كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس السابع عشر
تفسير قوله تعالى : [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ00000 إلى قوله تعالى ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ]. {الشعراء}.
أما بعد
فقد ذكر الله عز و جل في هذه السورة المباركة سورة الشعراء قصة إبراهيم هذه القصة نقف معها وقفات سريعة (وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ) أي يا محمد اتْلُ على قومك قصة و خبر و نبأ إبراهيم ما نبأهم ؟ ما قصة إبراهيم مع قومه ؟ (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) فبماذا أجابوا ؟ (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) و من زيادة الخبث و الطغيان على المنكر و الشرك زادوه أمرا آخر (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) يعني : ملازمين و هذه طبيعة ابن آدم إذا استمر في الغي يكاد لا يخرج منه إلا بإذن الله عز و جل ،فإنهم تعالوا و صرّحوا بالإثم و العدوان و قالوا (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) ومع ذلك فنظل لها عاكفين و قولهم (نظل) دل على أن عبادتهم لهذه الأصنام كانت بالنهار فكانوا يداومون على عبادتها في النهار ، فحاورهم إبراهيم عليه السلام محاورة من له عقل إن كانت لهم عقول ،فقال لهم كما في سورة الأنبياء (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ]) و قال لهم [أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ] {الأنبياء:67} هنا ماذا قال ؟ (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) أصنام هل يستجيبون لكم أو ينفعونكم ؟ أو يضرونكم ؟ هل هناك ضر على افتراض أنكم تركتم عبادتهم ؟ لا - فكان جوابهم ألا مضرة و لا منفعة و لا سماع لهم لدعائهم و إنما هو أمر درجوا عليه و نشأوا عليه (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) من باب التقليد الأعمى ،كما قال تعالى ( [بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ] يعني :على عقيدة (وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فأجابهم عليه السلام (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) يعني ممن سبقكم (فإنهم عدو لي) و هذا ما يجب أن يكون عليه المسلم ، يجب عليه مع توحيده أن يتبرأ من الشرك و أهله ، و لو قال إنسان أنا مسلم و لا أتبرأ من اليهودية و لا النصرانية ، و لا أقول إنهم على خطأ و لا أقول إنهم لا على صواب و لا على خطأ نقول قد كفرت بالله فالنبي صلى الله عليه و سلم كما عند مسلم قال ( من قال لا إله إلا الله و كفر بما يعبد من دون الله حرم دمه و ماله و حسابه على الله ) لابد أن يكفر بما يعبد من دون الله و لذا إبراهيم إمام الموحدين عليه السلام قال (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ) أي إلا رب العالمين الذي أعبده ،و يمكن كما قال بعض العلماء (أنهم كانوا يعبدون هذه الآلة و يعبدون الله معه فمع عبادتهم لله عز و جل على هذا القول كانوا يعبدون هذه الأصنام فكانوا مشركين ، فالتوحيد يجب أن يكون خالصا لله عز و جل (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ) العالم: هو كل ما سوى الله ، كل ما سوى الله فهو عالم ، و من دلائل أنه رب العالمين أنه (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ )
و هذا يدل على أن المخلوق دائما في حاجة إلى الهداية ، أحوج لها من الطعام و الشراب ، و لذا نقول في كل ركعة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] لم ؟ لأن حاجتنا إلى هداية الله أكثر من حاجتنا إلى الطعام و الشراب ما الذي بعدها ؟ (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) لماذا أتت هذه الآية بعد الآية التي قبلها ؟ مثلما قال الله عز و جل ([وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] ما الذي بعدها [مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) يد هذا على ماذا ؟ يدل على أن رزقك قد تُكفل به و ما عليك إلا أن تعبد الله فإذا عبدت الله أطعمك و سقاك بل كلما عبدت الله و اتقيت الله و تقربت إليه زاد رزقك و الخير عليك قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] ثم ما الذي بعدها ؟ الإنسان في هذه الدنيا لا يكون على خير أبدا ، لابد أن تعتليه أمور تنغص عليه معيشته و حياته (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) لِمَ لمْ يقل أمرضني مع أن المرض و العافية من الله ، لم يقل أمرضني تأدبا مع الله ، كما كان في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم كما في صحيح مسلم ( و الشر ليس إليك ) مع إن الأشياء كلها من الله إلا أنه لم ينسب المرض إلى الله تأدبا مع الله عز و جل كما قال أيوب [ُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] {الأنبياء:83} و لو أن المخلوقين مما أُبتلي بمرض تعلق بالله و تذكر هذه الآية و تأملها حق التأمل لشفاه الله من مرضه ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم كما في الصحيحين إذا رقى مريضا قال ( اللهم رب الناس أذهب البأس اشف أنت الشافي شفاءً لا شفاء إلا شفاؤك لا يغادر سقما ) ثم ما الذي بعهدها من دلائل قدرة الله عز و جل (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) و لذا الرجل الذي حاج إبراهيم في ربه قال تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ] فماذا قال ؟ قال أنا أحيي و أميت ،الأمر سهل أتي بإنسان قد حُكم عليه بالموت فعفى عنه فيكون بذلك حياة له ، فحاججه إبراهيم بأمر أعظم (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) ثم ما لذي بعدها ؟ (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) إبراهيم عليه و السلام يطمع بمعنى : يرجو من الله أن يغفر له خطيئته ، فدل هذا على ماذا ؟ دل على أن العبد مهما قام بالعمل الصالح و اتقى الله فإن عليه أن يرجو الله و أن يخاف من الله ، ثم طلب إبراهيم من ربه النبوة و الحكمة و أن يأتيه النبوة و يلحقه بالصالحين أي ممن سبقه من الأنبياء و طلب من الله أن يجعل له ثناءً باقيا إلى قيام الساعة فيمن يأتي بعده (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ) لسان هنا معناه الثناء لِمَ ؟ لأن اللسان هو آلة الثناء (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) دعا لأبيه قبل أن يعلمه الله عز و جل بأنه سيمون كافرا ، (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.) الخزي الحقيقي ليس في الدنيا و إنما يكون في الآخرة و لذلك عباد الله الصالحون ماذا يقولون ؟ يقولون (لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) و لا تخزني يوم يبعثون (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ] يوم لا ينفع مال و لا بنون ، نحن نحرص على الأموال و على الأولاد في هذه الدنيا وهذان متلازمان ،لماذا نحرص على المال ؟من أجل البنين و إذا كان لدينا مال و ليس لدينا بنون حرصنا على طلب البنين فهما متلازمان و لذا المال و البنون زينة الحياة الدنيا و لكن مع تلك الزينة لا تنفع يوم القيامة و إنما ينفع العمل الصالح (إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من سلم الله قلبه من الشرك و الشك و سائر الخبائث من أمراض القلب ، و لا شك أن إبراهيم أتى ربه بقلب سليم و يدل ذلك قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ]
نسأل الله عز و جل أن يُسلّم قلوبنا و يطهرها من الأدناس و الأرجاس و الله أعلم
و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم |