: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
خصائص يوم الجمعة ( 1 )
 

 

 

 


خصائص يوم الجمعة ( 1)

فضيلة الشيخ :زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد ، فيا عباد الله :

بعد ما تحدثنا عن يوم الجمعة ، وما يلزم المسلمين تجاهه ، وكيف تتم الاستفادة منه كما استفاد منه سلفنا الصالح ، إذ خرجوا به ومنه برتب من الإيمان عالية .

بعد هذا كله حان الشروع في ذكر مزايا وخصائص يوم الجمعة ، وما يشتمل عليه من فضائل تكاد لا توجد في غيره ، بل لا توجد .

فقد احتوى على فضائل جمة ، تدعو العاقل إلى التريث وقوفا أمامها كيما يستفيد من هذا اليوم الذي ضمن هذه الخصائص والفضائل العالية .

فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فهدانا الله له والناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد ))

قال ابن القيم في الزاد ( فائدة لغوية ) :

" بيد أنهم " فيها لغتان :

بـ "الباء " وهو المشهور

وبـ " الميم " ( مَيْد )

فقيل : إن معنى ( بيد ) : غير ، وهو الأشهر .

وقيل : بمعنى : على .

وعند مسلم :

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا وا{لأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق ))

وفي المسند وأبي داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي وابن حجر والنووي والمنذري :

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق الله آدم ، وفيه قُبض  ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليّ ، قالوا : وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ؟! ( يعني بليت ) قال : (( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ))

عند مسلم :

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم ، وفيه أُدخل الجنة ، وفيه أُخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ))

وفي المسند وصححه والحاكم ، وهو في الموطأ والترمذي وأبي داود والنسائي ، وصححه شعيب الأرناؤوط :

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، وفيه خُلق آدم ، وفيه أُهبط ، وفيه تيب عليه ، وفيه مات ، وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة إلا وهي مُصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس ... )) الحديث

مبدأ الجمعة

عند أبي داود وابن ماجة وصححه شعيب والبيهقي عن كعب بن مالك أن أول من جمع بهم بالمدينة ، وهم أربعون رجلا قبل مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم هو : " أسعد بن زرارة "

قال ابن إسحاق : " قدم النبي صلى الله عليه وسلم فأقام في بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وأسس مسجدهم ، ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، وكانت أول جمعة صلاها في المدينة قبل تأسيس مسجده " ا-هـ من زاد المعاد .

من خصائصه ، وقد استوفاها ابن القيم في " الزاد " حيث ذكر ثلاثا وثلاثين خاصية :

الأولى :

قراءته في فجرها بسورتي السجدة والإنسان  - كما في مسلم

قال ابن القيم : " ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه السورة بسجدة زائدة يسمونها سجدة الجمعة ، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة تتضمن سجدة ، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعا لتوهم الجاهلين ، وسمعت شيخ الإسلام يقول : " إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها ، فإنهما اشتملتا على خلق آدم ، وعلى ذكر المعاد ، وحشر العباد ، وذلك يكون يوم الجمعة ، وكان في قراءتها في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون ، والسجدة جاءت تبعا ليست مقصودة ، حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت "

فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة .

الثانية :

 استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وليلته كما عند البيهقي بسند حسنه الألباني رحمه الله :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة ))

قال ابن القيم : "  رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام – كما جاء في المسند وابن ماجة وحسنه البوصيري في الزوائد .

فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي : أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده ، فجمع الله لأمته  به بين خيري الدنيا والآخرة ،فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة ."

فإنه فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة .

وقال ابن القيم في " الزاد " : صـ ( 140 ) عن الأحاديث التي فيها  " يوم المزيد " له عدة طرق ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب " الرؤية "

وهو يوم عيد لهم في الدنيا

 "ويوم يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ، ولا يرد سائلهم ، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده ، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته ."

الثالثة :

صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام

الرابعة :

الأمر بالاغتسال في يومها ، وهو أمر قوي جدا.

الخامسة :

التطيب فيه هو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع – كما عند البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يغتسل رجل يوم  الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدَّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج منها فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى )) .

السادسة :

السواك فيه وله مزية على السواك في غيره ، وقد جاء عند مالك وابن ماجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم حثّ على السواك فيه .

وحسنه الألباني في المشكاة .

السابعة :

التبكير للصلاة

الثامنة :

أن يشتغل بالصلاة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام .

التاسعة :

الانصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين  فإن تركه كان لاغيا ، ومن لغا فلا جمعة له :

كما جاء في المسند وحسنه ابن حجر وضعفه الألباني : ((  الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا ، ومن لغا فلا جمعة له ))

 لما في الصحيحين :

أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت ))

ولماذا ؟

ابن داود وحسنه شعيب الأرناؤوط ومن قبل صححه ابن خزيمة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من اغتسل يوم الجمعة ثم مسّ من طيب امرأته إن كان لها ، ولبس من صالح ثيابه ، ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينها ، ومن لغا أو تخطى كانت له ظهرا ))

العاشرة :

قراءة سورة " الكهف " في يومها :

 لما في المستدرك والبيهقي وصححه الألباني في الجامع (( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ))

وعند البيهقي وصححه الألباني : (( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق ))

الحادية عشرة :

أنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي  واختاره شيخ الإسلام ، ولم يكن اعتماده على حديث أبي قتادة : " أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة ، وقال : إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة "

قال شعيب : رواه أبو داود ، وليث بن أبي سليم ضعيف ، وفيه انقطاع .

قال ابن القيم :  " وإنما اعتماده على ما في البخاري : " أن له أن يصلي حتى يخرج الإمام ، ولأن الناس تحت السقوف ، ولا يشعرون بوقت الزوال ، ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس ، وينظر إلى الشمس ويرجع ولا يشرع له ذلك ."

قال ابن القيم : " حديث أبي قتادة مرسل ، ولكن إذا اتصل به عمل ، وعضده قياس أو قول صحابي أو كان مرسله معروفا باختيار الشيوخ ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء مما يقتضي قوته عمل به ، وأيضا فقد عضده شواهد أخرى وذكرها وذكر كلام البيهقي من أن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة "

الثانية عشرة :

قراءة سورة الجمعة والمنافقين أو سبح والغاشية أو الجمعة والغاشية كما عند مسلم .

قال ابن القيم : " ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها أو يقرأ إحداهما في الركعتين فإنه خلاف السنة ، وجهَّال الأئمة يداومون على ذلك ."

الثالثة عشرة :

أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع :

 لما في المسند وابن ماجة وحسنه البوصيري وحسنه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها ،وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ، ويوم الفطر ، وفيه خمس خلال : خلق الله فيه آدم ، وأهبط فيه آدم إلى الأرض ، وفيه تَوفَّى الله آدم ، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما ، وفيه تقوم الساعة ، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة ))

الرابعة عشرة :

يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها :

لما في المسند وحسنه شعيب وصححه ابن خزيمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له ، ولم يؤذِ أحدا ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يصلي كانت له كفارة لما بينهما ))

وعند أبي داود عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة : (( ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبَيْ مهنته ))

الخامسة عشرة :

يستحب فيه تجمير المسجد :

فقد ذكر سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر أن عمر بن الخطاب أمر أن يُجمَّر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار

قال ابن القيم : " ولذلك سمي نعيم المُجْمِر "

السادسة عشرة :

أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها ، وأما قبله فثلاثة أقوال وهي روايات منصوصة عن أحمد :

أحدها : لا يجوز

الثاني : يجوز

الثالث : يجوز للجهاد

قال ابن عثيمين في الممتع : " أن الأولى أن يعلق الحكم بالنداء كما صرح به القرآن

لا بالأول لقوم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ)) فقد تزول الشمس ولا يأتي الإمام

وقال يستثنى من ذلك أمران :

1ـــ خوف فوت الرفقة ، ومثله خوف إقلاع الطائرة

2 ــ إذا علم أنه يؤديها في طريق

أما قبله فيجوز

ولكن قال ابن عثيمين كره من كره ذلك حتى لا يحرم نفسه خير هذا اليوم "ا-هـ

قال ابن القيم : " هذا إذا لم يخف المسافر فوت رفقته ، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه بعدهم جاز له عند السفر مطلقا لأن هذا عذر يسقط الجمعة والجماعة "

ثم قال : "لعل ما روي عن الأوزاعي أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة ، وقد أسرج دابته ؟

فقال : " ليمضِ في سفره " محمول عن هذا

وكذا قول ابن عمر :  " الجمعة لا تحبس عن السفر "

وإن كان مرادهم من جواز السفر مطلقا فهي مسألة نزاع ، والدليل هو الفاصل .

وجاء عند عبد الرزاق في مصنفه :  " أن عمر أبصر رجلا عليه هيئة السفر:

فقال الرجل : إن اليوم يوم جمعة ، ولولا ذلك لخرجت

فقال عمر : إن الجمعة لا تحبس مسافرا فاخرج ما لم يحن الرواح "

قال شعيب : رجاله ثقات

السابعة عشرة :

 أن الماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها

لما في المسند والسنن ، وصححه شعيب وابن خزيمة وصححه الألباني :

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ، ودنا من الإمام فأنصت كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها ، وذلك على الله يسير ))

قال الإمام أحمد  : غسَّل بالتشديد : جامع أهله ، وكذلك فسره وكيع

في تحفة الأحوذي : (( اغتسل وغسل )) روي بالتشديد ،والتخفيف قيل : " أراد به غسل رأسه "

 وكلمة ( اغتسل ) غسل سائر جسده

وقيل : جامع امرأته فأوجب عليها الغسل ، فكأنها غسَّلها ، واغتسل

قال الجزري في النهاية : " ذهب الكثير إلى أن المراد : المجامعة قبل الخروج لأنه يجمع غض الطرف في الطريق

يقال : غسّل الرجل امرأته بالتشديد والتخفيف إذا جامعها

قال المباركفوري : " قيل : للتأكيد ، ومثله بكر وابتكر

 ( بكَّر ) : راح في أول الوقت

( ابتكر ) أدرك أول الخطبة

ورجحه العراقي

وقيل كما في " عون المعبود " للتأكيد كما في رواية أبي داود وصححها الألباني : (( ومشى ولم يركب ))

قال المباركفوري : " مما يرجح أن ( غسل ) غسل رأسه رواية أبي داود في هذا الحديث بلفظ (( غسل رأسه واغتسل )) قلت : وصححها الألباني"

الثامنة عشرة :

 أنه يوم تكفير السيئات

لما في البخاري :

 قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ))

وقوله : (( من طيب بيته )) :

قال الشوكاني في " نيل الأوطار "  : " المراد بـ البيت هنا ( المرأة ) لما عند أبي داود (( أو مسّ من طيب امرأته ))

وعند مسلم : (( ولو من طيب المرأة )) أي امرأة الرجل " ا –هـ .

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com