كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الثامن
تفسير قوله تعالى : [وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ]
أما بعد :
فقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء كوكبة من الأنبياء ،و كان فيما ذكر في هذه السورة قصة داود و سليمان عليهما السلام ،و قصة داود و سليمان ذكرها الله تعالى في سور منها (ص) و منها (سبأ) و منها (النمل) و منها ما ذكر في هذه السورة (الأنبياء ) ،فالمذكور هنا قوله تعالى( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) و معنى ذلك : أذكر يا محمد داود و سليمان ما شأنهما ؟ (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ) أي في الزرع (إِذْ نَفَشَتْ) أي رعت الغنم ليلا على محاصيل شخص فأفسدته (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) قصة هذه الغنم :أن هذه الغنم أتت على زروع شخص بالليل فأتلفت ما لديه من الثمار و المحاصيل فتحاكم الرجلان إلى داود عليه السلام فحكم داود عليه السلام بأن تكون الغنم لصاحب الزرع ، نظير ما أفسدته هذه المواشي ، فلما خرجا التقيا بسليمان، و معلوم أن سليمان ابن داود و هو هبة و منحة من الله تعالى إلى داود كما قال الله تعالى في سورة ص [وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ] هبة و عطية و منحة من الله عز و جل و أعظم ما في هذه الدنيا أن يُعطى ابن صالح (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) فكيف إذا كان هذا الابن نبيا ؟ فقال سليمان ماذا حكم لكما ؟ فذكرا حكمه ، بأن الغنم أصبحت لصاحب الزرع ، فقال سليمان ( كلا ) الحكم ليس هذا ، إنما يأخذ صاحب الزرع الغنم فيستفيد من لبنها و حليبها إلى أن يصلح صاحب الغنم هذا الزرع، فكان هذا هو الحكم الصحيح فماذا قال سبحانه و تعالى ؟ (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) المفهم هنا من ؟ سليمان على من ؟ على أبيه ،و لا يعني كما هي نظرة بعض الآباء أنه أعلم من ابنه ف كل الأحوال ،لا يمكن أن يكون هذا ، و لذلك إبراهيم لما خاطب أباه [يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ) لأن بعض الآباء يأنف من أن يقبل مشورةً من ابنه ظنا منه أنه أعلم منه، و ليس هذا بصحيح على كل الأحوال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) و كانت هناك قصة أخرى فُضّل الله فيها سليمان على أبيه داود ذكرها النبي صلى الله عليه و سلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه و سلم أخبر أن امرأتين لهما ابنان ،فعدى الذئب على ابن إحداهما فأكله فتحاكما إلى داود في هذا الابن ، كلا منهما تدعي أنه لها فحكم به داود للكبرى ظنا منه أن الكبيرة لها الحق ، و أن الكبرى أصدق من الصغرى فتحاكما إلى سليمان فماذا قال سليمان ؟ قال ( أعطوني السكين ماذا سيصنع قال شأشق الطفل نصفين نصف للصغرى و نصف للكبرى فقالت الصغرى : لا – لا تفعل هو ابنها ، فقضى سليمان عليه السلام به للصغرى لأنها أشفقت على ابنها من أن يُقتل ) فأستدل على شفقة هذه الصغرى على أنه ابن لها ، ثم ماذا قال تعالى (كلا آتينا حكما و علما) ليُفهم أن داود على درجة من العلم و الحكمة ، (وَكُلّاً) يعني من : داود و سليمان (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) ، (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) هذه نعمة من الله تعالى ،إذا سبح داود أو تلا الزبور تجاوبت معه الجبال و الطير ، كما قال تعالى في سورة سبأ ( [وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ] و قال ([وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ] و هناك نعمة أخرى لداود عليه السلام ، [وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ] يعني علمه كيف يصنع الدروع التي تقي الإنسان من ضربات الحروب ، و قد بين الله تعالى أنه ألان له الحديد و أساله كما يسيل الماء (وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ] فأمره سبحانه و تعالى أن يصنع دروعا سابغة تغطي بدن المحارب ، و أن يقدر حلقاتها تقديرا مناسبا ، ثم قال تعالى (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) يعني:يا آل داود هل أنتم شاكرون ، و قال بعض المفسرين ( هل أنتم يا كفار قريش شاكرون نعمة الله عليكم لما آتاكم هذا القرآن ثم قال سبحانه و تعالى (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) ما هي الأرض المبارك فيها ؟ الشام ،و وصف الله سبحانه و تعالى هذه الريح بأنها عاصفة أي : شديدة ، بينما وصفها عز و جل في سورة (ص) بأنها رخاء أي منقادة إذا أرادها سليمان ، لكنها عاصفة إذا انطلقت [قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ] {ص:36} يعني حيث أراد ،وهذه الريح غدوها شهر و رواحها شهر بمعنى أنها إذا سارت أول النهار إلى الزوال إذا سارت تقطع مسيرة شهر من المسافة ، و كذلك إذا سارت من العشي من بعد الزوال إلى المغرب تقطع مسافة شهر (و كنا بكل شيء عالمين) من علمه سبحانه و تعالى فيما يتعلق بهذه القصة من أن سليمان عليه السلام لما وُهب هذه النعم علم الله سبحانه و تعالى أنه سيشكر لذلك شكر ربه عز و جل و لذا قال تعالى كما في سورة النمل (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُر ) ثم منح سليمان منحة أخرى (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ له) أي يغوصون في البحار طواعية له ليستخرجوا اللآلئ و المجوهرات (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ) هناك من يعمل عمل آخر من جنس الشياطين (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) أي مباني مرتفعة يُصعد إليها بالدرج ( وَتَمَاثِيلَ ) أي صور و كانت الصور مباحة آنذاك في شريعتهم (وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ) أي آنية عظيمة كالأحواض الكبيرة (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)) يعني ثابتات (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ، قال تعالى (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) أي كنا حافظين لهذه الشياطين من أن ينسلخوا أو يزيغوا عن أمر و طوع سليمان عليه السلام ، و لذلك قال سبحانه و تعالى عن مردة الشياطين كما في سورة (ص) [وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ]) ثم ماذا قال سبحانه تعالى ؟ [هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] أي من أعطيته أو منعته فلا جناح عليك ، ثم أن هناك منقبة أخرى و هذا فضل من الله عز و جل يؤتيه من يشاء [وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ]
و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
|