: تفسير آية
طباعة

  : تفسير آية
تفسير قولة تعالى{ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت }
 

 

 

 


تفسير

                  لفضيلة الشيخ زيد البحري

www.albahre.com

 

تفسير قولة تعالى{ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت }

فقوله عز وجل  { ألم } الهمزة هنا للاستفهام

والاستفهام هو طلب العلم بالشيء المجهول للسائل بإحدى أدوات الاستفهام ،وأداة الاستفهام هنا ( الهمزة )  ، ولتعلم أن جميع أدوات الاستفهام أسماء ما عدا أداتين [ الهمزة - هل ]  وهذا نستفيد منه فائدة وهي / ان القاعدة في الأصول [ أن أسماء الاستفهام تفيد العموم ] لم يقولوا إن أدوات الاستفهام تفيد العموم ، وإنما قالوا إن أسماء الاستفهام تفيد العموم ، ومن ثم فإن الهمزة حرف ، والاستفهام هنا ليس على بابه وإنما خرج لغرض آخر ، وذلك لأن الاستفهام قد يخرج من أصله إلى غرض آخر حسب السياق ، فالاستفهام هنا يفيد التقرير ، فيقرر عز وجل ، لأنه جل وعلا لا يخفى عليه شيء فخرج هذا الاستفهام عن أصله مع التقرير مع علمه عز وجل بما صنعه هؤلاء { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء }،ولم  : أداة جزمونفي وقلب ، فهنا جزمت الفعل المضارع ، تر   : فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة .وقلب ، لأنها قلبت الفعل المضارع إلى ماضي  { ألم تر } فيكون المعنى  أرأيت الذين أوتوا نصيبا من الكتاب .والفعل المضارع ( ترى) أهو من الرؤية البصرية أم من الرؤية العلمية ؟   لأن الرؤية نوعان ، رؤية علمية ورؤية بصرية .
الجواب / فالرؤية هنا رؤية بصرية لأنها عديت بإلى ، { ألم تر } الخطاب لمن  ؟ للنبي صلى الله عليه وسلم{ ألم تر إلى الذين أوتوا } { أوتوا } يعني أعطوا ، وهذه الكلمة تشعر بفضل الله عز وجل على العبد إذا أعطاه الله عز وجل علما ، لأن العلم فضل من الله عز وجل لكن ينظر إلى الذي أوتي هذا العلم ماذا صنع به ؟ أشكر الله عز وجل على هذه النعمة أم انه كفرها  ؟
وبالتالي فإن على طالب العلم أن يكون على حــذر مـما يلي :-

أولا :  ألا يغتر بعلمه فإن العلم قد لا يصون الإنسان العالم عن المعصية لم  ؟ لأن هؤلاء وقعوا في الشرك ، والكفر بالله عز وجل فالمعصية من باب أولى .

ثانيا : أن يشكر الله عز وجل على نعمة هذا العلم بتبليغه ونشره ، ولذا نرى أن هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ما نشروه بل إنهم كتموه وهذا واضح في آيات كثيرة ذكرها الله عز وجل عن أهل الكتاب .

ثالثا : أن العالم يستوجب علمه أن يكون على درجة عالية من التواضع ، فلا يفخر ولا يتبجح ولا يتباها  لم  ؟ لأنه لم ينل هذا العلم بحوله ولا قوته وإنما من الله عز وجل ، ولذا قال { أوتوا } ،

قال عز وجل { أوتوا نصيبا } النصيب  : هو الحظ ، والذي أوتي نصيب من العلم ولم يحافظ عليه أبتلي ببلايا ، قال عز وجل عن اليهود { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } إذاً هذه آثار نسيان نصيب من العلم .وقال عز وجل عن النصارى { ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به } ما النتيجة فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } فنشر بينهم العداوة والبغضاء .
ولذا قال تعالى { من الكتاب } أهذا الكتاب هو التوراة  ؟ أم التوراة والإنجيل  ؟فإن كان التوراة والإنجيل فإن هذا السياق يشمل اليهود والنصارى ، وإن كان المراد منه التوراة فإنه خاص باليهود ، قولان لأهل العلم ، والأصل أن الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ، لكن هذا النص جاء لسبب مما قد يدلل على أن المراد هم اليهود وذلك  ( أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ومعهم جماعة أتوا إلى مكة ليجتمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبوسفيان نحن لا نأمنكم حتى تسجدوا لأصنامنا فسجدوا ثم قال لهم أبو سفيان : أينا أهدى سبيلا  أنحن أم محمد؟ فنحن نذبح الكوماء ) وهي الناقة السمينة ، ( ونسقي الحجيج الماء مع اللبن ، ونخدم وفود الله إلى بيته أم محمد الذي قطع الأرحام ، وتبعه السرقة من غفار  ؟ فقالوا أنتم أهدى  ) فأنزل الله عز وجل هذه الآية { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذي أمنوا سبيلا أؤلئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } وقوله عز وجل { يؤمـنون بالجبت }

ما هو الجبت  ؟  أهو تعريف لكلمة أو لشيء واحد أم أن هناك أشياء تندرج تحت هذا الجبت  ؟ بعض المفسرين قال : إن الجبت هو السحر ، وبعضهم قال : هو الشيطان ، وبعضهم قال : هو الصنم ، وبعضهم قال : هو الكاهن ،والقاعدة في التفسير كما قال شيخ الإسلام رحمه الله : أن هذا في الأصل من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد ، لأن الاختلاف نوعان اختلاف تنوع واختلاف تضاد ، ثم ذكر رحمه الله قواعد تبين اختلاف التنوع من بين هذه القواعد / [ أن تفسر الكلمة بالمثال من باب إيضاح المعنى وتقريبه لا من باب الحصر ]  ، فيكون هذا من باب تفسير الآية بالمثال لتقريب الفهم إلى الناس ، لا من باب الحصر ، فالجبت:  اسم يدخل تحته أنواع كالسحر والكهانة والشيطنة وسائر ما ذكره المفسرون تحت هذه الكلمة فما ذكروه رحمهم الله إنما هو من باب تفسير الآية بالمثال ، وتفسير الآية بالمثال لا يعني الحصر وهذا ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله قال : إن غالب اختلاف المفسرين إنما هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد ، وقد ذكر عز وجل في سورة البقرة أن اليهود لما أعرضوا عن كتاب الله عز وجل ابتلوا بالسحر قال تعالى { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } ما العاقبة  ؟  { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان } فنلحظ من هذه الآية أن الشيطنة والسحر داخلان تحت مسمى الجبت، فخلاصة القول أن ما ذكر من أقوال لا اختلاف بينها ، فمن فسرها بالسحر أو بالشيطان أو بالكاهن أو بنحو مما ذكر فإن تفسيره صحيح ، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول : إن الإحاطة بكل ما ذكره المفسرون تحت الآية مما هو من نوع اختلاف التنوع يكون أبلغ وأكمل وأفهم لمراد الله عز وجل ، ولذا يقول رحمه الله إن من أتقن قراءة من القراءات السبع ليس كحاله كحال من أتقن أكثر من قراءة وليس حاله كحال من أتقن القراءات كلها، { والطاغوت }  الطاغوت : لو نظرنا إلى اشتقاقه اللغوي لوجدنا أنه مأخوذ من طغى أي تجاوز ، ولذا قال تعالى  { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية }     لما تجاوز حده المتعارف عليه جرى ما جرى ما اهلاك قوم نوح ،فالطغيان من حيث اشتقاقه اللغوي يدل على التجاوز ، 

الطاغوت : فسر بأنه من عبد من دون الله وهو راضٍ ، وقد ذكر الامام المجدد رحمه الله في الأصول الثلاثة : أن الطواغيت كثر ورؤوسهم خمسة / ذكر منهم :

1-   من عبد من دون الله وهو راضٍ. 

2-   من دعـا إلى عـبـاده نفـسه .

3-   مـن ادعـى عـلـم الغـيـب.

4-   من تحاكم إلى غير ما أنزل الله .

5-   إبـلـيـس فـهـو إمـامـهـم.

ولذا لو نظرت إلى هذه الأشياء لوجدت أنها داخلة تحت مسمى الطاغوت يجملها ابن القيم رحمه الله في قوله :  هو ما تجاوز العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.وسبق الحديث عن هذا ، ولذا لو نظرنا إلى حال اليهود لوجدنا أنهم تحاكموا إلى  غير ما أنزل الله   { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا  } فدل على أن ذكر الشيطان هنا مما يؤكد أن الشيطان داخل تحت مسمى الطاغوت .

{ ويقـولون للذين كـفروا هؤلاء أهـدى ـمن الذين آمنوا سبيلا }

هذه الجملة واضحة ووضوحها يفهم من ماذا  ؟ من سبب نزول الآية ، ولذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله كما في مجموع الفتاوى يقول : إن معرفة سبب النزول مما يعين على فهم الآية . ففي الآية السابقة لما أتوا إلى قريش وجرى ما جرى فيما ذكر من سبب النزول قالوا : من هو أهدى أنحن أم محمد  ؟ فقال اليهود : أنتم أهدى من محمد . فحكم الله عز وجل عليهم بقوله { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا }فلعنهم الله عز وجل وأتى باسم الإشارة الذي يشار به إلى البعد فلم يقل هؤلاء الذين لعنهم الله ، من باب الإشارة إلى القريب ، وإنما قال { أولئك } من باب الإشارة إلى البعيد مما يدل على بعد وعظم ما ذهب إليه من  قال بهذا القول فاستحقوا لعنة الله عز وجل .

 

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com