كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الخامس عشر
تفسير قوله تعالى :(تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) 00000إلى قوله تعالى ( قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا)
أما بعد :
فقد قرأنا قوله عز و جل من سورة الفرقان (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ) تبارك معناها : تكاثر و ازداد خير الله عز و جل ،و كلمة تبارك كما قال العلماء لا تُطلق إلا على الله، فلا يجوز أن يُقال لمخلوق (تبارك فلان) ،فإن هذه الكلمة يُخص بها الله عز و جل (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) ذلك ما هو ؟ اسم الإشارة يعود على ما ذكره الكفار، لما أتى النبي صلى الله عليه و سلم بهذه الرسالة أنكروها ، و قالوا ( لولا ألقي إليه كنز أو له جنة يأكل منها) هل عنده مال ؟هل عنده بساتين حتى يؤتى هذه الرسالة ؟ و يُفضل بها على غيرنا فقال عز و جل (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) لو شاء سبحانه و تعالى أن يُعطي نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بساتين و قصورا في هذه الدنيا لفعل ، وليس معنى هذه الآية أنه إن شاء الله أعطاه في الآخرة ، لقد شاء الله سبحانه و تعالى أن يعطي سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم أعظم الدرجات في الجنة ، لكن المراد هنا (إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) أي في الحياة الدنيا (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) و لكن ما أتى هذا القول إلا من خبث في نفوسهم ، قد انطوت نفوسهم على المكر و الخديعة و الكبر و إلا حقائق صدقك يا محمد واضحة ،و لذا قال تعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) من كذب باليوم الآخر أعد الله له نارا مُستعرة ، ما بعض صفة هذه النار التي وردت في هذه السورة ؟ (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) النار تُبرز يوم البعث و النشور و ترى ، ترى مَنْ ؟ تري المجرمين ، ترى أهلها ، و قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم كما عند الترمذي ( من أنه يخرج عنق من النار له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يقول لقد وُكّلتُ بكل جبار عنيد و بالمصورين ) إذاً هناك عنق يخرج من هذه النار له عينان و له لسان ، و هذه النار ترى و تبصر (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) مع بعد المسافة يسمعون لها صوتا (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) التغيّظ هو شدة الحقد ، و الزفير الصوت المزعج ، و لذا و صف الله سبحانه و تعالى بأنه شديد يكاد غيظها أن يقطعها (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ) و قال تعالى (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) أصحاب النار إذا أتوا على هذه النار جثوا على الركب ،ثم يدفعون فيها [يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا] يعني يوم يدفعون إلى نار جهنم دعا و يساقون إليها بعنف كما قال تعالى [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ){الزُّمر:71} أي جماعات جماعات ، ثم إذا ألقوا فيها ليست النار على درجة واحدة من العذاب و النكال ، و إنما هم يقاسون حرها و عقابها و آلامها ، ثم من آلامها مكانا إذا وصلوا إليه ضُيق عليهم فيه (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) يعني أيديهم غُلت إلى أعناقهم بالسلاسل ، ثم ماذا يحصل منهم (دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) دعوا هلاكا ، ثم ماذا قال سبحانه و تعالى (لَا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) لأنه هذه دعوة منكم و هناك الثبور الكثير المتكرر الذي لا يستحق دعوة واحدة منكم بل عليكم أن تكثروا من الدعاء بالويل و الثبور،و شتان ما بين الطائفتين (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ) و ليس فيه خير ، و لكن من باب المقارنة كما قال العلماء فالنار ليس فيها خير [لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا] ما معنى (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) ؟ معناها : أن المؤمنين في هذه الدنيا يسألون الله سبحانه و تعالى الجنة كما قال تعالى [رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ] و هي أيضا دعوة الملائكة ، فمن مزايا المسلمين أن الملائكة مع كثرتهم و مع قربهم من الله و مع كثرة عبادتهم يستغفرون لهم تدعون الله لهم ، و هذا دليل على فضل الإيمان و أهله قال تعالى كما في سورة غافر [رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] و هذا فضل من الله لمن وُفِق إلى الزيادة في دينه ،
نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا و أن يجنبنا الشر و يقينا منه إنه ولي ذلك و القادر عليه
وصلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه وسلم |