( عقبة الصغائر )
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
أما بعد :
كان الحديث في الليلة الماضية عن العقبة الثالثة التي يضعها الشيطان في طريق العبد وهي ( الكبائر ) وكان الحديث عن الذنوب الكبائر وكذا يدخل فيما سيذكر الآن يدخل في ذلك الذنوب الصغائر ، وكان الحديث قد جرَّنا إلى آثار وسلبيات الذنوب، فكان حديثنا عن جزئية وعن أثر من آثار الذنوب التي هي آثار وخيمة على صاحبها ، من بين آثار الذنوب حرمان الرزق ، فإذا كان العبد عاصيا مذنبا فاسقا فاجرا فإن أبواب الرزق تؤصد أمامه ، وما محقت البركة في الأرض إلا بذنوب العباد ، والذنوب شؤمها خطير وأثرها عظيم ، ليس هذا الأثر السيئ منحصرا على المذنب فحسب – لا- بل على المجتمع بأسره ، ولكن من اتقى الله جل وعلا ، من راعى أوامره ، من أدى حقوقه فتحت له أبواب الخير وفتح له أبواب الرزق ، يقول الله جل وعلا { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ولذا قال بعض السلف ( ما احتاج تقي ) التقي لا يحتاج أبدا ، فإن احتاج فلينظر في تقواه ،إما أن يكون في تقواه خلل أو أن هذه الحاجة التي نزلت به إنما نزلت ابتلاء وامتحانا من الله جل وعلا له ليرفع درجته ، فالتقي إذا احتاج فهو بين أمرين ، إما أن يكون في تقوه شيء ونوع من الخلل أو أن الله جل علا أراد به الابتلاء والامتحان كي ما يرفع ويعلي درجته ومنزلته ، قال جل وعلا وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ثم ذكر بعد هذه الآية التوكل عليه ، قد يكون العبد من المتقين ويتأخر عنه الرزق لكن لا يعجل، عليه أن يثق بوعد الله جل وعلا له في هذه الآية ، قال { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ } يعني ما كتبه وسطَّره في اللوح المحفوظ فهو كائن لا محالة ولكن { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً{3}
قال جل وعلا عن المتقين إذا صبروا وثبتوا ولزموا هذا الأمر {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ } ما هي الفائدة ؟ ما هي العاقبة ؟ ما هي الثمرة ؟ { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96 ، وقال جل وعلا وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ{65} وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ{66}
ولذا قال عليه الصلاة والسلام مبينا أن المتقي في حالة سعيدة في حالة طيبة بخلاف المذنب العاصي ، والله جل وعلا لم يترك حتى الكافر أطعمه ، سقاه ، كساه ، تفضل عليه ، أكرمه ، ولكن هذا الفضل إنما هو في الدنيا ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء )
ولكن هذا الرزق قد يكون استدراجا كما قال جل وعلا { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } ذكروا بالقرآن ، ذكروا بالآيات {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ }الأنعام44، فلا يطمئن العاصي إذا أطعمه الله عز وجل ، إذا تفضل عليه ، إذا أكرمه ، لا يطمئن ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا رأيت الله يعطي العبد يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فاعلم بأنه استدراج )
لكن الخير كل الخير للمتقي ، العبد ما دام في هذه الدنيا فسوف يأتيه رزقه ، قال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي حسنه الألباني رحمه الله قال ( إن الرزق ليطلب ابن آدم أكثر مما يطلبه أجله ) وقال عليه الصلاة والسلام ( اعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب )
يقول ابن القيم رحمه الله إن الله جل وعلا يرزق ابن آدم وهو في بطن أمه جنيا ، فيقول إن الله جل وعلا يفتح لابن آدم في بطن أمه بابا من أبواب الرزق ، ما هو هذا الباب ؟ هو الدم الذي يتغذى به الطفل عن طريق السِّر ، فإذا سد هذا الباب ، فتح الله له بابين ، وأي بابين ؟ وما هو هذا الرزق الذي يأتي من هذين البابين ؟ أفضل بمراحل متعددة من ذلك الرزق الأول، ذلك الرزق الأول دم ، أما هذا الرزق فهو اللبن " ثديا أمه " يخرج من هذين الثديين لبن خالص سائغ للشاربين ، فإذا فطم ابن آدم من الرضاع وسد هذان البابان فتح الله جل وعلا له أربعة أبواب ، طعامان وشرابان ، الطعام اللحم والنبات ، والشرابان الماء واللبن والعصير وما عدا ذلك من المشروبات ، فإذا مات ابن آدم سدت هذه الأبواب الأربعة ، فإن كان مؤمنا تقيا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " ا.هـ رحمه الله .
النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في سنن الترمذي ( من أصبح والدنيا همه فرَّق الله شمله وجعل فقره بين عينيه ) بعض الناس كما ترون يملك من الأموال ما يملك ، من أثرى الناس ومع ذلك الفقر بين عينيه ، ولذا قال الله جل وعلا عن المنافقين قال كما في سورة التوبة {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ }التوبة55، قال ابن القيم رحمه الله " إنهم يعذبون إذا اهتموا وانشغلوا وانصرفوا بهذه الأموال عن طاعة الله عز وجل يعذبون في الدنيا ثلاث مرات بهذا المال ( تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميلة ، تعس عبد الخميصة ، تعيس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط )
فيعذب ثلاث مرات :
المرة الأولى : أنه يتعذب حتى يتحصل على هذا المال
المرة الثانية : إذا تحصل على هذا المال تعذب حتى يزداد هذا المال وينمو ويكثر ، كما قال عليه الصلاة والسلام ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالثا ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) نعم ( لن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) وذلك إذا وضع في قبره وأهيل عليه التراب ، ثم قال عليه الصلاة والسلام ( ويتوب الله على من تاب )
المرة الثالثة : فإذا زاد وكثر هذا المال تعذب وتألم أن يفقد هذا المال الذي بين يديه ، فهو بين ثلاثة من أنواع العذاب يتعذب بها ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( من أصبح والدنيا همه فرَّق الله شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ) بينما المتقي ( ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه ) ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( ليس الغنى غنى المال لكن الغنى غنى النفس ) بعض الناس غني النفس ، ولذا لما أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر أعطاه مالا ثم أعطاه غنما ثم أعطاه وأعطاه فرجع إلى قومه فقال ( يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر )
( ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة )
وقال عليه الصلاة والسلام ( من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد ) يعني من صرف ذهنه وكيانه وقلبه ولبه في الآخرة فقط وجعل هذا هو همه ( من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله دنياه ، ومن تفرقت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك )
إذاً المتقي على خير ، على سعادة ، على نور ، على ضياء ، في طمأنينة ، قال تعالى { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً }الجن16، وعبر بالماء لأن الخير كله مصدره الماء وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ }الأنبياء30 ، { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً }الجن16 ثم قال جل وعلا { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } أي شاقا ، وأنتم تعرفون أن الصعود إلى الشيء أصعب من النزول ،ولذا قال { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً }الجن17 .
وأنتم ترون أن المذنب بسبب ذنبه وبشؤم خطيئته تسد أمامه الأبواب ، تتعسر عليه أموره – سبحان الله- حتى تتسأسد عليه زوجته وأبناؤه ، ولذا قال الفضيل بن عياض "إني إذا عصيت الله أرى ذلك في خلق دابتي وخادمي " يرى شؤم الذنب والمعصية وخطرها على دابته التي يقودها ، على خادمه ، على زوجته ، على ولده ، وما حلت عقوبة إلا بذنب ، قال الشاعر :
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم
سبأ كانت من القبائل التي يضرب بها المثل في الأمن والرخاء والسعادة لكنهم بطروا نعمة الله عز وجل ، أحبوا أن يسيروا أثناء سفرهم بين مفاوز وصحاري ، مثل حال بعض الناس هو في نعمة ، في خير ومع ذلك يحارب الله جل وعلا جهارا وعلانية ولا يتورع أن يعصي الله عز وجل أمام المخلوقين ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) ولذا يقول ابن القيم رحمه الله " في الغالب أن المجاهر تسد عليه أبواب التوبة " وهو كما قال رحمه الله البعض من الناس تتأسد عليه نفسه ، إذا عمل ذنبا ومعصية قال الذنب الآخر اعملني ، وهكذا وهكذا ، حتى يصبح الذنب سجية وطبيعة له ، فلا يكاد أن يهنأ إلا بذلك الذنب ، بل إن البعض كما قال ابن القيم رحمه الله ليواقع المعصية دون رغبة ودون إرادة لها ، إنما حمله على ذلك طبيعته وسجيته .
فتجد أن هؤلاء الذين يأتون بهذا المسلسل تجرءوا ، يُنبهون ، يوعظون ، يذكرون ، لكن إذا ختم الله عز وجل على قلب ابن آدم { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ }الجاثية23، وليس هذا خاصا بما يعرض من مسلسلات ، بل البعض من الناس اعتادت نفسه واعتاد سمعه على سماع الأغاني والموسيقى ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) قيل إنهم يفعلونها فعلا مستمرا لسانه حالهم أنها مباحة لهم ، هم لم يقولوا إنها مباحة ، لكن يفعلون هذه الأمور فعلا لسان حالهم يقولون إنها مباحة ، البعض من الناس انسجم على سماع الموسيقى فلا يكاد أن يستغني عنها فتجد أنه يضع هذه الموسيقى وهذه النغمات في جواله في مجامع الناس ، بل وللأسف في المساجد ، بل ومن أدهى الأمور وأعظم الأمور أن يضع هذا الجوال مفتوحا وإذا كان الناس في صلاتهم إذا بالجوال يَرِنُّ بهذه الموسيقى وبهذه المعازف فيرتكب جرما عظيما على نفسه وعلى إخوانه إذ صرف قلوبهم عن الخشوع ، فالواجب على المسلم أن يتنبه لمثل هذه الأمور وألا تنساق به المعصية إلى المعصية التي تليها ، فليتفطن ويرجع إلى الله عز وجل ويتوب وينوب إليه ، أو على الأقل ليكن خطر وشؤم ومفسدة هذه المعازف عليك وحدك لا تدخل بها إلى مساجد المسلمين ، يكاد أن يصبح حال هؤلاء كحال الكفار ، إذا أدوا العبادة في كفرهم قال تعالى {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ }الأنفال35 ـ المكاء هو الصفير ، والتصدية : التصفيق .
فليتنبه إلى هذا الأمر .
ولعل إن شاء الله يكون للحديث بقية في الدرس القادم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد |