|
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربا العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آلة وصحابته وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد
قال المصنف رحمه الله:( باب صفة الوضوء )
إذا قيل الوُضوء المراد منه الفعل و وإذا قيل الوَضوء المراد منه الماء فإذا فتحت الواو كان المراد الماء و إذا ضمت كان المراد الفعل مثل السَّحور والسُّحور فالسَّحور الوجبة والسُّحور هو الفعل ومثله الطَّهور والطُّهور وعلى هذا فقس.
ثم قال المصنف رحمه الله:( وهو ان ينوى رفع الحدث او الوضوء للصلاة ونحوها)
الشرح :
النية: معناها الإرادة فمتى ما أردت الشيء فقد نويته و بالتالي فإن أمر النية أمر سهل وما يتحرج منه كثير من الموسوسين في وضوئه أو في صلاته فإنه منافي لسماحة الشرع فإنه إن أتى إلى المغاسل فهذه هي النية.
قال رحمه الله: (وهو ان ينوى رفع الحدث او الوضوء للصلاة ونحوها) ممكن أن نجمل هذا الكلام فيما يلي:
1.إن نوى رفع الحدث ارتفع حدثه كأن يتوضأ لرفع الحدث الذي به.والحدث هو معنى قائم بالبدن ليس شيئاً محسوساً وإنما هو معنى قائم بالبدن هذا المعنى القائم بالبدن كيف يرتفع؟ يرتفع بالوضوء .
2.أن لا ينوي رفع الحدث وإنما نوى بهذا الوضوء أن يصلي فإن نوى بهذا الوضوء ما يجب له الوضوء فقد ارتفع حدثه, الوضوء متى يجب؟ يجب في أشياء كثيرة لكن من بينها إذا أراد أن يمس المصحف فيجب عليه الوضوء إذاً لو توضأ من أجل أن يمس المصحف ثم بداله أن يصلي بهذا الوضوء أتصح صلاته؟ نعم.مثال آخر الصلاة النافلة فلو توضأ من أجل أن يصلي صلاة الضحى فحضرت صلاة الظهر هل يصلي بهذا الوضوء؟ نعم يصلي بهذا الوضوء.
3. أن يتوضأ لما تسن له الطهارة مثاله إنسان توضأ من أجل أن ينام على وضوء ثم بدا له أن يصلي صلاة نفل أو تذكر صلاة فرض عليه هل يصلي بهذا الوضوء؟ نعم يصلي.
إذاً يحصل الوضوء بإحدى حالات ثلاث:
1.إما أن ينوي أن يرفع الحدث.
2.أن يتوضأ لما تجب له الطهارة كالصلاة ومس المصحف.
3.أن ينوي لما تسن له الطهارة مثل الوضوء قبل النوم.
ثم قال المصنف رحمه الله:( والنية شرط لجميع الاعمال من طهارة وغيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل إمرى ما نوى" متفق عليه)
الشرح :
النية شرط كما ذكر رحمه الله و محلها القلب والتلفظ بها بدعة سواء كان هذا التلفظ جهراً أو سر خلافاً لبعض فقهاء الحنابلة الذين يجوزون أن ينطق بها سراً وقد رد عليهم شيخ الإسلام رحمه الله فالنطق بها في تلك الحالتين بدعه لمَ ؟ لأن هذا لم ينقل عن النبي عليه الصلاة و السلام ولا عن صحابته الكرام رضي الله عنهم و إذا كانت النية شرطاً فإنه يجب أن تتقدم الوضوء وأن تستمر معه إلى أن يفرغ منه فإنه لو نوى ثم في أثناء الوضوء قطع هذه النية بطل وضوؤه ولذا قال الفقهاء إن النية تنزل على حالات:
1. أن يستصحب ذكرها بحيث لا تغيب عن خاطره فهو من حين ما ابتدأ الوضوء والنية حاضرة معه متذكراً لها إلى أن فرغ من الوضوء فهذا ما يسمى باستصحاب النية وذلك لأن استشعار الإنسان عند كل عضو يغسله أنه في وضوء يثاب عليه لأنه متذكر لهذه العبادة التي أمر بها ولذا ينبغي له أن يتذكر حال وضوءه أنه يمتثل أمر الشرع و أنه يتأسى بالنبي عليه الصلاة و السلام و أن خطاياه تتناثر منه مع آخر قطر الماء كما جاءت بذلك الأحاديث فإذا تذكر هذه الأشياء التي ذكرتها ألا يكون مستصحباً لذكر النية؟ بلى.
2.أن يستصحب حكمها وفرق بين العبارتين الأولى أن يستصحب ذكرها وهنا أن يستصحب حكمها بمعنى أنها غابت عن خاطره لكن يعلم أنه في وضوء ولذا لو سأل ماذا تصنع يا فلان لقال:اتوضأ فهذا حكمه واجب.
3.أن يزول عنه استصحاب حكمها بمعنى أنه قطع نية الوضوء فهذا لو شاء أن يكمل وضوءه نقول يجب عليك أن تستأنف لأن ما مضى قد قطعته.
4.أن ينوي قطع النية بعد الفراغ من الوضوء فهنا لا أثر لهذه النية لأن العمل قد انتهى وفرغ منه والنبي عليه الصلاة و السلام قال (إنما الأعمال بالنيات ) هل هناك عمل؟ هل هناك وضوء؟ ليس هناك وضوء إذاً لا أثر لهذه النية وهذه الاحوال نزلها على سائر العبادات من الصلاة ونحوها.
ثم قال المصنف رحمه الله:( ثمّ يقول "بسم الله)
الشرح :
البسملة أختلف العلماء في وجوبها فبعضهم يرى أنها واجبة لقول النبي صلى الله عليه و سلم ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) وهذا هو رأي الحنابلة أنها واجبه مع الذكر وأما الجمهور فيرون أنها سنة وذلك لأن الحديث الوارد المذكور آنفاً فيه ضعف وهناك قاعدة (أن الحديث إذا جاء في سياق الأمر وفيه شيء من الضعف ليس فيه ضعف شديد ينزل بين منزلتين وهي منزلة الاستحباب فلا يقال بأنه مباح ولا يقال بأنه واجب وإنما بين الواجب والمباح وهو الاستحباب وكذلك لو كان الحديث في جانب النهي لا يكون في جانب المحرم و لا في جانب المباح إنما يكون في جانب المكروه) ولذا فالجمهور يرون أن الحديث فيه ضعف والذي ينبغي للمسلم أن لا يدع التسمية , وهل يزيد عليها (الرحمن الرحيم)الذي يظهر أنه يقتصر على الوارد والوارد (بسم الله ).
ثم قال المصنف رحمه الله:( ويغسل كفه ثلاثاً)
الشرح :
غسل الكفين سنة قبل الوضوء وذلك لأن الآية وهي آية الوضوء في سورة المائدة لم تذكر غسل الكفين و الآية إنما ذكرت الفروض والواجبات ولذا يعضد رأي الجمهور بأن قول بسم الله سنة أنها لم تذكر في الآية.
ولكن هناك حالة يجب فيها غسل الكفين على القول الراجح وهي ما إذا استيقظ من نوم الليل فإنه يجب عليه قبل أن يدخلهما في الإناء أن يغسلهما ثلاث لما جاء عند مسلم وفي صحيح البخاري بنحوه قال عليه الصلاة و السلام(إذا استيقظ احد من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) والكف من أطراف الأصابع إلى الرُّسغ والرُّسغ (مابين عظم الكوع وعظم الكرسوع) ما بينهما يسمى رسغاً فالعظم الذي يلي إبهام اليد يسمى كوعاً والعظم الذي يلي خنصر اليد يسمى كرسوعا وأما البوع فهو العظم الذي يلي إبهام القدم.
ثم قال المصنف رحمه الله:( ثمّ يتمضمض)
الشرح :
و المضمضة هي (إدارة الماء في الفم) فإذا كان الماء الذي في الفم قليلاً فإن الواجب فيه أن يدير الماء في فمه أدنى إدارة و أما إذا كان الماء الذي في فمه كثيراً فلا تلزم الإدارة وذلك لأنه إذا كان كثيراًَ فقد استوعب الفم.
ثم قال المصنف رحمه الله:( ويغسل كفه ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات )
الشرح :
الاستنشاق هو جذب الماء بالنَّفَس إلى الخيشوم, والواجب فيه أن يصل الماء إلى أنفه من الداخل لقول النبي عليه الصلاة و السلام (ثم ليجعل في أنفه ماء ) والسنة كما ذكر رحمه الله أن تكون بثلاث غرفات بمعنى أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة فيجعل جزء من هذا الماء الذي في كفه في فمه والجزء المتبقي في أنفه فلا يفصل بين المضمضة والاستنشاق وإنما يأخذ ماء في كفه ثم يبدأ من الفم ثم يرفع كفه إلى أنفه هذه مره ثم يرفع كفه مرة أخرى وهكذا ثم الثالثة وهذا هو الوارد عن النبي عليه الصلاة و السلام فيما صح عنه ولها أوجه متعددة في السنة ليس هذا المقام مقام طرحها ولكن الفصل بين المضمضة والاستنشاق ما ورد فيها إلا حديث ضعيف كما قال ابن القيم رحمه الله لم يصح عن النبي عليه الصلاة و السلام حديث في الفصل بين المضمضة والاستنشاق لأن البعض يأخذ ماء يتمضمض ثلاث مرات ثم يأخذ ماء ويستنشق ثلاث مرات هذا الفعل صحيح ولكنه ليس هو السنة, والسنة إذا تمضمض واستنشق أن يخرج ما في فمه و أنفه ويعفى عن ما علق بالاسنان من بقايا الطعام إذ كان يسيراً وكذلك ما يكون في الأنف مما هو يسير, والسنة أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق وقد جاء في السنن من حديث لقيط بن صبره (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ووردت رواية عند غير أهل السنن (وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فالسنة في المضمضة والاستنشاق أن يبالغ فيهما المسلم فالمبالغة في المضمضة أن يدير الماء في فمه وأن يكرر إدارته و إن أدخل أصبعه في فمه فهذا شيء حسن فقد ثبت هذا عن النبي عليه الصلاة و السلام من فعله و أما المبالغة في الاستنشاق: أن يجذب بنفسه الماء إلى أقصى خيشومه ولكن إن كان به مرض حساسية أو ما شابه ذلك فقد يحتقن الأنف فالشرع جاء بالتخفيف في مثل هذا فلا يضر الإنسان نفسه, والمضمضة والاستنشاق واجبان على الصحيح وذلك لأن الله جل و علا قال في آية الوضوء [فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ] {المائدة:6} ومعلومٌ أن من ضمن الوجه (الفم و الأنف) فهما من الوجه الظاهر ولذا يجوز للصائم أن يتمضمض ويستنشق فدل على أن الفم و الأنف من الخارج إذ لو كان من الداخل لبطل صومه وقد واظب على ذلك النبي عليه الصلاة و السلام وقال عليه الصلاة و السلام كما في سنن أبي داود قال (إذا توضأت فمضمض) أمر , والسنة في الاستنشاق أنه إذا استنشق استنثر لقول النبي عليه الصلاة و السلام كما عند البخاري وغيره قال (إذا توضأ أحدكم فليستنثر) والسنة في هذا الاستنثار أن يكون باليسرى كما ثبت من فعله عليه الصلاة و السلام كما عند النسائي , وهذا الاستنشاق في الوضوء يغني عن الاستنشاق الواجب عند الاستيقاظ من النوم فإن النبي عليه الصلاة و السلام قال (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه) فإنه لو استيقظ من النوم مريداًَ للوضوء فإن استنشاق الوضوء يغني عن الاستنشاق الواجب بعد القيام من نوم الليل لرواية البخاري (إذا استيقظ أحدكم من نومه فتوضأ فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه).
ثم قال المصنف رحمه الله:( ثمّ يغسل وجهه ثلاثاً)
الشرح :
غسل الوجه فرض من فروض الوضوء لأن الآية نصت على ذلك في سورة المائدة والتنصيص على الثلاث هو السنة وإلا فإن الغسلة الواحدة كافية كما أن المضمضة والاستنشاق يحصل الإجزاء بواحدة لكن الأولى والأكمل أن تكون ثلاثاً والمقصود من الغسلة (هو تعميم العضو بالماء بقطع النظر عن الغرفات) فلو أخذت ماءً بكفيك فغسلت مثلاً الجزء الأيمن من الوجه ثم أخذت غرفة أخرى فغسلت الأوسط من الوجه ثم أخذت غرفة أخرى فغسلت الجانب الأيسر من الوجه حصل تعميم للعضو فتعد غسلة واحدة فالمراد من الغسله ليس عدد الغرفات و إنما تعميم العضو بالماء بقطع النظر عن عدد الغرفات فإذا حصل مثل هذا كما ذكرت تعد غسلة واحدة فإن عمم الوجه مرة أخرى بغرفه أو بأكثر تعد غسلة ثانية وهلم جرا وهذا ضابط في غسل اليدين والقدمين كما هو ضابط في غسل الوجه , والوجه من حيث تحديده طولاً: من منحنى الجبهة إلى ما نزل من الذقن وشعر اللحية فشعر اللحية داخل ضمن الوجه ومن العرض: من الأذن إلى الأذن وهذا البياض الذي يكون بين شعر اللحية والأذن يكون من الوجه ولذا السنة أن يقبل بإبهاميه بمعنى أن الإبهامين يكونان أثناء غسل الوجه يكون الإبهامان في هذا البياض لورود ذلك في سنن أبي داود من فعله عليه الصلاة و السلام إذ قال أقبل بإبهاميه مما يلي إذنيه لما غسل وجهه, فهذا البياض يعد من الوجه, والسنة خلافاً لمن أنكر هذه السنية السنة أن يلطم بوجهه الماء فعند أبي داود (فلطم وجهه بالماء) وفي رواية أحمد (فصك وجهه بالماء) بمعنى أن يحدث صوتاً فهذا ثابت في المسند والسنن أن يضرب بالماء في وجهه إذا غسل وجهه فإن كانت له لحية كثيفة قد غطت البشرة فإن الواجب أن يغسل ما طهر منها وأما إذا أراد الأفضل فالأفضل أن يخلل لحيته و أما أن كانت اللحية قليلة تظهر منها البشرة فإن الواجب أن يغسل الشعر والبشرة معاً لأن البشرة والشعر مما تحصل بهما المواجهة لماذا قلنا اللحية من الوجه؟ لأن شعر اللحية مما يواجه به الإنسان من هو أمامه, والسنة له إذا كان في مآقيه وهو مسيل الدمع إذا كان فيهما شيء من وسخ أن يزيلهما و أن يتعاهد هما كما ثبت في سنن أبي داود والسنة كما ثبت من حديث علي في السنن أن يصب على ناصية رأسه غرفة من ماء حتى يسيل على وجهه مبالغة في تنظيفه وهذه مختلف فيها بين العلماء هل هذه من بين الثلاث الغرفات أو أنها مستقلة ولكن الأولى أن تكون ضمن الثلاث الغرفات للنهي عن الزيادة عن الثلاث كما سيأتي.
ثم قال المصنف رحمه الله:( ويديه مع المرفقين ثلاثاً)
الشرح :
اليد حدها من أطراف الأصابع إلى المرفق وهنا يحصل خطأ فاحش من البعض ويقع فيه كثير من عوام الناس و يجب أن ينبهوا عليه وهو أنهم إذا وصلوا إلى غسل اليدين وهم قد غسلوا أكفهم أول الوضوء لا يغسلون من أطراف الأصابع وإنما يغسلون من الرسغ باعتبار أنهم غسلوا الكفين من قبل وهذا خطأ لأن غسل اليدين في أول الوضوء سنة بينما غسلها هنا فرض من فروض الوضوء إذاً الواجب أنه إذا غسل كفيه عند أول الوضوء أن يبدأ من أطراف أصابع اليد إلى المرفق , وعليه أن يتعاهد ما نزل من يده من الخلف وهو هذا الموطن الذي قبل المرفق ففيه موطن منخفض من اليد فالبعض من الناس يسرع فأحياناً لا يصيبه الماء فليتعاهد هذا الموطن ثم لا يصيب الماء هذا الموطن ولذا النبي صلى الله عليه و سلم كان يدلك ذراعه في الوضوء ولكن المعاهدة لا يلزم منها الوسوسة لأن البعض قد يسرف ويجازف في هذا الأمر فيفضي به الأمر إلى الوسواس , والمؤلف رحمه الله هنا نص فقال غسل اليدين مع المرفقين والآية ماذا قالت [وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ] {المائدة:6} فتكون (إلى) بمعنى (مع) المرافق ما الذي أدرانا؟ فعل النبي عليه الصلاة و السلام فإنه كما في صحيح مسلم ( لما غسل يده أشرع في العضد) بمعنى أنه أدخل المرفق مبتدأ بغسل شيء من العضد وفي حديث آخر يحسنه بعض العلماء كالألباني رحمه الله أن النبي صلى الله عليه و سلم (أدارى الماء على مرفقيه) وما في صحيح مسلم يعضد هذا الحديث, وعليه أن يتعاهد باطن كفيه, والسنة له أن يخلل أصابع كفيه حتى يتيقن من وصول الماء لقول النبي عليه الصلاة و السلام (وخلل بين الأصابع) لكن ليس بواجب لمَ؟ لأن الماء سيال فيصل إلى هذه المواطن لكن من باب السنية يتعاهد ما بين الأصابع بالتخليل , والسنة له أن يقدم اليمنى و اليسرى لكن لو قدم اليسرى على الأيمن أجزأ والدليل على الجواز قال [وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ] ولم يقل اليمنى ثم اليسرى ولكن السنة أن يبدأ باليمنى ومما يقوي هذا حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي طهوره وفي شأنه كله) , ويحرم أن يزيد على ثلاث فإن النبي عليه الصلاة و السلام كما في سنن أبي داود وغيره لما أتاه رجل يسأله عن الوضوء توضأ له ثلاثاً وقال (هكذا لوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم) , ولا يشرع له أن يزيد على محل الفرض فإذا غسل يديه فلا يغسل العضد كله أو يوصل الماء إلى الكتف فإن هذا ليس من المشروع وإنما غسل النبي عليه الصلاة و السلام يده حتى أشرع في العضد من أجل أن يعمم محل الفرض ما هو محل الفرض ؟ المرفق ولا يكون تعميمه إلا بغسل جزء يسير من العضد, وأما حديث أبي هريرة (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثار الوضوء فمن أستطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) جملة { فمن أستطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل} ليست من الحديث وإنما هي مدرجة من أبي هريرة رضي الله عنه ولذا كان يتأولها ولذا يقول ابن القيم رحمه الله هذا اجتهاد منه رضي الله عنه ولذا كان إذا توضأ يختفي عن الآخرين.
ثم قال المصنف رحمه الله:( ويمسح رأسه من مقدمه الى قفاه بيديه، ثمّ يعيدهما الى المحل الذى بدا منه مرة واحدة)
الشرح :
مسح الرأس فرض من فروض الوضوء ومبتدأه من منحنى الجبهة مما يلي الرأس إلى القفا هذا من حيث الطول أما من حيث العرض فإنه من الأذن إلى الأذن والمقصود أن الأذنين داخلتان في ضمن مسح الرأس كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيكون هذا البياض الذي يكون أعلى الأذن(من الرأس) ويكون المسح بكلتا يديه وهذه هي السنة الواردة عند أبي داود, وأن تكون الطريقة هكذا أن يبدأ من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يعود مرة أخرى إلى المقدمة هذه صفة من صفات مسح الرأس أو وهي الصفة الثانية: أن يعكس فيبدأ من مؤخرة الرأس إلى المقدمة ثم يعود وكل هذا ثابت عن النبي عليه الصلاة و السلام وطريقة هذه الصفة ليست واجبة وإنما بأي طريقة كانت بيد واحدة أو بيدين تجزئ ولذا لو أخذ ماء ومسح رأسه بيدٍ واحدة ثم حرك كفه على رأسه حتى عمم الرأس فإنه مجزأ والدليل أن الآية أطلقت [وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] {المائدة:6} , والسنة أن يمسح كل الرأس ولا يجوز مسح نصه على القول الصحيح خلافاً لمن قال يكتفى بمسح بعض الرأس وذلك لأن الله عزوجل[وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] {المائدة:6} فالباء هنا للإلصاق ليست لتبعيض وقد وضحها أكثر: فعله عليه الصلاة و السلام , ولا يلزم أن يمسح كل شعرة بعينها إنما المقصود أن يعمم الرأس بالمسح مرة واحدة.
وللحديث تتمة بإذن الله تعالى في الدرس القادم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
|