كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الحادي عشر
تفسير قوله تعالى :[قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ(7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(9) أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11)]. {المؤمنون}.
أما بعد :
فقد قرأنا في هذه الليلة سورة المؤمنون ، و في مطلع هذه السورة قول الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ) ( قد ) هنا معناها التحقيق ، بمعنى أن فلاح المؤمنين قد تحقق و انتهى ، و هذا يدل على فضيلة أهل الإيمان ، بل قال بعض العلماء إن ( قد) تُقرّب من زمن حال المتكلم ، فلو قلت مثلا (قام زيدُ) فإن قيامه في الماضي ، إما قبل سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين أو ثلاث سنين ، لكن إذا قلت ( قد قام زيدُ) دل على أن قيام زيد قريب من زمن كلامك فاستفدنا من هنا فائدة ما هي ؟ أن المؤمنين قد ثبت و كمل فلاحهم و أنهم على هذه الحال ، و في هذا الحال مفلحون ، إذاً هم كُتب لهم الفلاح و ما ساروا عليه فلاح ، ما هو الفلاح ؟ الفلاح : هو الفوز بالمطلوب و النجاة من المرهوب ) يمكن أن يظفر الإنسان بخير و يصاب بضر ، و هذا ليس بفلاح حقيقي ، قد يُمنع عن الإنسان الضرر و لا يُصاب بخير و هذا ليس بفلاح حقيقي ، و إنما الفلاح الحقيقي الذي يسعد به الإنسان أن يظفر بمطلوبه و يُنجّى من مرهوبه ، فهؤلاء المؤمنون قد حصل لهم الخير ، و بَعُد عنهم الشر ،و نظير هذا قوله تعالى ،[أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] {يونس:62} مَنْ هؤلاء المؤمنون ؟ذكرهم الله تعالى و من صفاتهم (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) يعني إذا صلّوا خشعوا ، و سكنت جوارحهم ، و أخبتت قلوبهم فهؤلاء هم الخاشعون في صلاتهم ، و ذكر الصلاة في أول صفة من صفات هؤلاء المؤمنين يدل على فضل الصلاة ، و لذا سمّاها الله سبحانه و تعالى إيمانا كما قال تعالى [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ] {البقرة:143} يعني صلاتكم ، فدل ذلك على أن الصلاة طريق سريع للإيمان إذا كانت هذه الصلاة قد خشع فيها المصلي ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم يقول كما في السنن (ليس للرجل من صلاته إلا ما عقل منها ، و إن الرجل لينصرف من صلاته و لم يُكتب له إلا عشرها ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها، خمسها ، ربعها ،ثلثها ،نصفها ) فخليق بنا أن نتعاهد صلواتنا
الصفة الثانية : من صفات هؤلاء المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) اللغو : (هوما يُذم من الأقوال و الأفعال و يدخل في ذلك جميع الذنوب و يدخل فيها ما لا يُحمد العبد على فعله أو قوله ) و لذلك قال تعالى عن عباد الرحمن[وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا] {الفرقان:72} ما معناها ؟ معناها : (إذا مرّوا باللغو كرّموا أنفسهم من أن يلجوا في اللغو و الباطل الذي لا فائدة منه ) و معلوم من حيث الواقع أن الإنسان كلما قل لغوه حضر قلبه في صلاته ، و لذلك يقول ابن القيم رحمه الله ( من أسباب قسوة القلب كثرة الكلام ، و إذا قسى القلب قحطت العين ، فالعين طريق أو مرآة لما في قلب الإنسان ) و لذا لو دمعت العينان دل ذلك على أن هناك خشوعا في قلب هذا الرجل ) و لذلك يقول رحمه الله ( و ما ضرب عبد بذنب أعظم من قسوة القلب )
الصفة الثانية (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) الزكاة يدخل فيها الأعمال الصالحة بمعنى أنهم يزكون أنفسهم بالأعمال الصالحة و يدخل فيها زكاة الأموال و هذا يدل على ماذا ؟ يدل على أن الزكاة كما قال ابن كثير فُرضت في مكة ، أما مقاديرها و أنصبتها فقد فرضت في المدينة
الصفة الرابعة : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يعني ما تسروا من السرايا من الإماء ، أي أنهم غير ملامين على أن يأتوا نساءهم شريطة أن يكون ذلك الإتيان بضابطه الشرعي فلا يكون في الدبر و لا يكون في الفرج حال الحيض ، فإذا حصل غير ذلك فإنه يٌلام على هذا الفعل لقوله تعالى (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ) يعني الذين تجاوزوا حدهم و لو نظرنا إلى هذه الصفة و الصفة الثانية (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) لوجدنا أنهما من الضرورة بمكان أن يتخلق بهما المسلم لم ؟ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال ( أكثر ما يدخل الناس النار الفم و الفرج ) و قال صلى الله عليه و سلم ( من يضمن لي ما بين لحييه و فخذيه أضمن له الجنة )
الصفة الخامسة : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) ما هو العهد و ما هي الأمانة ؟ الأمانة و العهد يشتملان على حقوق الخلق و حقوق الخالق ،فإنهم يراعون حق الله و حق المخلوق في الأمانة و العهد
الصفة الأخيرة : (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) كرر الصلاة و ثنى بها لم ؟ في الأولى ذكر الخشوع ‘ فإذا كان الخشوع مطلوبا فإن هناك مطالبة بأصل هذا الخشوع و هو المحافظة على الصلاة ، المحافظة عليها في أوقاتها و على شروطها و أركانها (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ما هي المنقبة و ما هو الثواب الذي يظفر به هؤلاء ؟ (أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) إذاً هناك إرث و تركة في الآخرة ، ماذا يرثون ؟ يرثون الفردوس ، كيف يرثون ؟ يقول بعض العلماء ( ما يؤول إلى الإنسان يكون إرثا ، و لأن مآل المؤمنين إلى الجنة فتكون إرثا ) و لكن الصحيح ما جاءت به الأحاديث الأخرى أن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار من الجنة لو دخلوها ، فهناك منزل لكل إنسان في الجنة و في النار فإذا دخلوا النار ورث المؤمنون منازلهم في الجنة ، يرثون الفردوس ، ما هي الفردوس ؟ بيّنها النبي صلى الله عليه و سلم كما عند البخاري ( إذا سألتم الله فسألوه الفردوس الأعلى فإنه أوسط الجنة يعني ( خيرها و أفضلها ) و أعلاها و فوقه عرش الرحمن و منه تفجر أنهار الجنة ) وهذا الإرث إرث مخلد (الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) و يقتنعون بها كما قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا] {الكهف:108} لا يريدون أن يتحولوا عنها لأنها نعيم مقيم
نسأل الله عز و جل أن يدخلنا الجنة و يعيننا على الأعمال التي تقربنا إليها
و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
|