شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم ( 2 )
فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
أما بعد ، فيا عباد الله :
مازال الحديث موصولا في بيان شمائل ، وأخلاق ، وشخصية الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أتت هذه الخطبة والتي قبلها ، والتي تليها بإذن الله تعالى .
أتت في أعقاب تلك الهجمة الشرسة على شخصية نبينا وحبيبنا وعظيمنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك من قبل بعض البلاد الكافرة الغربية .
ولكنني أقول ، وفي أعقاب هذه الهجمة لعل الأمر فيه خير ، وذلك لأن هذه الهجمة ، وهذا الطعن أودت بجميع المسلمين إلى مقاطعة منتجات هذه الدولة الكافرة .
وهذا لا شك فيه أنه دلالة على عظم محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب المسلمين .
ونسأل الله جل وعلا أن يعقب هذه المحبة بهذه المقاطعة أعمالا صالحة جليلة من الشباب والنساء والشيبة والصغار والذكور والإناث .
هذا أولا .
ثانيا :
أن ما يقال من قبول الاعتذار هذا ليس حقا لنا ، إنما قبوله من حق النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد مات .
وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أُذي في حياته ، وتُهجم على أخلاقه وشخصيته عليه الصلاة والسلام ، فعفا عن البعض ، ولم يعفُ عن البعض الآخر .
فقبول الاعتذار ليس لنا ، ومن ثَمّ فإنه يلزم المسلمين أن يقاطعوا منتجات هذه البلاد على وجه الاستمرار.
ثالثا :
أن استمرار هذه المقاطعة يعطي دلالة واضحة ، وبرهانا ساطعا لتلك الدول الغربية الكافرة أن ديننا عظيم في قلوبنا ، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام مُجلل في أفئدتنا ، وفي كياننا ، ومن ثَمَّ فإنه إذا اتُخذ موقفا حازما صارما مع هذه الدولة فإنه يكون زجرا لها ، ورادعا لأمثالها .
رابعا :
أن البعض قد يقول : لو حضرت عصر النبي صلى الله عليه وسلم لدافعت عنه بمالي وروحي وأولادي ، وها نحن نقول قد أتتك الفرصة في المقاطعة ، فعليك أن تستمر لأن الأعمال بالخواتيم ، وأخشى أن تكون إثارة بسيطة ثم بعد ذلك تنطفئ .
خامسا :
أن البعض من حرصه على نبيه صلى الله عليه وسلم قد يرسل رسائل لا يتأكد منها ، ومن ثَمّ فإن الواجب على المسلم أن يكون متزنا ، فأي رسالة تأتيك في جوالك ، ويقال : انشرها ، وبادر بذلك ، فإن عليك أن تتريث حتى تعرف وثوقها ، ومصدرها ، فإذا ثبتت فلترسل ، وإلا فعلى المسلم أن يكون متزنا في أفعاله ، وأقواله لا تهزه العواصف .
عباد الله :
نعود لبيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، قد مضى بيان كثير منها في الجمعة الماضية .
ونتحدث في هذه الجمعة عن " شَعْرِه " عليه الصلاة والسلام :
ثبت عند أبي داود أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه .
وجاء في رواية مسلم : (( ما بين أذنه ، وعاتقه ( يعني منكبه كما في الرواية الأخرى ) ))
وهذا يدل على أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم يكون في هذه المسافة : ما بين أنصاف أذنيه إلى منكبيه عليه الصلاة والسلام .
وجاء عند الترمذي :
عن أم هانئ رضي الله عنها أنها قالت : " قدم النبي صلى الله عليه وسلم قدمة إلى مكة ، وذلك لأن قدومه عليه الصلاة والسلام إلى مكة بعد الهجرة أربع قدومات
ــــ في عمرة القضاء
ــــ وفي عمرة الجِعرَّانة
ــــ وفي غزوة الفتح
ــــ وفي حجته حجة الوداع
والمراد من هذه القدمة إنما هي قدمته عليه الصلاة والسلام عام الفتح
قالت مبينة فعله عليه الصلاة والسلام في شعره ، قالت : " قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قدمة وله أربع غدائر.
في الرواية الأخرى : " له أربع ضفائر " : وهو الشعر المسترسل ، يعني ليس ملويا ، فإن كان ملويا فإنه يُسمَّى عقيصته.
وجاء في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره كان يسدل شعره ثم فرق ، وفرق الرأس : هو إرسال الشعر من جانبي الجبين
جاء في الصحيحين : أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسدل شعره ( يعني يرسله ) وكان المشركون يفرقون رؤوسهم ، وكان أهل الكتاب يسدلون شعورهم ، فكان عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ، ثم فرق بعد ذلك رأسه عليه الصلاة والسلام .
وجاء في شمائل الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طويل المَسْرَبة .
والمسربة : " هو الشعر الدقيق الذي ينبت من الصدر إلى السرة "
فكان عليه الصلاة والسلام طويل المسربة .
وأما ترجُّله :
( يعني تسريح شعره ) عليه الصلاة والسلام :
فقد قالت عائشة رضي الله عنها – كما في الصحيحين - : " كنت أرجل شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأنا حائض "
وجاء عنها في رواية أبي داود أنها قالت : " كنت إذا أردت ان أفرق شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم صدعت رأسه من يافوخه ( يعني من جافوخه ) ثم أرسل شعره بين عينيه ."
والمراد من هذا الشعر : الناصية ، وهو الشعر في مقدمة الرأس
قالت : " وأرسل ناصيته بين عينيه عليه الصلاة والسلام "
وكان عليه الصلاة والسلام إذا رُجِّل شعره أو رَجَّله يحب أن يبدأ باليمين من شعر رأسه .
قالت عائشة رضي الله عنها – كما في الصحيحين - : " كان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيمن في تنعله ، وترجله ، وطهوره ، وفي شأنه كله "
ومع ذلك فهو عليه الصلاة والسلام لا يستمر استمرارا حثيثا في الترجل ، ولذا جاء عنه في السنن عليه الصلاة والسلام ما عدا ابن ماجة : " نهى النبي عليه الصلاة والسلام – من حديث عبد الله بن مغفل – نهى عن الترجل إلا غِبَّا ( يعني يوما بعد يوم )
أما شيبه عليه الصلاة والسلام :
فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال : " لم يبلغ ( يعني لم يبلغ الشيب من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، وإنما كان شيبا في صدغيه )
والصدغ : هو ما بين شق العين إلى الأذن ، هذا هو الصدغ
فيقول رضي الله عنه : " كان شيبا في صدغيه "
وجاء عند ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أنه قال : " لم أر من شيب النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو سبع عشرة شيبة أو عشرين شيبة في مقدمة لحيته عليه الصلاة والسلام "
وجاء في رواية البخاري : " ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء "
وجاء في الشمائل عند الترمذي عن أنس رضي الله عنه انه قال: " ما عددت في رأس النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا أربع عشرة شيبة "
وجاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دهن رأسه لم يُر منه شيب ، وإذا لم يدهن رُئي منه عليه الصلاة والسلام
وفي رواية : " لم يكن في رأسه عليه الصلاة والسلام شيب إلا شعرات في مفرقه إذا ادَّهن ، وأراهن من الدهن (يعني من الطيب )
وجاء عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو بكر رضي الله عنه لقد شبت يا رسول الله ، وقد أوضحت بيان هذا الشيب في حديث أبي بكر في الجمعة السالفة :
قال : " لقد شبت يا رسول الله ( والمراد نحول جسمه )
قال عليه الصلاة والسلام : (( شيبتني هود )) قلنا في الجمعة الماضية : (( هود وأخواتها ))
بيان أخواتها : قال : (( شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم ، وإذا الشمس كورت ))
وجاء في المسند: " كان شيب النبي صلى الله عليه وسلم أحمر "
هذه الروايات بمجموعها تدل على أن هناك شيبا في رأس النبي صلى الله عليه وسلم في مفرق رأسه ، وفي صدغيه ، وفي لحيته ولاسيما في العنفقة – كما سيأتي بيان ذلك – وهذه الشعرات يتراوح أعدادها ما بين أربع عشرة شيبة إلى عشرين شيبة
فاخبر كل بما رآه .
أو أن أنس رضي الله عنه رأى في أول أمر النبي صلى الله عليه وسلم شيبا قليلا ، ثم لم يزل هذا الشيب يزداد شيئا فشيئا حتى بلغ عشرين شيبة
ولو قال قائل : هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشيب ؟
أو لم يكن هناك شيب البتة ، وإنما الشيب إنما هو الدهن ، فمن رأى هذا الدهن ( يعني الطيب الأحمر ) ظن أنه شيب ؟
أو أن هناك شيبا وقد خضبه النبي صلى الله عليه وسلم بالحناء والكتم ؟
والكتم : ورق يميل إلى السواد ، وهو يجعل الشيب أحمر
وبالمناسبة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى في أحاديث عن نتف الشيب ، وهذا يشمل شيب الرأس وشيب اللحية .
فهل خضب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ – كما جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي في الشمائل :
" أن النبي عليه الصلاة والسلام قد خضب "
وجاء عند البخاري :
من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها أخرجت من شعر النبي صلى الله عليه وسلم شعرا مخضوبا
وجاء عند ابن ماجة :
عن عثمان بن موهب قال : " دخلت على أم سلمة فأخرجت لي شعرا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصبوغا بالحناء والكتم
وجاء في مسند الإمام أحمد :
عن انس رضي الله عنه أنه قال: " لم يخضب النبي صلى الله عليه وسلم قط ، وإنما كان بياضا في مقدمة لحيته في العنفقة ( والعنفقة : هو الشعر الذي تحت الشفة السفلى )
قال : في العنفقة شيئا ، وفي الرأس نبذ يسير لا يكاد أن يرى ، وإنما هذا من الدهن ( وهو لون الطيب الذي كان يتطيب به النبي صلى الله عليه وسلم ) "
ومن ثَم فإن بعض العلماء قد قال : " إنه عليه الصلاة والسلام ليس فيه شيب ، إنما كان هذا الشيب هو ما يراه الرائي من الدهن الأحمر الذي كان يدهن به النبي صلى الله عليه وسلم "
ولكن الأصح – كما قال ابن كثير والنووي ، وابن حجر رحمهم الله - : " أن النبي عليه الصلاة والسلام خضب في بعض الأوقات ، ثم تركه في معظم الأوقات ، وبهذا تجتمع الأحاديث "
أما كحله عليه الصلاة والسلام :
فجاء عند ابن ماجة :
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( اكتحلوا بالإثمد )) والإثمد : نوع من انواع الكحل ، وهو أحمر ، يضرب إلى السواد قليلا
قال عليه الصلاة والسلام : (( اكتحلوا بالإثمد عند النوم ، فإنه ينبت الشعر ، ويجلو البصر)) يعني يقوي البصر، وينبت شعر الأهداب
وجاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل اكتحل وترا
صفة هذا الوتر في كحله عليه الصلاة والسلام :
ما جاء في رواية ابن سعد :
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في العين اليمنى ثلاثا ، وفي العين اليسرى اثنتين
وهذا هو معنى الوتر الثابت في مسند الإمام أحمد
أما لباسه عليه الصلاة والسلام :
فقد جاء عند أبي داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب الثياب إليه القميص عليه الصلاة والسلام
وجاء عند أبي داود :
عن معاوية بن قرة عن أبيه أنه قال : قدمت مع رهط من مزينة ( والرهط من ثلاثة إلى عشرة ) لنبايع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أزرر قميصه مطلقة ( يعني محلولة ) فأدخلت يدي فمسست الخاتم
وجاء في المسند :
أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه ثوب قطْري ( وهي ثياب من اليمن فيها أعلام وخطوط حمر ) قد توشح به عليه الصلاة والسلام ( يعني قد وضعه على عاتقه ) فصلى بهم
وجاء عند أبي داود :
أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا ( إذا أراد أن يلبس ثوبا جديدا ) سماه باسمه
وعند الترمذي :
سماه باسمه قميصا أو عمامة أو رداء ، ثم قال : (( اللهم لك الحمد كما كسوتنيه ، أسألك خيره وخير ما صُنع له ، وأعوذ بك من شره وشر ما صُنع له ))
وجاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها : أن أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم : " الحِبَرة "
وهي ثياب من كتان يؤتى بها من اليمن
والحبرة : يعني المُجمَّلة يعني المُزَينة
فكان يحبها عليه الصلاة والسلام
وجاء عند أبي داود :
حثه عليه الصلاة والسلام على لبس الأبيض :
قال عليه الصلاة والسلام : (( البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، ليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم ))
جاء في رواية الترمذي :
(( فهن أطهر وأبيض ))
وجاء في حديث المغيرة في الصحيحين :
أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية ( يعني مصنوعة في الروم ) لبس عليه الصلاة والسلام جبة رومية ضيقة الكمين
وجاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه " مِرْط " ( وهو كساء من كتان أو شعر يؤتزر به )
قالت : " كان عليه " مرط مُرَحَّل ( يعني عليه صورة رحال الإبل وهو الذي يوضع على ظهر البعير من شعر أسود )
وأما خفه عليه الصلاة والسلام الذي كان يلبسه في قدمه :
فقد جاء عند أبي داود :
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدى له النجاشي خفين أسودين ساذَجين ( يعني خالصين في السواد ) فلبسهما عليه الصلاة والسلام
وأما نعله عليه الصلاة والسلام :
فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن نعلي النبي صلى الله عليه وسلم لها قِبالان
والقبال : هو الشسع وهو احد سيور النعل الذي يوضع في النعل بين أصبعي ( يعني بين أصبعين ) بين أصبعي الرجل
وعند ابن ماجة :
من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان نعل النبي صلى الله عليه وسلم قبالين مثني عليه شراكهما :وهو أحد سيور النعل.
وكان عليه الصلاة والسلام يحب من النعال ما خلت من الشعر .
فقد جاء في صحيح البخاري :
من حديث أنس رضي الله عنه أنه أخرج نعلين للنبي صلى الله عليه وسلم جرداوين ( يعني لا شعر لهما )
وجاء عند البخاري :
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يلبس النعال السبتية ( مأخوذة من السبت وهو القطع ، والنعال السبتية هي التي تصنع من جلد البقر، وذلك إذا دُبغت طار شعرها ) فكان يلبسها ، فقيل له : " لم تلبسها ؟ "
فقال رضي الله : " إني أرى النبي عليه الصلاة والسلام يلبس النعال التي ليس فيها شعر فأنا أحبها "
وجاء في المسند :
أن نعلي النبي صلى الله عليه وسلم كانت مخصوفة ( يعني مخروزة ، وقال بعض العلماء يعني مرقعة )
وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيحين أنه نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة :
قال عليه الصلاة والسلام : (( لا يمشِ أحدكم في نعل واحدة ليلبسهما جميعا أو ليحفهما ))
وفي رواية : (( ليخلعهما جميعا ))
وجاء في رواية مسلم :
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشي في النعل الواحدة ــــــ لماذا نهى عليه الصلاة والسلام ؟
وهذا يشمل الخطوات الكثيرة والخطوات القليلة
قال بعض العلماء : لأنه إذا مشى على نعل واحدة اتقى بإحدى القدمين ما لا يتقي بالأخرى ، ومن ثَم فإنه قد يترتب عليه أمور :
إما أن يقع
وإما أن يخرج عن هيئة الاعتدال والوقار
وإما أن يكون ظلم أحد القدمين
وإما أن يكون بلبسها لهذه النعل الواحدة فيه شهرة ، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الشهرة
لكنني عثرت على رواية تبين المقصود ذكره الألباني رحمه الله في الصحيحة عزاها إلى الطحاوي في مشكل الآثار : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس النعل الواحدة لأن الشيطان يمشي في النعل الواحدة
وأما ما جاء عند الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " ربما مشى النبي صلى الله عليه وسلم في النعل الواحدة " فإنه لا يثبت
وقد كان يستحب عليه الصلاة والسلام أن يُبدأ في الانتعال بالقدم اليمنى قبل اليسرى :
قال عليه الصلاة والسلام – كما في الصحيحين - : (( إذا انتعل احدكم فليبدأ باليمنى ، وإذا نزع فليبدأ بالشمال ، لتكن ( يعني اليمنى ) أولهما تُنعل ، وآخرهما تُنزع ))
وأما خاتمه عليه الصلاة والسلام الذي كان يلبسه ، وهو خلاف الخاتم الذي كان في ظهره عليه الصلاة والسلام ، وقد اوضحنا ذلك في الجمعة الماضية
أما خاتمه الذي كان يلبسه عليه الصلاة والسلام :
فقد جاء عند الترمذي في الشمائل :
من حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يختم به ( يعني يختم به الرسائل )
وأما ما جاء في رواية أنه كان لا يلبسه فإنها رواية شاذة .
وقد جاء في صحيح مسلم :
كان فص خاتمه عليه الصلاة والسلام حبشيا .
وجاء في رواية البخاري:
أن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضة ، وكان فصه منه ( يعني فصه من فضة )
ومن ثَم فإن ابن حجر رحمه الله قال : " إما أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم خاتمان فصه من معدن الحبشة ، وفصه من فضة ، وإما أن يكون الجميع من فضة ، لكن لون الفص من ألوان خواتم أهل الحبشة "
وقد جاء في الصحيحين :
أن نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام " محمد " في سطر
وفي سطر آخر " رسول "
وفي سطر ثالث : " الله "
" محمد " سطر
" رسول " سطر
" الله " سطر
والنبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ الخاتم ابتداء ، ومن ثَمّ فإن رأي ابن عثيمين رحمه الله : " أن لبس الخاتم ليس من السنة ، إنما هو جائز ، ويخضع لعادة البلد ، فإن كان أهل البلد يلبسونه ، فليلبسه ، وإلا فلا يلبس "
وذلك لأنه جاء في الصحيحين :
أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يكتب إلى " كسرى " و " قيصر " قالوا : " يا رسول الله إنهم لا يقبلون كتابا إلا بختم فاتخذه عليه الصلاة والسلام
وقد جاء في الصحيحين :
أنه عليه الصلاة والسلام كان يلبسه في يده – من حديث ابن عمر – ثم لبسه أبو بكر ، ثم لبسه عمر، ثم لبسه عثمان ، حتى سقط في عهد عثمان في بئر " أريس " وهو بئر في حديقة قريبة من قباء، وهي لرجل يهودي .
وقد سقط من " معيقيب " تصغير معقاب ، كان اسمه معقابا ، وكان يلي خاتم النبي صلى الله عليه وسلم أسلم قديما رضي الله عنه ، وقد كان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان يولونه على بيت المال ، فسقط منه ( يعني سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الصحابي الجليل معيقيب في بئر أريس )
وقد جاء في رواية أبي داود :
أنه كان يتختم عليه الصلاة والسلام في يمينه .
وجاء في الصحيحين :
من حديث ابن عمر: وجعل فصه مما يلي كفه ،
وقد نهى أن يُنقش على نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام .
وقد جاء عند أبي داود :
أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتختم في يساره ، ويجعل فصه في باطن كفه .
ومن ثَم اختلفت الروايات :
هل كان يلبسه عليه الصلاة والسلام في يمينه أم كان يلبسه في يساره ؟
خلاف بين العلماء :
لكن الصحيح :
أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مرة يلبسه في يمينه، وهذا في معظم أحيانه يلبسه في اليمين ، وكان في بعض الأحيان يلبسه في يساره
وأما ما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام تختم في يمينه ثم حول الخاتم إلى اليسار فلا يثبت، وأفاد ذلك الألباني رحمه الله .
وما جاء أنه عليه الصلاة والسلام تختم في اليمين ، وقال : (( إن اليمين أحق بالزينة من الشمال )) فكذلك لا يثبت عنه عليه الصلاة والسلام .
وما جاء من حديث عائشة رضي الله عنها : أنها قالت : " قُبض النبي صلى الله عليه وسلم والخاتم في يمينه " فإنه لا يثبت
إذاً كان عليه الصلاة والسلام يلبس هذا الخاتم في يساره وهذا قليل
وفي معظم وأكثر الأحيان كان يلبسه في يمينه
والحديث عن نبيكم عليه الصلاة والسلام ذو شجون ، لكن الوقت يداهمنا فنرجئ ذلك إلى الجمعة القادمة بإذن الله تعالى .
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه عن ربي كان توابا رحيما
الخطبة الثانية
أما بعد ، فيا عباد الله :
نحن في شهر الله المحرم ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال : (( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ))
وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم أنه حث على صيام اليوم العاشر من شهر محرم .
وشهر محرم – كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة – هو شهر نجّى الله جل وعلا فيه موسى وقومه ، وأغرق فرعون وقومه ، وذلك في اليوم العاشر، فصامه موسى شكرا لله عز وجل .
وكان اليهود يصومونه ، فلما قدم عليه الصلاة والسلام قال : (( نحن أحق بموسى منكم ))
فصامه عليه الصلاة والسلام ، وأمر بصيامه .
وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم أنه قال : (( صيام يوم عاشوراء ( وهو اليوم العاشر على أصح القولين : لأنه هو اليوم العاشر من شهر محرم )
قال عليه الصلاة والسلام : (( صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ))
ويستحب للمسلم أن يصوم قبله اليوم التاسع ؛ وذلك مخالفة لليهود ؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام – كما جاء عنه في صحيح مسلم – لما قيل له : " إنه يوم يصومه اليهود "
فقال عليه الصلاة والسلام : (( إن جاء العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ))
ومن ثَم فإنه يُندب للمسلم أن يكثر من صيام هذا الشهر دون تحديد ، لكن التحديد ورد في التاسع والعاشر، لكن عليه أن يكثر شريطة ألا يصوم الشهر كله ؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة : أنه صام شهرا كاملا إلا شهر رمضان .
ومن أراد أن يحتاط ، وأن يصادف اليوم العاشر فعليه أن يصوم ثلاثة أيام :
اليوم التاسع ، والعاشر ، والحادي عشر
وهذه هي أفضل المراتب
إن لم يستطع أو كان به شغل أو ضعفت نفسه ، فأراد أن يصادف اليوم العاشر فعليه أن يجعل شهر ذي الحجة كاملا
اجعل شهر ذي الحجة ثلاثين يوما ، ثم صم اليوم التاسع والعاشر، فإنك لا محالة ستدرك بإذن الله تعالى اليوم العاشر
وهذه هي المرتبة الثانية – كما قال ابن القيم - : أن يصام اليوم التاسع واليوم العاشر
وأما أقل المراتب : هو أن يصوم اليوم العاشر وحده
وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله : " لا يُكره إفراد اليوم العاشر بالصوم " |