شرح حديث عتبان رضي الله عنه
لفضيلة الشيخ زيد البحري
www.albahre.com
(فإن الله حرم على النار من قال لا إله الا الله يبتغي بذلك وجه الله ) اخرجه البخاري ومسلم
في حديث عتبان ، يجوز ان يكسر حرف العين عِتبان أو يضم عُتبان ، ولكن المشهور كسر العين ، وهو أحد الصحابة من الانصار وهذا الصحابي رضي الله عنه له قصة في هذا الحديث انه رضي الله عنه كان يؤم قومه فأتى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن المطر إذا نزل حال بيني وبين ان أؤم قومي وإنه قد كف بصري فلتأت فتصلي في بيتي حتى اتخذه مسجدا وكان ذلك يوم الجمعة فأتاه صلى الله عليه وسلم يوم السبت وكان عتبان قد صنع له طعاما فأتى النبي مع عدد من الصحابة ومنهم أبوبكر الصديق فلما دخل النبي قال أين تريد أن أصلي لك ؟ )
وهذا الحديث فيه فوائد متعددة ولكن من الفوائد التي قد تكون خفية أن من السنة ان الانسان يبدأ فيما من أجله أتى فاتيانه عليه الصلاة والسلام للصلاة ولم يقدم للطعام فقدم الصلاة بينما لما دعته الصحابية مليكة دعته لطعام فقدم الطعام ثم صلى بعد ذلك
قال أنس فصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من خلفنا
فقال عليه الصلاة والسلام : أين تريد ان أصلي لك ؟
فأشار اليه فصلى عليه الصلاة والسلام وكان ذلك في نصف النهار فلما فرغ من الصلاة حبسه عتبان على هذا الطعام فلما جاء أهل المحلة أي أهل الحي فقال بعضهم أين مالك بن الدخشم وضبط الدخشن بالميم والنون ، فقال أحدهم إنه منافق يأتي المنافقين ، فقال عليه الصلاة والسلام لا تقل هذا ألا تراه يشهد أن لا إله الا الله يبتغي بذلك وجه الله ، قالوا يا رسول الله انه يأتي المنافقين فقال عليه الصلاة والسلام هذه الجملة من هذا الحديث ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )
وقد جاء في حديث حسنه ابن حجر ( انه قال عليه الصلاة والسلام ألم يشهد بدرا ) فقوله عليه الصلاة والسلام ( فإن الله حرم على النار )
، والتحريم هنا تحريم كوني قدري /
وقوله عليه الصلاة والسلام ( فإن الله حرم ) فيه اثبات صفة التحريم لله عز وجل وكلمة حرم تفيد أن التحريم نوعان :
1- تحريم لم يسبقه عذاب
2- تحريم سبقه عذاب
ولذا قال شيخ الإسلام رحمه الله : ان قوله يبتغي بذلك وجه الله ، تستلزم العمل وذلك بأنه اذا ابتغيت شيئا طلبته وعملت لتحصيله فإن كانت بغيتك كاملة كان التحريم من النار كاملا وإن كانت البغية ناقصة كان التحريم ناقصا ، وقد قال شيخ الإسلام إن قول لا إله الا الله جاءت في بعض الأحاديث أنها تدخل الجنة وأنها تحرم قائلها على النار ، جاءت أحاديث أن بعض قائليها يدخلون النار فوجه الجمع بينها ان يقال ان كانت البغية كاملة دخل الجنة وان كانت البغية ناقصة دخل النار ثم مآله إلى الجنة .
ولو قال قائل : إن هناك حديثا عند الترمذي وهو قول النبي ( ان الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر فيقول الله عز وجل له ألك عذر ؟ أظلمك ملائكتي ؟ فيقول لا ,
فيقول الله عز وجل ان لك عندنا حسنة ، فقال وماذا تصنع هذه الحسنة عند هذه السجلات فقال الله عز وجل : لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج بطاقة فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش معها هذه السجلات فلا يثقل مع اسم الله شيء ) فهذا الحديث كيف يجاب عنه ؟
فقال رحمه الله : ان البعض من الناس قد يقول لا إله إلا الله خالصا من قلبه فيعقبها بسيئات تضعف هذا الاخلاص فترجح هذه السيئات على حسنة التوحيد فيموت مصرا على هذه الذنوب فيدخل النار والبعض قد يقول لا إله إلا الله وله أعمال من الذنوب قبلها فيقولها مخلصا بها وجه الله ولا يعقبها بذنوب فترجح حسنة التوحيد التي لم يعقبها بذنوب فترجح حسنة التوحيد ، وهذا كحديث صاحب البطاقة فإن لديه ذنوبا ولكنه قال هذه الكلمة مخلصا بها لله عز وجل ولم يتبعها بذنوب ثم قال رحمه الله وإن كانت درجته في الجنة تقل فليس كغيره ممن لم يعمل الذنوب أصلا وقد قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية إن لا إله إلا الله نور ، فكلما قوي هذا النور في قلب العبد أحرق الشبهات والشهوات ومن الناس من يقولها ويحرق نور هذه الكلمة كل ما في قلبه ، وبعضهم يقولها ليس كالأول والناس في ذلك يتفاوتون وقوله عليه الصلاة والسلام : ( على النار )
جاء في الحديث ( أن النار اشتكت الى ربها عز وجل ان عجل بأهلي لقد أكل بعضي بعضا ) وجاء في حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام (_ تحاجت الجنة والنار فقالت الجنة : يدخلني الضعفاء ، وقالت النار : يدخلني الجبارون ، فقال الله عز وجل : ان لكل واحدة منكما علي ملؤها )
فقد حكم عز وجل بأن الجنة والنار ستملأن ويكون من فوائد التوحيد أنه لا نصيب للنار من الموحدين اذا كان التوحيد كاملا وإذا كان ناقصا بالذنوب فليس لها نصيب من الموحد أبد الآباد فلها نصيب منه وقتا يشاؤه الله عزوجل وقوله عليه الصلاة والسلام ( من قال ) فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يزك مالكاً وانما أتى بصيغة العموم ( من قال لا إله الا الله ) و ( من ) هنا من صيغ العموم فتعم الكل ممن يقول هذه الكلمة ابتغاء وجه الله وقوله عليه الصلاة والسلام ( قال ) يلزم في صحة التوحيد في الدخول في الاسلام ان يتلفظ بهذه الكلمة ولم يقل من اعتقد وانما قال ( من قال )
وقوله عليه الصلاة والسلام ( يبتغي ) أي يطلب وهذا تقييد لهذه الكلمة فإذا قرأت وسمعت نصوصا اطلقت دخول الجنة بقول لا إله الا الله فاعلم انها مقيدة بمثل هذا الحديث ، ومن بينها ما جاء في الصحيح ( حرمه الله على النار ) فهو نص مطلق مقيد بمثل هذا الحديث ، ومما يدل على الاطلاق والتقييد انه جاء عند البخاري في حديث معاذ رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام ( من شهد أن لا إله الا الله وان محمدا رسول الله مستيقنا بها دخل الجنة )
وجاء في رواية عند البخاري ( من قال لا إله الا الله حرمه الله على النار )
فانظر في احدى الروايات التقييد وفي الرواية الأخرى الاطلاق مع ان الحديث واحد وهذا يدل عل أن لا إله الا الله شروط وهي ثمانية شروط من شروطها الاخلاص والدليل على الاخلاص هذا الحديث ( من قال لا إله الا الله يبتغي ) أي يطلب فهذا هو شرط الاخلاص ( يبتغي بذلك وجه الله ) بعض العلماء يقول : وهو ابن شهاب الزهري قال حول هذا الحديث قال لا يغتر مغتر بهذا الحديث فإن هناك فرائض بعدها فرضت ، ولكن الجواب الشافي هو جواب شيخ الإسلام رحمه الله / من أن البغية كلما كانت كاملة كان التحريم كاملا وكلما كانت البغية ناقصة كان التحريم من النار ناقصا
فقوله عليه الصلاة والسلام ( يبتغي بذلك وجه الله )
فيه اثبات صفة الوجه لله عز وجل بما يليق بجلاله وعظمته وإثبات صفة الوجه هو معتقد اهل السنة والجماعة خلافا للمعطلة الذين نفوا عن الله عز وجل هذه الصفة بحجة ان في اثباتها تشبيها له عز وجل بالمخلوق ولو أنهم نظروا إلى دليل السمع والعقل لما اعتقدوا هذا المعتقد ودليل السمع قوله عز وجل { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }
ودليل العقل / أن الخالق عز وجل لا يقاس بخلقه ،
وصفة الوجه حرفوها فقالوا ان وجه الله عز وجل يعني ذات الله ،
وبعضهم قال إنه ثواب الله وهل يمكن ان يتصور عقل ان هناك ذاتا من غير صفات محال ان تكون هناك ذات خالية من الصفات ولذلك معنى هذا الحديث عندهم يبتغي بذلك وجه الله ( ثواب الله) ، وصفة الوجه من الصفات الخبرية ، والعلماء يقسمون صفات الله الثبوتية اما الى ثلاثة اقسام [ صفة خبرية – ذاتية - فعلية ] وبعضهم يجعلها قسمين فيدرج الخبرية في الذاتية
وصفة الوجه من صفاته الخبرية عز وجل وهي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء ولكننا لا نقول انها ابعاض وأجزاء لله عز وجل لعدم ورود الخبر بذلك وانما نقول هي خبرية باعتبار ان الخبر أتى بها ولا يجوز للعقل ان يدخل في أسماء الله عزوجل وصفاته ولذا اهل الكلام لما أدخلوا عقولهم في أسماء الله عز وجل وصفاته ضلوا ضلالا مبينا
|