كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الثاني عشر
تفسير قوله تعالى :[سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ(2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ(3). {النور}.
أما بعد :
فقد قرأنا صدر سورة النور (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا) سورة : يعني هذه سورة أنزلناها - كما أنزل الله القرآن الكريم (وَفَرَضْنَاهَا) أي ذكرنا فيها أحكاما مفروضة، و قدرنا فيها حدودا مشروعة لم؟ (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) و هذا فضل من الله عز و جل ،أنه يبين لعباده ما يتقون به مساخطه ،و ما يؤدي بهم إلى عقوبته في الدنيا و الآخرة، فقد ذكر سبحانه و تعالى أحكاما و حدودا في هذه السورة (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) كما قال سبحانه و تعالى [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ] {التوبة:115} و هذا فضل من الله سبحانه و تعالى، و لا شك أن القرآن الكريم كله تذكرة و عبرة و عظة ، ثم قال سبحانه و تعالى مبينا أول حكم في هذه السورة (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) قال هنا(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) قدم الأنثى على الذكر بينما في آية السرقة قال [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ] قدم الذكر على الأنثى ، فما الحكمة من هذا التقديم للذكر في آية السرقة و للأنثى في آية الزنا ؟ الحكمة من ذلك و حِكَمُ الله تعالى كثيرة ( أن تقديم الأنثى هنا على الذكر لأن الزنا يحصل من المرأة أكثر من الرجل ،بمعنى أن سبل و طرق تحصيل الزنا من المرأة أيسر من الرجل ) الرجل لو خرج يريد امرأة يزني بها ربما لا يتيسر له ذلك، بينما المرأة لو خرجت لوجدت من يفعل بها ، بينما في السرقة قدّم السّارق على السّارقة، لأن السرقة في الرجال أكثر منها في النساء ، ثم بين حكم من زنا و هو غير محصن ، بمعنى أنه بكر لم يتزوج ، فإذا زنا البكر فحده في الدنيا أن يُجلد مائة جلدة سواء كان ذكرا أم أنثى ،و يغرّب سنة مع جلده مائة جلدة ، بينما إن كان متزوجا و زنى– نسأل الله العافية- يُرجم بالحجارة حتى يموت ، ثم ماذا قال تعالى (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ) يعني لا تحملنكم الرحمة و الرأفة أن تعطلوا حدود الله ، بعض الناس يقول كيف يُرجم الزاني ؟ كيف تُقطع يد السارق ؟ كيف يُقتل المحارب الذي يُفسد في الأرض ؟ يُقتل لأن في ذلك مصالح متعددة ، تُقٌطع يد السارق كي نحمي أيادي كثيرة، يُجلد الزاني البكر و يُرجم الزاني المتزوج من أجل أن نحفظ الأنساب ، من أجل أن نحفظ الأعراض، و لذلك قال تعالى (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ) إذا كان لديكم إيمان بالله و باليوم الآخر فلا تعطّلوا حدود الله ،فمتى تعطلت حدود الله في أي مجتمع، فإن الفساد سيكثر فيه و لا محالة ، ثم ماذا قال تعالى (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من باب العظة و العبرة ، سمى الله تعالى جلد الزاني غير المحصن،و رجم الزاني المحصن(عذابا) ، عذاب له في الدنيا حتى يتطهر من العذاب الأكبر الذي يكون في الآخرة ، و لم يقل الله تعالى ( فاضربوهم مائة جلدة ) دل ذلك على ماذا ؟ دل ذلك على أن المراد من جلده هو تطهيره و عدم قتله إن كان غير محصن، بمعنى أن يكون الضرب على الجلد ، و لا يبالغ فيه إلى العظم ، فكان التعبير بالجلد من باب أن يقع الضرب على الجلد ، و لا يوصل به إلى العظم ، ثم ماذا قال سبحانه و تعالى؟( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ما معنى هذه الآية ؟ معناها على أصح ما ذكره العلماء أن الإنسان إذا قدم على التزوج بزانية فهو أما أن يكون فاسقا غلّب هواه على حكم الله ، و إما أن يكون مشركا كافرا لا يُقربشرع الله ، و في هذه الآية تحريم الزواج بالزانية أو تزويج الزاني ، و من تزوج زانية فإن عقده باطل ، و من تزوجت زانياً فإن عقده و عقدها باطلان ، إلا أن يتوبا ، بمعنى أنه لو زنت امرأة ثم تابت من الزنا و ظهرت توبتها فإن النكاح بها صحيح ، لكن ما دامت زانية فلا يجوز الزواج بها ثم ماذا قال تعالى (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ) حُرم ماذا ؟ حُرم النكاح من الزواني ، (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ) وُصفهم هنا بالمؤمنين فدل هذا على أن من كان في قلبه إيمان لا يُقدم على الزواج من زانية و لو كانت جميلة أو كانت ذا مال أو كانت ذا حسب .
نسأل الله تعالى أن يحفظ ديننا و أعراضنا إنه و لي ذلك و القادر عليه ، و صلى اللهم على نبينا محمد و على صحبه و سلم |