجل { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } إذ تبقى على هذه التقوى وعلى هذا الإيمان إلى أين يأتيك الموت ، ما الذي بعدها ؟ {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} لا قوة ولا اجتماع إلا بالتقوى ، إلا بتقوى الله عز وجل ، {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ } ما العاقبة ؟ { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي قوتكم ، في غزوة أحد لما كان الانتصار في أول الأمر للمسلمين وعصى الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ما الذي حل بهم ؟ حل بهم ما ذكره جل وعلا في كتابه {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ } تقتلونهم أنتم أيها المؤمنون ، تقتلون هؤلاء الكفار قتلا ذريعا شديدا ، ولذا جاء التعبير بكلمة { تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ } { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في مسند الإمام أحمد ( الجماعة رحمة والفرقة عذاب ) إذا أردت أن تكون في ظِلال رحمة الله عز وجل فعليك أن تكون مجتمعا مع إخوانك على البر والتقوى ، إذا أردتم العذاب والشقاء فعليكم بالنزاع والاختلاف ، انظروا إلى حالنا وإلى حال أسلافنا الكرام رضي الله عنهم ، سبب تغلب أعداء الله عز وجل علينا هو بعدنا عن منهج الله ، نعم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) كما يتداعى الآكلون للطعام على القصعة هلم فلان ، هلم فلان ، هلم فلان ، تعالَ فلتأكل ، كذا يوشك أن تداعى علينا سائر الأمم الكافرة إلى أن تضعفنا إلى أن تلتقمنا إلى أن تلتهمنا ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قيل أومن قلة نحن يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم كثير ) مليار ونصف المليار ، ألف وخمسمائة مليون مسلم ، ( ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) لا ثمرة له ، لا وجود له ، لا منفعة له ، ( ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قيل : ما الوهن يا رسول الله ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) الوهن ، ليقيس كلٌ منّا هذا الوهن في قلبه؟ حب الدنيا ، طول الأمل ، كراهية الموت ، لا نزكِ أنفسنا فعلينا أن نتوب إلى الله عز وجل ، حتى يكف أعداء الله عز وجل عن بلادنا وعن إخواننا ، أعداء الله والله لن يتوقفوا وهم الآن سائرون وسائرون لم ؟ لأنهم يروننا أننا ضعفاء ، حينا بعد حين ، سنة بعد كل سنة ، ونحن نتراجع ، نتقهقر ، هذه حقيقة كان من الواجب أن يدركها كل مسلم عاقل {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } هم فيما بينهم أعداء {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ } لكن إذا كان العدو أمامهم هو الإسلام تكاتفوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } في النصرة ، في العون ،في التأييد ، الواقع يشهد بهذا ، مَنْ يجري خلف اليهود في فلسطين ؟ هم النصارى ، السبب هو تفرق المسلمين ، التناحر ، التباغض ، التناكر ، الحقد ، الحسد ، البغضاء ، الشحناء ، كل هذه حصلت بسبب ماذا ؟ بسبب بعدنا عن الله عز وجل ، صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ( أن من أشراط الساعة الصغرى أن يقع التناحر والتناكر بين المسلمين ) لكن ليس هذا الحديث من باب الإقرار ، ولكنه من باب الإنكار والتحذير للأمة ، ماضي أجدادنا يحكي ذلك الواقع الرحيم الرؤوف ، حال الأجداد ، يُعان فيه الضعيف ، يغاث فيه المسكين ، كان الجار بمثابة الأب لأبناء الجار ، إذا أمرهم ائتمروا ، إذا نهاهم انتهوا ، أما الآن أصبحت الفرقة قد ضربت أطنابها في قلوب الأمة ،
أضرب لك مثالا / في صلاة الجماعة ، يجتمع من ؟ يجتمع أناس تتباعد أقطارهم ، تختلف ديارهم ، تتنوع أنسابهم وقبائلهم ، ومع ذلك لما جمعهم هذا المكان الطاهر ، لما اجتمعوا على البر والتقى ، لما اجتمعوا على الخير والهدى ، ما الذي جرى ؟ تجد أن الواحد منهم إذا قابل أخاه المسلم سلم عليه ـ ابتسم في وجهه ـ أعانه ـ قدم له نصيحة ـ قدم له مشورة ـ قلبه على قلبه كأنه أخٌ لصيق له لا يفارقه أبدا ، لم ؟ لأنهم عادوا إلى المكان الذي لابد أن تجتمع فيه الأمة وأن ينطلق اجتماعها منه ، إذاً لماذا لا تنتقل هذه الشعائر العظيمة الكريمة الإيمانية إلى خارج المسجد ؟ السبب معروف: هو بعدنا عن منهج الله عز وجل، الله عز وجل أنزل إلينا كتابا عظيما مبينا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } َقدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } القرآن والسنة ، هما الكفيلان بإعادة الأمة إلى ما كانوا في عزهم في عصر أسلافهم الكرام ، وإلا والله ستجد الأمة في هذا العصر/ التناحر ، الظلم ، تسلط الأعداء ، البغضاء ، الشحناء ، البلايا ، المصائب ، الرزايا التي لا تحصى ، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } فهم من هذا / أن من أقبل على ذلك الله فإنه له عيشة طيبة بدليل قوله تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } { أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }
رأينا في رمضان تلك الصور العظيمة المحببة إلى نفوسنا ، ظهرت صورة من صور الاجتماع والائتلاف في شهر رمضان ، لكن وللأسف، ودائما نقول : وللأسف ، في كل سنة ، في كل خطبة تعقب رمضان نقول وللأسف ، وللأسف ثم وللأسف إذا بالأمة تعود إلى ما كانوا عليه بل وأسوء ، أين الصلاة يا مصلي ؟! أين الصيام ياصائم ؟! أي قراءة كتاب الله يا قارئ ؟! أين الذكر يا ذاكر ؟! أين صلاة الفجر؟! ضياع في ضياع ، تدهور ، انحطاط ، نقصان ، النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم ( يستعيذ بالله من الحور بعد الكور ) يستعيذ بالله عز وجل من أن يحصل له نقصان بعد الزيادة ، وأعظم شر أن يحصل لك نقصان في دينك ، ماذا ننتظر ؟ ننتظر سخط الله ، ننتظر عقاب الله في وقت والله لا نحسب له حسابا ،{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ } بالليل وهم نائمون وهم في غفلة النوم} {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} في الضحى ، في حالة اللعب ، إما في تجارة وإما في لهو {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } ( إن الله يمهل ولا يهمل ) يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } قبل سنة أو حولها خطبت خطبة عن الأسهم، ونبهت على بعض الأشياء التي وقع فيها الناس في الأسهم ، وأن البعض قد ولج فيها مع أن في أكثرها نسبا ربوية ، وإذا بالبعض يأتي ويقول : [ إن الشيخ يحرم الأسهم ] وإذا ببعض الانتقادات تحصل من جراء تلك الخطبة ، ربا صريح لا يحتاج فيه إلى فتوى مفتي ، أنا ما أدري ما الذي جرى للناس ؟! نصوص قاطعة ظاهرة واضحة بينة ، تقطع بتحريم هذا الشيء ، وإذا بهم يتلقون الفتاوى يمنة ويسرة ، ولو أفتى واحد لانساق الناس وراءه ، دلائل صريحة واضحة في تحريم الربا ، ومع ذلك يتهافت الناس ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما عند البخاري في التاريخ ( استفت نفسك ولو أفتاك المفتون ) هناك أشياء واضحة الحلال بيّن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين ( إن الحلال وبين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ) ومع ذلك وما مضت أشهر إلا وبتلك النزلة التي نزلت بالناس في الأسهم ، أفقرت أغنياء ، أعدمت أثرياء ، ألجأت أناساً إلى المستشفيات ، صارت هناك قطيعة رحم بين الآباء ، بين الأبناء ، بين الأزواج والزوجات ، ضُيّعت أموال يتامى حين دخل بها في هذه الأسهم ، ( إن الربا وأن كَثُر فإنّ عاقبته إلى قُل ) كما قال عليه الصلاة والسلام ، ثم لما نزلت عادوا مرة أخرى ، وإذا بالبعض الذي لم يدخل فيها من أول الأمر أو دخل فيها دخولا يسيرا ، إذا به يقول لعلي انتهز الفرصة ، ما الذي جرى ؟ قبل يومين يحدثني أحد الأشخاص فيقول إنها هبطت هبوطا ذريعا ، فتنبهوا عباد الله ، ليس الحديث عن الأسهم ، ولكنني أتحدث بوجه عام، أمورنا ، أحوالنا لا ترضي الله عز وجل ، فاتقوا الله يا قوم ، اتقوا الله في أنفسهم ، اتقوا الله في أولادكم ، اتقوا الله في عجائزكم ، اتقوا الله في دياركم في ديار الحرمين الشريفين ، ما تأمنون غضب الله؟ أما تأمنون سخط الله عز وجل ؟ لا أزكي نفسي ، كلٌ منا فيهِ ما فيه ، ولكن يجب على كل إنسان أن يعود إلى الله عز وجل ، أتأمن أن تجف ينابيع هذا البترول ؟ والله لو جفت ينابيع هذا البترول لهلكنا إلا أن يشاء الله عز وجل ، نحن من العام الماضي ونحن نترقب المطر ، نترقب الغيث ، أرض مقحطة ، أرض مجدبة، أكرمنا الله عز وجل ، لو غارت آبار هذا النفط كما تغور المياه ، ماذا يكون حال الناس في هذا المجتمع ؟ اتقوا الله عز وجل ، اتق الله قبل أن ينزل عليك سخط من الله فيسلط عليك عدوا فترى أمام عينيك حقيقة أنت تراها الآن عبر الشاشات ، ترى تلك الدماء ، ترى تلك الأعضاء ، تسمع عن انتهاك الأعراض ، ينتهك عرض المسلمين أمام أعينهم ، يعذب إخوانهم ، السعيد من وُعظ بغيره ، والشقي من وعظ بنفسه ، والله ما نحن عليه فساد وإفساد ، من حين ما أعلن أن رمضان قد انتهى وإذا بالناس يسرفون في معاصي الله جل وعلا في يوم العيد وما بعده ، ضُيّعت أمور ، ضُيّعت طاعات ، انتهكت محرمات ، عائذاً بالله من الخزي ، هذا فساد ، هذا إفساد ، لا تنظر إلى غيرك ، لا تقل إن معظم الناس يفعلون ويفعلون ، هذا يفعل وهذا يفعل وهذا يذر وهذا يترك ، لا تنظر إلى من هلك ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا ؟ {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } ما هكذا ! أنتم أحفاد أبي بكر ، عمر ، عثمان ، علي، أولئك الأخيار رضي الله عنهم ، نحن رُضِّعْنا من المرحلة الابتدائية إلى أن نتخرج من الثانوي ، سيرة هؤلاء العظماء ، والله إن الواحد منّا إذا قرأ عن هؤلاء أو سمع عنهم كأنه قزم أو كأنه لا شيء ، ألم تقرأ كتاب الله عز وجل عن سير هؤلاء المعذبين الذي كفروا وضلوا ؟ كيف صيح بهم ؟ كيف ارتجفت بهم الأرض؟ كيف أغرقهم الله عز وجل ؟ {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ } {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا } {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ{137} وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } {وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ }
أين نمرود وكنعـــــان * ومن ملك الأرض وولى وعزل ؟
أين الملوك التي كانت مسلطنة * حتى سقاها بكأس الموت ساقيها ؟
أنا لا أنظر نظرة تشاؤمية ، ولكني أرى أن المجتمع في كل سنة بل في كل شهر أراه ينحط ، أراه يتراجع ، يتقهقر ، ضيعت الصلوات ، إذا ضيعت الصلاة ما الذي بقي لنا ؟ والله ما الذي بقي لنا ؟ نكون كفارا أو يكون من بيننا من هم كفار ، عائذا بالله من الخزي ، عائذا بالله من سوء الختام [ بئس القوم الذي لا يعرفون الله إلا في رمضان ] اشتهرت القنوات الفضائية الفاضحة والتي والله ثم بالله وتالله يأباها العقل وتأباها الفطرة بل تأباها النخوة ، إذا كان عند الإنسان نخوة والله تأباها ، أنا ما أدري ماذا أصاب الناس ؟ كيف يرضى عاقل أن تُرى تلك النساء العاريات أمام الأطفال ؟ أما النساء ؟ أما نسائك أمام بناتك ؟ ماذا فعلت ، ماذا صنعت تلك القنوات ؟ أنا لا أحب أن أذكر قصصا ، لكن من شاء منكم أن يذهب إلى الهيئات وليسمع ، ماذا يسمع ؟ وقع الأخُ على أخته ، وقع الأخ على أخيه لواطا ، بسبب ماذا؟ بسبب الشر ، بسبب الخُبْث ، بسبب البلاء الذي أوجدناه في بيوتنا، استخدام لـ[ لبلوتوثات ] استخدمها بعض الأخيار في الخير ، لكن معظم الناس استخدموها في ماذا ؟ صور فاضحة وجدت مع الطلاب في المدارس ، وخارج المدارس ، الواحد إذا جلس في المجلس ، حتى الكبار ، الصغار والكبار إذا بالواحد منهم يخرج جواله وينظر فيه ويرسل رسالة ، ويرسل الآخر له رسالة ، صور فاضحة ، بلايا ، رزايا ، هذه نعم ، وضعت في هذه الأجهزة مزامير الشيطان ، أُدْخلت مزامير الشيطان في بيوت الله عز وجل ، تأذى المسلمون ، حتى المصلون لم يسلموا من شر هؤلاء ، حتى إن الصور الآن أصبحت عند البعض حلالا ، يا أخي هي أحكام واضحة ، بينة ، حتى لو أفتى بعض المفتين ، على أقل الأحوال يا أخي من المتشابه ( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )
مجتمعٌ ناشئته بهذه الصورة ماذا ينتظر منه ؟ صغار قوم ، كبار آخرين، مَنْ هم أبناء العشرين بعد عشرين سنة سيصبحون آباء سيصبحون معلمين ، سيصبحون موظفين ، ماذا تنتظر الأمة من هذه الناشئة ؟ حدثوني بربكم إذا كان منشؤها على ما ذكرت آنفا ؟ أبو الدرداء رضي الله عنه لما فتحت قبرص ( جلس الناس يبشر بعضهم بعضا ويفرحون بهذا النصر ، فجلس رضي الله عنه يبكي ، فجاءه أحد التابعين فقال : كيف تبكي في يوم نصر الله فيه الإسلام وأهله ؟ قال : أبكي ، هذه قبرص كانت أمة قاهرة ظاهرة لها الأمر لكنها لما عصت الله أراها الله عز وجل ما ترى ) فهو يخشى رضي الله عنه أن يصيب الأمة مثل ما أصاب أهل قبرص ، إن المجتمع حقيقة والله ما كان مهيئا لهذا الانفتاح ، ما كنا مهيئين ، إنترنت ، قنوات فضائية ، جوالات ، بلوتوثات ، ما كان المجتمع وما كنا نتوقع في يوم من الأيام أن يكون المجتمع في غضون سنتين أو ثلاث سنوات أو أربع سنوات بهذه الحال ، ما أدري ما الذي سيكون بعد عشر سنين أو بعد عشرين سنة ؟ فعودوا إلى ربكم ، عودوا إلى الله عز وجل ،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما عند ابن ماجة ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) وقال عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة ( كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطاءين التوابون ) فاستقيموا إليه واستغفروه ، والمنطلق أن يكون الحال بعد رمضان كما هو الحال في رمضان ، ما وُجِدَ رمضان لا وجدت عشر ذو الحجة الآتية ، ولا وجد يوم عرفة ، ولا وجد يوم عاشوراء للصيام فقط ، لا ، وجدت هذه المواسم الإيمانية من أجل أن تصحح أوضاعك ، أن تنظر إلى ما سلف منك ، أن تغير من حالك ، أن تزداد إيمانا ، أن تزداد قربا من الله عز وجل ، هذا إن رغبتم في بقاء هذه النعم ، وإلا لو فكر أحدنا في نفسه لوجد أنه أضعف وأضعف مما يتصور ، نعم ، الواحد منا لا يستطيع أن يذهب إلى [ البقال ] أو إلى [ الخباز ] أو إلى [ صاحب الخضار ] إلا وقد ركب سيارته ، سيلهث ، سيتعب ، بل إن الأمر ازداد رفاهية تتصل وإذا بأغراضك تصل إلى بيتك ، أليست هذه نعم ؟ أليست هذه فضائل ؟ لكن يخشى علينا ،{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } انظر بالتعبير الشديد { قَصَمْنَا } { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ{11} فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ{12} لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } من النعم { وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } تسألون على عادتكم في الدنيا ، {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } من الخير ، الآن فتحت علينا أبواب من الخير لا تعد ولا تحصى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } عائذا بالله من سوء الخاتمة والعاقبة {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ{7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ{8} وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ{9} وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ{10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ{11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ{13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } يخشى أن نكون لمن يأتي بعدنا أن نكون في محل أحاديثهم ، هلكت أمة كانت تدعى بكذا ، مثل ما قال ابن الجوزي رحمه الله ( ربما يمر على مكان في يوم ما فيقال : كانت هناك قرية أبادها الله عز وجل وأهلكها ) عقبة بن عامر يقول النبي صلى الله عليه وسلم له كما في المسند ( يقول : إذا رأيت الله يعطي العبد من نعمه وهو مقيم على معاصيه فاعلم بأنه استدراج ) توبوا إلى ربكم ، عودوا إلى الله عز وجل إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
دعاء فقط
الخاتمة : |