كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس التاسع عشر
تفسير قوله تعالى(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) 00000 إلى قوله تعالى (قُلِ الحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ )
أما بعد :
فقد ذكر الله عز و جل في سورة النمل قصة لوط ، و قصة لوط عليه السلام قد تنوعت و تعددت في سور أخرى ، فقال الله تعالى هنا (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) معنى ذلك أن الواحد منهم يأتي الآخر من الرجال، و كل منهم يبصر الأخر، دون أن يكون هناك حياء حتى من أنفسهم ، كما قال تعالى [أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] {العنكبوت:29} النادي :هو مكان اجتماع القوم ، فكانوا يأتون بعضهم بعضا في مجتمعهم الذي هو النادي دون أن يكون هناك أدنى حياء ، و قوم لوط فعلوا هذه الفاحشة، و ما فعلها قبلهم أحد من البشر بل لم يفعلها أحد من المخلوقين،حتى من البهائم ، قال تعالى [أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ] و في الآية الأخرى [وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ] و العالم و هو كل ما سوى الله ، و لا شك أن هذه الفعيلة ،و هذه الذميمة من أوسخ ما يكون فالنبي صلى الله عليه و سلم قال ( إذا و جدتم الفاعل و المفعول فاقتلوهما ) ماذا قال بعدها (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) يعني : فيكم جهل و وصفهم في الآية الأخرى في سورة الأعراف بأنهم مسرفون ، فاستمروا على هذه الفعلة، و رأوا إن لم يرتدع لوط عن هذه الفعلة الشنيعة أنهم سيطردونه ( [قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المَخرجين] و لذلك قالوا (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) أخرجوا أل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون )- سبحانه الله – يعرفون أنهم على خبث، و أن لوطا على طهارة ، و مع ذلك يقدمون على هذه الفاحشة ،فلما عتوا و استمروا على ما هم عليه جاءت رسل الله، جبريل و من معه من الملائكة لإهلاك هؤلاء القوم ، فبشرت الملائكة إبراهيم بالولد و أخبروه أنهم أتوا لكي يهلكوا قوم لوط [فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ] {هود:74} يعني يقول كيف تهلكون قوم لوط و فيهم لوط ؟ [قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ] {العنكبوت:32} أي سينالها العذاب ، و لم يكن لوط عليه السلام موفقا في هذه الزوجة،فإنها كانت امرأة خبيثة تحث قومها على هذه الفعلة ، فلما علم قوم لوط بأن هناك بشرا أتوا إلى لوط ،و هم الملائكة أتوه في صورة البشر فرحوا بذلك و جاء قوم لوط ليفعلوا بهؤلاء، و لوط عليه السلام لما جاءته تلك الملائكة على صورة بشر قال [وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ] {هود:77} فخاف أن يعتدي قومه على هؤلاء الضيوف ، فلما أتى قومُه و طلبوا من لوط أن يمكنهم من هؤلاء الضيوف ليفعلوا بهم الفاحشة ، قال [قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ] {الحجر:71} يعني تزوجوا بهم ، و المقصود ببناتي ( نساء القوم ) لأن نساء القوم يعددن بمنزلة البنات للنبي ، فالنبي بمنزلة الأب لقومه (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي) [قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ] {هود:79} ليس لنا حاجة في البنات (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) ، فماذا قال لهم [قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ] لو عندي سلطة و قوة على دفعكم لفعلت، أو (آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أي عشيرة تحميني [قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ] طمأنته الملائكة (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) و ما عليك إلا أن تسري بأهلك بالليل ، فسار عليه السلام و أمرته الملائكة أن يكون خلف قومه ،و أمرته ألا يلتفت منهم أحد حينما ينزل العذاب قال تعالى [فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ] {الحجر:65} أي إلى الشام ، و أخبرته الملائكة أن العذاب سينزل بهم الصبح، فكأنه استبطأ الوقت فقالوا [إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ] {هود:81} و نقف هنا وقفة في سورة القمر ماذا قال ؟ [كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ] يعني بالإنذارات التي أتى بها لوط [إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ] {القمر:34} أي في آخر الليل فالسحر وقت للنجاة و لذا كان للقيام في السحر منزلة لا تكون في أي جزء من أجزاء الليل ، فسار لوط و قال بعض العلماء(إن زوجته كانت معه فالتفت فأصابها العذاب ) و لا شك أن هذه المرأة خائنة [ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ] {التَّحريم:10} و الخيانة هنا هي : الكفر بالله و ليس الزنا لأن المرأة الزانية لا تكون تحت نبي ، لم يُبعث نبي و تحته امرأة بغي أبدا ، و إنما الخيانة هنا هي الكفر بالله ،فجاء العذاب كما قال عز و جل (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ) يعني :مَطَرَ السَّوْءِ و [وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا] {الفرقان:40} المقصود هنا قوم لوط (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا) كفار قريش ألم يكونوا يرون قراهم إذا سافروا ؟ فما هو هذا العذاب هذا العذاب كما قال تعالى [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ] {هود:82} متى نزل بهم العذاب ؟ الصبح ، أول الصبح أم بعد ما حصل وقت الإشراق ؟ بعد ما حصل وقت الإشراق ، كما قال تعالى [لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) فمع ما أنزل الله بهم من هذا العذاب، كان مع هذا العذاب صيحة فقلب الله ديارهم رأسا على عقب، و رماهم بالحجارة و الحصباء [إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ] و أتت هذه الحجارة و أصلها من النار ،(فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ] سجيل : يعني من نار ، مَنْضُودٍ: أي :متتابعة ، مسومة يعني معلمة كل شخص تأتيه حصاة قد قدر الله عز و جل أن تقع عليه لاعلى غيره ، و مسومة عند من ؟ عند رب العالمين [مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] {هود:83} ما هي ؟ قال بعض العلماء (يعني قرية قوم لوط ما هي بعيدة عن قرية النبي صلى الله عليه و سلم ألا يعتبرون بها ) كما قال تعالى [وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ] و قال بعض العلماء ( و ما هي ) الضمير يرجع إلى تلك العقوبة ، يعني تلك العقوبة ليست بعيدة عن الظالمين من هذه الأمة إذا فعلت كما فعلت قوم لوط ، أن ينزل بهم هذا العذاب ، ثم ماذا قال سبحانه و تعالى (قُلِ الحَمْدُ للهِ) أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم أن يحمد الله على ما أنعم به عليه ، و من ذلك ما قصه عليه من قصة لوط إذ دمر الله هؤلاء الكفار لكي تعتبر أمة محمد صلى الله عليه و سلم (وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) من هم ؟الأنبياء (آَللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) آَللهُ خير لمن عبده أم هذه الأصنام خير لعابديها ؟ الجواب واضح و لا مقارنة ( الله)، و لذا ذكر الله سبحانه و تعالى دلائل على قدرته [أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ] {النمل:60} إلى أخر ما ذكره سبحانه وتعالى من الآيات الدالة على عظمته سبحانه و تعالى ،هذا ما استحضره الذهن مما ذكره الله سبحانه و تعالى عن قصة قوم لوط في كتابه و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم |