: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
خصائص يوم الجمعة ( 2 )
 

 

 

 


 

خصائص يوم الجمعة ( 2)

فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

مازال الحديث موصولا عن " خصائص يوم الجمعة " كما ذكرها ابن القيم في " الزاد " ، وتوقفنا عند الخاصية " الثامنة عشرة "

               التاسعة عشرة :

أن جهنم تُسجَّر كل يوم

لما عند مسلم من حديث عمرو بن عبسة حين يقوم قائم الظهيرة

لكن ورد في الحديث السابق عند أبي داود ، وتكلم عليه ابن القيم (( أن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة ))

وقد ضعفه الألباني وشعيب وابن القيم كما تقدم ، ويحاول أن يقويه ، ومضى الحديث عنه )

قال ابن القيم : " وسر ذلك – والله أعلم – أنه أفضل الأيام عند الله ، ويقع فيه من الطاعات ما يمنع من تسجير جهنم فيه ، ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في غيره .

حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره "

وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد :  " سجْر جهنم في الدنيا ، وأنها توقد كل يوم جمعة ، وأما يوم القيامة فإنه لا يفتر عذابها ، ولا يخفف عن أهلها الذين هم أهلها يوما من الأيام "

قلت : قوله تعالى : ((كُلَّمَا خَبَتْ)) قال القرطبي : " ليس معناه أنه إذا أطفئ لهيبها لا يتألمون ، وقيل معناها : " كلما أرادت أن تخبو زدناهم سعيرا كقوله : ((وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ))

العشرون :

أن فيه ساعة الإجابة

لما في الصحيحين : (( إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم ، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ، وقال : بيده يقللها ))

وقد اختلف الناس في هذه الساعة على أقوال ذكر ابن القيم أحد عشر قولا ، وذكر الشوكاني في " نيل الأوطار " الخلاف من عهد الصحابة في شأن هذه الساعة على ثلاثة وأربعين قولا .

ولكن قال كعب : " لو قسم إنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة .

وقال عمر : " إن طلب حاجة في يوم ليسير "

وأرجح الأقوال :

قولان تضمنتها الأحاديث الثابتة ، وأحدهما أرجح من الآخر :

الأول :

أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة

لما في مسلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ))

ولكن هذا الحديث علق عليه شعيب والألباني : فأعلوه بالانقطاع والاضطراب ، ولهذا جزم الدارقطني أن الصواب وقفه على أبي موسى الأشعري

وحديث : (( إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أتاه إياه حين تقام الصلاة إلى انصراف منها ))

وضعفه الألباني في الجامع وعزاه إلى الترمذي وابن ماجة .

القول الثاني :

أنها بعد العصر ، وهذا أرجح القولين

لما في المسند أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ، وهي بعد العصر ))

قال شعيب : " فيه محمد بن مسلمة الأنصاري وهو مجهول لكن يشهد له ما بعده "

في المسند وأبي داود والنسائي وصححه الحاكم والذهبي والنووي وحسنه الحافظ ابن حجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر ))

قال الترمذي : إن أحمد بن حنبل قال : " أكثر الحديث في الساعة حتى ترجى إجابة الدعوة فيها أنها بعد العصر وترجى بعد زوال الشمس ."

وفي سنن ابن ماجة : وحسنه شعيب عن عبد الله بن سلام قال : قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس : " إنا لنجد في كتاب الله ( يعني التوراة ) في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا قضى الله له حاجته "

قال عبد الله : " فأشار إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة

قلت : صدقت يا رسول الله أو بعض ساعة

قلت : أي ساعة هي ؟

قال : ((هي آخر ساعة من ساعات النهار ))

قلت : إنها ليست ساعة صلاة

قال :  (( بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة ))

قال الألباني : حسن صحيح

قال ابن القيم : " وعندي أن ساعة الصلاة ترجى فيها الإجابة أيضا فكلاهما ساعة إجابة ، ويكون النبي عليه الصلاة والسلام قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله في هاتين الساعتين ، ونظيره قول النبي عليه الصلاة .والسلام لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأشار – كما عند مسلم – إلى مسجده ، ولا ينفي أن يكون قباء نزلت فيه هذه الآية .

ويشبه هذا في الأسماء قول الرسول عليه الصلاة والسلام – كما عند مسلم - : ((ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا : من لم يولد له ، قال : الرقوب من لم يقدم شيئا من ولده )) .

فأخبر أن هذا الرقوب إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدم منهم فرطا ، وهذا لا ينافي أن يُسمى من لم يولد له رقوبا .

وقبله المفلس كما عند مسلم .

ومثله ما جاء في حديث في الصحيحين : (( ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ، ولا يُتفطن له فيتصدق عليه ))

وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر يعظمها جميع أهل الملل .

الحادية والعشرون :

أن فيه صلاة الجمعة التي خُصت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها  وقد جاء التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر .

لما في المسند والسنن وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي ، وحسنه الحافظ وصححه البوصيري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه )) وصححه الألباني .

وعند الطبراني وصححه الألباني في الجامع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين ))

ولما عند مسلم :

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ليمتنعن أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ))

وقد جاء عند أبي داود والنسائي وابن ماجة والمسند ، وفيه مجهول كما قال شعيب ، ومع ذلك صححه ابن حبان والحاكم والذهبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار ، فإن لم يجد فبنصف دينار ))

وفي رواية: (( أن من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم  ، أو صاع حنطة أو نصف صاع )) وضعف كليهما الألباني .

الثانية والعشرون :

لما كان في الأسبوع كالعيد في العام ، وكان العيد مشتملا على صلاة وقربان ، وكان يوم الجمعة يوم صلاة ، جعل الله التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان ، وقائما مقامه ، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد : الصلاة والقربان .

لما في الصحيحين :

أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ))

رواه الشيخان

وفي رواية لهما : (( فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر))

وعند النسائي قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم ، فالناس فيه كرجل قدم بدنة ، وكرجل قدم بقرة ، وكرجل قدم شاة ، ، وكرجل قدم دجاجة ، وكرجل قدم عصفورا ، وكرجل قدم بيضة ))

صححه الألباني وقال : (( كرجل قدم عصفورا )) منكر ، والمحفوظ دجاجة في الطرق من المتقدمة

وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين

أحدهما : أنها من أول النهار وهذا هو المعروف عند الشافعي وأحمد

والثاني : أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال ، وهو مذهب مالك ، واحتجوا بثلاث حجج :

الأولى : الرواح لا يكون إلا بعد الزوال: ((غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ))

الثانية : أن الغدو إليها من أول النهار لم يدرك عليه أهل المدينة كما قال مالك

الثالثة : لفظ التهجير لا يكون إلا وقت شدة الحر

في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس ، الأول فالأول ، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا )) حتى ذكر الدجاجة والبيضة (( فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة ))

فالجواب :

أن الرواح يطلق على المضي بعد الزوال إذا قرنت بالغدو كما قال أهل اللغة يقال : راح القوم إذا ساروا وغدوا كذلك .

أما التهجير فالمراد التبكير ــــــــــ لما في البخاري : (( لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه  ))

والمراد  : التبكير إليها في أول وقتها ، ويدل على ذلك كلام أهل اللغة وأشعاراً قالوها .

أما عمل أهل المدينة فهذا غاية عملهم في زمن مالك ، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول : أن إجماع أهل المدينة حجة ، لكن إن كان يشتغل بأمور معاشه وأهله قد يكون أفضل من رواحه مبكرا .

الثالثة والعشرون :

أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام ، والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور .

 وشاهدت شيخ الإسلام - قدس الله روحه  - إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز وغيره يتصدق به في طريقه سرا .

وسمعته يقول : " إذا كان الله أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالصدقة بين يدي مناجاة الله أفضل وأولى بالفضيلة "

ولما في مصنف عبد الرزاق وصححه شعيب ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( وحق على كل حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة ، والصدقة فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام ، ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة ))

فقال ابن عباس : " هذا حديث كعب وأبي هريرة ، وأرى إن كان لأهله طيب يمس فيه "

قلت : " في صحيح الترغيب نقل المنذري الخلاف في بكر وابتكر "

فقال ابن الأنباري : " معنى ( بكَّر ) تصدق قبل خروجه للحديث : (( بكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها )) وضعفه الألباني .

الرابعة والعشرون :

أنه يوم يتجلى فيه الله عز وجل لأوليائه المؤمنين في الجنة ، وزيارتهم له فيكون أقربهم منه أقربهم من الإمام ، وأسبقهم إلى الزيارة أسبقهم إلى الجمعة

فعند البيهقي وحسنه المنذري والبوصيري عن علقمة بن قيس قال : " رحت مع ابن مسعود إلى الجمعة ، فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال : " رابع أربعة  وما رابع أربعة ببعيد " ثم قال : " إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم قال : وما رابع أربعة ببعيد ))

وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة وفي تمام المنة

الخامسة والعشرون :

أنه قد فُسر بـ " الشاهد " الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة

فعند الطبراني وحسنه الألباني في الجامع : " أن الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة "

السادسة والعشرون :

أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا الإنس والجن  ــــــــ كما مضت به الأحاديث السابقة .

السابعة والعشرون :

أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب كلهم كما تقدم في الأحاديث .

الثامنة والعشرون :

أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم ، وتوافيها في يوم الجمعة ، فيعرفون زوَّارهم ، ومن يمر بهم ويسلم عليهم ، ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام .

فهو يوم تلتقي فيه الأحياء والأموات ، فإذا قامت فيه الساعة التقى الأولون والآخرون ، وأهل الأرض وأهل السماء والرب والعابد والعامل وعمله والمظلوم وظالمه والشمس والقمر ، ولم تلتقيا قبل ذلك قط ، وهو يوم الجمع واللقاء ، ولهذا يلتقي فيه الناس في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره ، فهو يوم التلاق .

ذكر ابن القيم في " الروح " :  " أن الأموات يعرفون زوارهم الأحياء ، وذكر أدلة قوية جاءت بها النصوص الصحيحة والآثار ":

ــ يكون المُسلِّم عليهم زائرا ولولا أنهم لا يشعرون به لما صح تسميته زائرا ، فإن المزور إن لم يعلم من زاره لم يصح أن يقال زاره .

ــ وكذلك السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال ، وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد ، وإن لم يسمع المسلِّم الرد .

قال فيه ابن عبد البر : " ثابت وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ))

قال ابن القيم : " فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام ، ولكن قال ابن رجب والألباني : هذا الحديث منكر "

قال ابن القيم : " والسلف مجمعون على أن الآثار تواترت بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به .

وأما الجمعة فمعرفتهم بهم كما ذكر آثارا عن منامات بعضها تركها المحشي أحد تلامذة الألباني ، والكثير منها ضعيف .

قال ابن القيم : "عن هذه الآثار في معرفتهم بمن يزورهم يوم  الجمعة وكذلك قال في الآثار التي تعرض فيها أعمال الحي من أقاربه وإخوانه على الميت، قال :"وهذا باب في آثار كثيرة عن الصحابة "

قال ابن القيم : " وهذه المرائي ، وإن لم تصح بمجرها لإثبات مثل ذلك ، فهي على كثرتها وأنها لا يحصها إلا الله قد توطأت على هذا المعنى ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيحين : (( أرى رؤياكم قد توطأت ))

فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ رؤيتهم له .

قلت : " لكن ابن القيم ذكر أيضا آثارا فيها مخالفة للأدلة كمن صلى عند القبر

وحديث يلقن الميت بعد دفنه مع انه ضعيف ، وضعفه الأئمة المحققون ، وهذا يعاب عليه في سرد هذه المنامات ، والله أعلم "

وقد ذكر رحمه الله في هذا الكتاب : " أن رافضيا كان يسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فرؤي في المنام أنه يُذبح ، فلما أصبح الناس رأوه قد ذُبح ، وفي عنقه أثر الذبح "

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com