كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الثامن عشر
تفسير قوله تعالى :( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ(176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ(177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(178) فَاتَّقُوا اللهَ وَ أَطِيعُونِ ) إلى قوله تعالى 00000(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ )
أما بعد :
فنقف وقفات سريعة مع قصة شعيب عليه السلام مع أصحاب الأيكة مما ذكره الله عز و جل في هذه السورة سورة (الشعراء) قال تعالى (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ) الأيكة :موضع تلتف به الأشجار ، فالموضع التي تلتف به الأشجار و تُغطيه تُسمى أيكة ، فأصحاب الأيكة أتاهم شعيب عليه السلام ، و شعيب عليه السلام أرسل إلى أصحاب الأيكة و أرسل إلى أهل مدين ، و إن كانت قصة أصحاب الأيكة متشابهة مع قصة أهل مدين فيما وقعوا فيه من الجرم ،و الذنب فيقول سبحانه و تعالى (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ) من الذي أرسل إليهم ؟ شعيب و مع ذلك قال (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ) يعني أنهم كذبوا جميع الرسل ، مع أن المُرسل إليهم شعيب عليه السلام فلماذا قال المرسلين ؟ قال المرسلين كما هو الشأن في قصص الأنبياء المذكورة قبل هذه القصة ، كقوله تعالى [كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ] [كَذَّبَتْ عَادٌ المُرْسَلِينَ] [كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ] {الشعراء:141} لم ؟ لأنه من كذب برسول واحد فقد كذب جميع الرسل لم ؟ لأن جميع الرسل أتت برسالة واحدة ، و هي رسالة التوحيد التي تدعو إلى توحيد الله عز و جل [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ] {الأنبياء:25} إذاً فمن كذب بنبينا محمد صلى الله عليه و سلم فمن باب أولى، قال تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ]، يعني إذا أتى محمد و هم أحياء فعليهم أن يتبعوه و على قومهم أن يتبعوه ،ثم لو نظرنا إلى ما بعدها ماذا قال (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ) بينما الرسل السابقون لما أرسلهم الله تعالى ماذا قال ؟ ( [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ] [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ] [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ] [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ] أما هنا لم يقل أخوهم لم ؟ لأن شعيبا ليس نسبه من أصحاب الأيكة و إنما نسبه من أهل مدين ، و لذلك لما ذكر سبحانه وتعالى أهل مدين قال ( [وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {الأعراف:85} ) أما هنا لم يقل في أصحاب الأيكة أخوهم ، (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ) جميع الرسل السابقين الذين أرسلوا ذكروا ما ذكره شعيب من أنه أمر بالتقوى و أنه مرسل أمين ، وبيان أنه لم يُرسل من أجل أن يأخذ عليهم أجرة و لا مالا ، و إنما قصد الأجر من الله عز و جل ، فدل ذلك على أن دعوة الأنبياء كلهم هي دعوة التوحيد ، ماذا وقع فيه أصحاب الأيكة ؟ وقعوا مع الشرك بالله في نقصان الميزان كما هو الشأن في أصحاب مدين (أَوْفُوا الكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ) أي الميزان المستوي ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ، العثي في الأرض هو أعظم الإفساد (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ) يعني : خلقكم و خلق الخليقة الأولين يعني خلقكم و خلق من قبلكم ، فما هو ردهم قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ ) كعادة المكذبين للرسل ينسبون للرسل ما ليس فيهم (وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) أي ما فُضلت علينا (وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي فأنزل علينا من السماء قطعا من العذاب -سبحان الله- بعض الناس لا يٌوفق – لو أنهم دعوا الله أن يهديهم و يدلهم على طريق الحق ،لكان أولى لهم من أن يطلبوا العذاب ، و لذلك النضر بن الحارث لما أتى النبي صلى الله عليه و سلم بهذا القرآن فماذا قال هو و من معه [وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] {الأنفال:32} لم يقولوا فاهدنا أو دلنا أو أرشدنا ، هذا يدل على أن الإنسان إذا بلغ الطغيان في قلبه مبلغه لا يوفق إلى الكلام السليم و لا إلى الدعوة السليمة ، فماذا قال (قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) ما علي إلا البلاغ و البيان ،و الله عز و جل مطلع عليكم (فَكَذَّبُوهُ) ما الذي جرى لهم ؟ (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أصابهم حر شديد فأتتهم سحابة فأظلتهم فخرجوا من سراديبهم يستظلون بها يظنون أن بها بردا و سلاما و خيرا، فإذا بها تمطرهم عذابا من الله تعالى كما طلبوا ، (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) لما اجتمعوا و تكاملوا أخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ، و ربك يمهل و لا يهمل ( [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] {هود:102} ) (إن في ذلك لآية)لعبرة وعظة ، فهذه القصص التي تتلى علينا و نقرأها لا يمكن أن تُذكر هكذا و إنما يُستفاد منها و يُتعظ بها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) مع هذه الدلالات الواضحة فإن أكثر البشر ليسوا بمؤمنين كما قال تعالى [وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ] {الأنعام:116} [وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ] {يوسف:103} و قال تعالى [مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ] {المائدة:66} ثم مال الذي بعدها [وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] عزيز يعني : قوي شديد أصاب هؤلاء القوم بما أصابهم ، ثم إنه بعباده المؤمنين رحيم ، فرحم شعيبا و من آمن معه 0
فهذه وقفة سريعة مع قصة شعيب مع أصحاب الأيكة ، نسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه إنه هو ولي ذلك و القادر عليه
و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم |