شرح حديث أنس رضي الله
لفضيلة الشيخ زيد البحري
www.albahre.com
عن أنس رضي الله عنه سمعت ر سول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة
هذا يعد عجز حديث وصدره هو:
قال الله عز وجل : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ) الحديث اخرجه الترمذي وحسنه
الترمذي هو المحدث المشهور محمد بن عيسى كان ضرير البصر وهو أحد طلاب البخاري رحمه الله وقد كان الامام البخاري يعتمد على بعض آرائه مع أن البخاري شيخ له وهو ممن عاش في القرن الثالث وهذا الرجل رحمه الله مع عمى بصره الا ان الله عز وجل أعطاه حافظة عجيبة وقد ذكر الذهبي في السير انه كان في أحد أسفاره التقى في طريقه بأحد العلماء فقال الترمذي أسمعني من الأحاديث فأسمعه ثلاثين حديثا والمراد من الأحاديث في ذلك العصر سماعا ذكرها بالاسناد فقال له زدني فقال يكفيك هذا فإذا حفظتها زدتك قال قد حفظتها قال أسمعني فأسمعه كل ما حدثه قال أو حفظت هذا من قبل قال لا فإنما حفظته منك الآن وليس هذا بعجب فإن الحفاظ في سلفنا رحمهم الله كثر حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله لم يؤثر عن ابن شهاب الزهري وهو محدث كبير لم يؤثر عنه انه غلط مع سعة علمه وكثرة محفوظاته فلا يهولنك جهاز الحاسوب فهناك أجهزة من لحم وعظم قد فاقوا هذه الأجهزة والعلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي وذلك فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء ولسلفنا موقف عجيبة تدل على قوة حفظهم لا يتسع المقام لذكرها ولكن المعتبر من يسلك سلوكهم ويسير خلفهم فإذا علم الله من العبد صلاح نيته ورغبته في الخير وفي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ولا يريد بذلك علوا أو رفعة ولا تصدر في المجالس فإن الله عز وجل أكرم من عبده والله لا يضيع أجر من أحسن عملا والترمذي رحمه الله له كتاب مسمى بسنن الترمذي ويسميه العلماء بجامع الترمذي وقد أدرج في آخره كتابا يسمى بالعلل وسنن الترمذي هي إحدى السنن الأربع
سنن أبي داود – سنن ابن ماجة – سنن النسائي
ولذا اذا قيل أخرجه الأربعة فالمراد أُصحاب السنن واذا قيل أخرجه الثلاثة فالمراد أهل السنن ما عدا ابن ماجة ومن فوائد هذه السنن وفرائدها انه رحمه الله يذكر آراء العلماء فإذا ذكر الحديث يقول أخذ بهذا اكثر أهل العلم أو أخذ بهذا فلان وفلان
ومن فرائدها انه كان يذكر حكم شيخه على بعض الأحاديث فكان يقول سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث فأجاب بكذا وقال رحمه الله ان كل حديث قد ذكرته في السنن فإنه حديث قد أخذ به جملة العلماء الا حديثين وهما حديث بن عباس رضي الله عنهما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولكن هذا الحديث أخذ به الإمام أحمد رحمه الله فأباح الجمع للعذر وتوسع الامام أحمد في مسائل الجمع
الحديث الثاني :-
حديث النبي في شارب الخمر ( فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ومع ذلك أخذ به ابن حزم رحمه الله قال من شرب في الرابعة فيقتل بكل حال وأخذ به شيخ الإسلام رحمه الله ولكن ليس على الاطلاق فقال: إن لم ينزجر الناس إلا بقتل الشارب في الرابعة فيقتل وهذا هو أعدل الأقوال لأنه جاء في صحيح البخاري ان رجلا كان كثيراً ما يشرب الخمر فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي لا تعلنه أوما علمت أنه يحب الله ورسوله ) والمسألة محلها في الفقه ومن ثم فيكون ما ذكره رحمه الله من أحاديث قد أخذ بها جملة من العلماء دون استثناء ،
ومنها ما هو ضعيف جدا ، وهو رحمه الله يبين ولكن قال العلماء ان عنده تساهلا وهذه نتف تتعلق بهذا السِّفْر سنن الترمذي رحمه الله
وقد خدم هذه السنن الألباني رحمه الله فقد قرب هذه السنن لطلاب العلم فحكم على جميع أحاديث السنن اما بالتصحيح وما بالتضعيف وهذا جهد مشكور عليه وان كان بعض المعاصرين ممن ينتسب للحديث يلمز بهذا الجهد ولكن يقال له :
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه *** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
ولذا اذا عجزت نفوس البعض من ان يصلوا الى ما وصلت إليه هذه النفوس الكبار بدأ يقدح ويلمز وهذا يدل على خلل في النوايا ، والله المستعان
عن أنس رضي الله عنه /هو أنس بن مالك الخزرجي الأنصاري كنيته أبو حمزة قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وهو ابن عشر سنين فأتت به أمه أم سليم فقالت : هذا أنس غلام يخدمك فخدم النبي عليه الصلاة والسلام ودعا له النبي أن يكثر الله ماله وولده وأن يطيل عمره فاستجاب الله دعوة نبيه حتى انه آخر صحابي مات بالبصرة وهو ممن يكثر من الرواية عن النبي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى هذا الحديث يسمى بالحديث القدسي مأخوذ من القداسة التي هي الطهارة، ويسمى بالحديث الإلهي ويسمى بالحديث الرباني وهو ما كان معناه من الله عز وجل ولفظه من النبي
فهو يفترق عن القرآن لأن القرآن لفظه ومعناه من الله عز وجل ، ويفترق عن الحديث النبوي فإن لفظه ومعناه من النبي فالحديث القدسي لا يأخذ أحكام القرآن فلا يتعبد بلفظه ولا يقرأ به في الصلاة ويجوز مسه من غير طهارة ولا يتحدى به الكفار كما يتحدى بالقرآن وليس بصحيح مطلقا فإن من الأحاديث القدسية ما هو صحيح وما هوضعيف وما هو موضوع قال قال الله تعالى :
قال الله فيه اثبات صفة القول لله عزوجل ولتعلم ان قاعدة أهل السنة والجماعة أن صفات الله عز وجل لا تؤول ولا تكيف ولذا قال الامام أحمد رحمه الله في كتابه أصول أهل السنة
لا تقل لم ولا تقل كيف فإنما هو الانقياد والتسليم والقبول
فلا تدخل عقلك في أسماء الله عز وجل وصفاته فتتوه كما تاه أهل الكلام وذا كان الله عز وجل يتكلم فكذلك هو يسكت فمن صفاته عز وجل السكوت فتثبت دون تأويل ودون تكييف قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى ثبتت صفة السكوت لله عز وجل بالنص والإجماع ومن بين هذه النصوص قول النبي ( ما سكت عنه فهو عفو ) وحديث ( وسكت عن أشياء )
ولذا ابن عباس رضي الله عنهما لما ذكر صفة من صفات الله عزوجل عند البعض اقشعر جلده فقال رضي الله عنه ما فرق هؤلاء يعني لماذا يخالف هؤلاء ؟
ما فرق هؤلاء يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه) فإذا جاءت الصفة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله فلا تترد أدنى تردد في اثباتها مع تفويض كيفيتها الى الله عز وجل وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في الفتاوى ان السكوت يطلق على أمرين
اولاً: اما السكوت عن الكلام ( ما سكت عنه فهو عفو )
ثانياً:اما الكلام من غير رفع صوت ولذا قال أبو هريرة كما في الصحيحين قال ( يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول ؟ قال : أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي...الحديث )
فصار السكوت هنا هو الكلام الخفي لكن لا تكيف صفة السكوت لله عزوجل اذاً السكوت، ولا يلزم في اللغة وفي عرف الشرع لا يلزم ان يكون هو السكوت المعروف بل قد يكون كلاما خفيا
قال الله تعالى /
قوله / تعالى ، فيه اثبات صفة العلو لله عز وجل وسبق الحديث عنها لكن لتعلم ان العلو يختلف عن صفة الاستواؤه على العرش فكلتاهما صفتان لله عز وجل فاستوائه على عرشه صفة من صفاته جل وعلا وعلوه صفة من صفاته لكن الفرق بينهما من وجهين
1- العلو ثبت بالنص والعقل ، أما الاستواء فثبت النص
2- ان العلو من الصفات الذاتية وأما الاستواء فهو من الصفات الفعلية
والأجدر والأولى بالمسلم اذا ذكر الله عز وجل على لسانه ان يبجله وأن يعظمه فيقول : قال الله عز وجل أو قال الله تعالى كما هنا . ولم نقل بالوجوب لأنه هناك أحاديث كثيرة ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الجلالة ولم يقل عز وجل أو نحوها من العبارات
وقوله : يا ابن آدم ، فيه اثبات صفة النداء لله عز وجل وهو أحد نوعي الكلام
وقوله آدم / اشتقاق هذه الكلمة مأخوذ من الأديم أي من أديم الأرض وذلك لأن النبي أخبر ان الله عزوجل لما أراد ان يخلق آدم أخذ من كل أرض حفنة من تراب فجاء بنو آدم منهم الأحمر ومنهم الأسود ومنهم السهل ومنهم الصعب ومنهم بين ذلك . وقوله : لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ،
ضبط بضابط آخر ، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا بكسر القاف في كلمة قراب ، ولكن الضم أشهر ومعنى قراب الأرض أي ما يقارب ملؤها أو حجمها والخطايا / هي الذنوب ،
وقوله ثم لقيتني لا تشرك به شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة .
فقوله ثم لقيتني / كلمة اللقيا في النصوص الشرعية تكون على وجهين /
1- اما لقيا عامة وهي لجميع الخلق قال عز وجل { يا أيها الإنسان انك كادك إلى ربك كدحا فملاقيه } فلابد أن يلتقي الناس بربهم عز وجل قال الله تعالى {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين}وقال تعالى { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم )
2- هي لقيا التكريم للمؤمنين وهي اللقيا الخاصة قال الله عز وجل { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } وكما في هذا الحديث ،
فمن فوائد كلمة : لقيتني / أن العلماء قالوا ان لقيا الله عز وجل تتضمن رؤيته فإذا جاء النص بأن هناك لقاء يلتقي فيه العبد بربه عز وجل فإنه دليل على اثبات رؤيته عز وجل وقد انكرت المعطلة رؤيا الله عز وجل مستدلين على ذلك بأدلة منهما قوله تعالى لموسى { قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني } ومنها قوله عز وجل { لا تدركه الأبصار } ومنها وهو دليل عقلي على حسب ما رأته عقولهم انه لو كان يرى عز وجل لكان في جهة واذا كان في جهة فهو جسم والله منزه عن الجسم
وأدلة رؤية الله عز وجل كثيرة ورؤيته عز وجل في الدنيا محالة على جميع الخلق باتفاق الأمة ولم يختلفوا الا في رؤ ية النبي لربه في الدنيا والصحيح انه عليه الصلاة والسلام لم ير ربه يقظة ولذا في حديث ابي ذر عند مسلم لما سأل النبي أرأيت ربك ؟ قال (نور أنا أراه ) وفي رواية ( حجابه النور ) وقد أنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك كما جاء في الصحيحين وأما ما جاء عند ابن خزيمة ان ابن عباس رضي الله عنهما ذكر في حديثه ان النبي رأى ربه فهو حديث ضعيف والصحيح انه لم يره يقظة وانما رآه في المنام كما قال عليه الصلاة والسلام ( أتاني ربي هذه الليلة في أحسن صورة ) وهل يراه أحد في المنام سوى النبي ؟
يذكر في السير أن الإمام أحمد رحمه الله رأى الله عز وجل في المنام وهذا هو المذكور في السير ولكن الذي يظهر والعلم عند الله انه لا يراه أحد في المنام لعموم قوله عليه الصلاة والسلام ( اعلموا انكم لن تروا ربكم حتى تموتوا )
فهذا عام ولا يقل أحد إن النوم وفاة لأن الموت في الإطلاق تكون الوفاة الكبرى والعلم عند الله
ومن أنكر رؤية الله عز وجل فقد كفره السلف قالوا لأنه انكر أعظم نعيم في الجنة ويكون صاحبها ضالا أي صاحب من أنكر الرؤيا وأما الأدلة على أنه عز وجل يرى في الآخرة
قوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }
فقوله { ناضرة } أي من النضرة والبهاء
والنظر له استعمالات فإن عدي بحرف ( في ) فمعناه التفكر كقوله تعالى { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض }
وإن عدي بـ ( إلى ) فالمراد النظر بالأبصار كما في قوله تعالى { الى ربها ناظرة }
وان اطلقت فالمراد الامهال كقوله عز وجل عن المنافقين { انظرونا نقتبس من نوركم } أي انتظرونا وأمهلونا فنجد أن هذه الآية وهي قوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }
أضيف فيها النظر الى الوجه الذي هو محله أين محل النظر ؟
الجواب / في الوجه ، وزاد ذ لك تأكيدا حرف ( إلى )
ومن الأدلة على رؤيته عز وجل في الآخرة قوله عز وجل { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } فالزيادة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم ( أنها النظر إلى وجهه الكريم ) وأما من الأحاديث فقوله عليه الصلاة والسلام ( اعلموا انكم لن تروا ربكم حتى تموتوا )
فدل على أنه بعد الموت يرى عز وجل ومنها ان الصحابة كما في الصحيحين قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا ؟
قال عليه الصلاة السلام : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟
قالوا : لا .
فقال هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟
قالوا : لا
قال فكذلك ترونه )
ورؤيته عز وجل ثابتة للمؤمنين في المحشر وفي الجنة فأما الدليل على رؤيته في المحشر أن الله عز وجل يأتيهم على صورة غير صورته فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نبرح مقامنا حتى يأتينا ربنا فيأتيهم عز وجل على صورته .
وأما في الجنة فالأحاديث فيها كثيرة ولذلك يناديهم عز وجل فيرفعون أبصارهم فيما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه الكريم ورؤية المؤمنين له عزوجل تختلف باختلاف مراتبهم ولذا جاء عند الترمذي وإن كان فيه ضعف ان أعلى أهل الجنة مقاما من يرى الله عز وجل في الجنة في اليوم مرتين ويؤيده ما فسره بعض العلماء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى قال عز وجل { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } وقد صحح ابن القيم رحمه الله حديث ( أن يوم الجمعة يوم المزيد ) وذلك لأنهم يأتون الله عز وجل في كل يوم جمعة ولذا ابن مسعود رضي الله عنه لما أتى الجمعة وقد سبقه ثلاثة قال ( وما رابع أربعة من الله ببعيد ) حسنه البعض وضعفه البعض
وكما أن الرجال يرونه عز وجل كذلك النساء
وقد اختلف العلماء في رؤية الكفار لله عز وجل في المحشر
فقال بعض العلماء : إنهم يرونه ويستدلون على ذلك بما يأتي
أولا : جميع أدلة اللقيا لأن اللقيا تدل على الرؤيا في مثل قوله تعالى { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه }
ثانيا : قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( يلقي العبد ربه عز وجل فيقول له ألم أسودك )أي أجعلك سيدا ( ألم أزوجك ؟ فيقول بلى ، فيقول أكنت تظن أنك ملاقي ؟ قال : لا ، فيقول عز وجل : اليوم أنساك ) الحديث
ثالثا : حديث ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى (أن الناس يخرجون من قبورهم فينظر إليهم وينظرون إليه فيأخذ ماء فيرشه في وجوههم فوجه المؤمن يبيض ووجه الكافر يسود )
رابعا : ومن أدلتهم قول الله عز وجل { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فقالوا إن الحجب لا يكون إلا من رؤية سابقة
وقال أصحاب القول الآخر :
لا يعني أن هذه الرؤية رؤية نعيم بل هي رؤية تعريف كما يقال للمجرم انظر الى الملك ولله المثل الأعلى
وبعض أهل السنة والجماعة قالوا : إنهم لا يرونه في المحشر واستدلوا بقوله عز وجل { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }
وقالوا : هذه الآية في جميع ساعات الآخرة لأنه عز وجل قال في مطلع السورة { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين }
وقالوا لو قلنا برؤيتهم له عز وجل لما افترقوا عن المؤمنين قال شيخ الإسلام رحمه الله : ان المخالف في رؤية الكفار لربهم عز وجل في المحشر لا يضلل وإنما قال رحمه الله يجب على من قال ان الكفار يرونه يجب عليه أن يقيد فيقول يراه الكفار في المحشر وذلك لأن اطلاق الرؤية للكفار موهمة فالرؤية عند الإطلاق هي رؤية النعيم ،
وأما ما استدلت به المعتزلة بقوله عزوجل لموسى عليه الصلاة والسلام { لن تراني } فهو دليل لأهل السنة لا دليل للمعتزلة وذلك من وجوه
الوجه الأول : ان كلمة ( لن ) لا تفيد التأبيد فقوله { لن تراني } أي في الدنيا ولذا قال بن مالك في ألفيته
ومن رأى النفي بلن مؤبدا ***** فقوله اردد وما سواه فاعضدا
يعني أردد قوله وهي مسألة لغوية لا نتوقف عندها كثيرا فيكون معنى قوله (لن تراني) أي في الدنيا
الوجه الثاني : أن موسى عليه الصلاة والسلام أعلم بالله من غيره فلو كانت رؤيته عز وجل محالة في الآخرة لما سألها موسى عليه السلام في الدنيا
الوجه الثالث : لو كان قوله غير لائق لأنكر عليه عز وجل كما أنكر على نوح عليه الصلاة والسلام لما سأل النجاة لابنه
الوجه الرابع : أنه سبحانه وتعالى تجلى للجبل وهو جماد ألا يتجلى لعباده المتقين ولذا لم يره موسى عليه الصلاة والسلام لأن أبصار الخلق عاجزة عن رؤيته عز وجل فهي عاجزة عن رؤيته في الدنيا أما في الآخرة فيعطيهم الله عز وجل قدرة وقوة على رؤيته .
ومما يدل على ضعف أبصار الناس ولله المثل الأعلى ان الانسان لا يستطيع ان يمعن النظر في الشمس ،
وأما ما استدلوا به من قوله عز وجل { لا تدركه الأبصار } فهو دليل لأهل السنة وذلك أن النفي هنا للادراك وليس النفي لرؤيته عز وجل وفرق بين الادراك والرؤية ولذا لما قالت بنوا اسرائيل { إنا لمدركون } قال موسى { كلا } فهو نفى الادراك لكنه لم ينف رؤيتهم لفرعون ولذا قال الله عز وجل { فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } فلكماله عز وجل لا يدرك فيكون نفي الادراك اثباتا للرؤية
وأما ما استدلالهم العقلي فهو ناشئ عن فساد عقولهم فهو سبحانه عز وجل لا يقاس بخلقه
وقوله { لا تشرك بي شيئا } شيئا نكرة في سياق النفي فيفيد أنه لا يشرك مع الله عز وجل أي شيء لا ملك ولا رسول فإذا جاء العبد بهذا التوحيد وترك نواقضه فإن الله عز وجل يقابله ولو كانت ذنوبه ملئ الأرض يقابله بالمغفرة ولذا قال ( لأتيتك بقرابها مغفرة ) وهذا هو جواب الشرط لأن ( أداة شرط ) وفعل الشرط ( أتيتني بقراب الأرض خطايا ) إلى آخره ، وجواب الشرط ( لأتيتك بقرابها مغفرة ) |