كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس السابع
تفسير قوله تعالى : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ] {الأنبياء:25}
أما بعد :
فمما تلوناه في هذه الليلة قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ] {الأنبياء:25} هذه الآية تتحدث عن التوحيد ،و معلوم شأن التوحيد ، و المقصود بالتوحيد الذي أتت به الرسل صلوات ربي و سلامه عليهم أجمعين هو توحيد العبادة المعروف بتوحيد الإلوهية، فما أرسل الله تعالى الرسل و ما أنزل الكتب إلا من أجل توحيد الإلوهية، و لذا كل نبي يأتي يقول لقومه [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] قال ذلك إلى نوح إلى قومه ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ،و قال ذلك هود و قال ذلك صالح ،و كذا سائر الأنبياء عليهم السلام ،و لذا لو سئلت لماذا أرسل الله الرسل ؟ تقول أرسلهم من أجل توحيد العبادة الذي هو توحيد الإلوهية ،و لذا قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] {النحل:36} فكفار قريش يقرون بتوحيد الربوبية،و لكنهم لا يقرون بتوحيد الإلوهية ، و مع إقرارهم بتوحيد الربوبية فإن الله تعالى حكم عليهم بأنهم كفار، و لقد خلقنا الله في هذه الدنيا من أجل أن نعبده سبحانه و تعالى وحده ، فإذا عبدنا غيره كان العابد لغيره مشركا فالحكمة من خلقنا: العبادة [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] {الذاريات:56} ما الذي يصرف الناس عن عبادة الله؟ الدنيا ، و الدنيا لو تأملناها لوجدنا أن الله سبحانه و تعالى قد تكفل لنا بها ، فلما قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] ماذا قال بعدها ؟ [مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ] فرزقك مكفول لك [إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا] و لذا أنكر على من عبد معه إلها أخر [اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] {الرُّوم:40} أنظروا الخلق ذُكر أكثر من مرة و ذكر معه الرزق فدل على أن رزقك قد تُكفل به [اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] ما الجواب ؟ لا – و لذا نزه الله تعالى نفسه (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) و صح عنه عليه الصلاة و السلام أنه قال ( إن الرزق ليطلب ابن آدم أكثر مما يطلبه أجله ) إذا كان الإنسان يخاف من قرب الموت فإن رزقه أقرب إليه من موته ، و لذا قال عليه الصلاة و السلام كما عند ابن ماجة ( اتقوا الله و أجملوا في الطلب ) أي: خففوا من طلب الدنيا ( و لا يحملنكم إبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصيه فإن ما عند الله لا يطلب إلا بطاعته ) إذاً التوحيد هو حق الله على عباده ، و ذلك لما أردف صلوات ربي و سلامه عليه معاذ بن جبل على حمار قال له { يا معاذ فقال(لبيك و سعديك يا رسول الله )قال أتدري ما حق الله على العباد ؟ و ما حق العباد على الله فقال ( الله و رسوله أعلم ) قال : ( حق الله على العباد أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا ]أوجب الله تعالى حقا على نفسه تفضلا و كرما منه ، و لذا كلام الله سبحانه و تعالى في كتابه كله توحيد ،كله يدعو إلى توحيد [الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ] توحيد [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:3} توحيد لم ؟ لأن الله سبحانه و تعالى ذكر في كتابه الثناء عليه و هذا توحيد ، ذكر سبحانه و تعالى الثناء على من وحده و هذا توحيد ،و ذكر سبحانه و تعالى سبيل من وحده و هو الجنة و هذا توحيد ،و ذكر سبحانه و تعالى ما يكمل هذا التوحيد من الطاعات ، و ذكر سبحانه و تعالى ذم الشرك و المشركين ، و ذكر سبحانه و تعالى سبيل المشركين و هو النار ،و ذكر سبحانه و تعالى ما ينقص التوحيد من المعاصي أو ما يحبطه و هو الشرك، و لذا لو قال قائل ما التوحيد في قوله تعالى [وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ] {البقرة:228} أين التوحيد في هذه الآية ؟ التوحيد هنا أن المرأة لو طبقت هذه الآية و التزمت بها زاد إيمانها و كملت عبادتها، و بالتالي يكمل توحيدها، و لذا يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله ( كل آية في كتاب الله فهي تدل على التوحيد ) إذاً فمن أشرك بالله تعالى فقد هلك في دنياه قبل أخراه قال تعالى [وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] دل على أن المشرك في هلاك إضافة إلى ما يناله في الآخرة قال تعالى [إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ] وتوحيد الله سبحانه و تعالى لو جلسنا نتحدث عنه لتحدثنا عنه أوقاتا و أزمانا لأن الشرع كله جاء من أجل التوحيد ، فلذا خليق بالمؤمن أن يحمي و أن يحفظ و أن يصون نفسه من الشرك ، نسأل الله تعالى أن يحفظ لنا دينا و عقيدتنا و أمننا وأن ينفعنا بهذا القرآن العظيم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
|