كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الخامس
تفسير قوله تعالى :[ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى(9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى] {طه}. ا] {مريم:58}
أما بعد :
فقد قص الله عز و جل علينا قصة موسى عليه السلام [وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى] {طه:9} و نتطرق في هذه الليلة إلى جزء يسير من هذه القصة ، موسى عليه السلام - كما قص الله في هذه السورة و سور أخرى- تربى بيت فرعون، فلما كبر و حصل ما حصل و ضرب هذا القبطي ضربة حتى أرداه قتيلا خاف موسى عليه السلام أن يدركه فرعون فيقتله فذهب إلى مدين و قص الله عز و جل ما حصل بينه و بين ذلك الرجل الصالح إلى أن اتفقا أن يزوجه إحدى ابنيه على أن يكون أجيرا له يرعى الغنم ثماني سنين أو عشر سنين قال عز و جل [وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى]الخطاب موجه إلى رسولنا صلى الله عليه و سلم من باب التقرير ، نعم قد أتاه ، ذكره لقصة موسى من دلائل صدقه صلوات ربي و سلامه عليه {القصص:44} و لذا قال تعالى (،[وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ] الغربي : أي غرب موسى في ذلك الوادي [وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ] أي تلك القرون بينك و بين موسى قد اندرست و ذهبت ، و ذهبت معهم أخبارهم و علومهم لكن الذي أخبرك بها هو الله تعالى ، (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) أي ما جرى بين موسى و بين هذا الرجل الذي جعله أجيرا [وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ] {القصص:45} (وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)أي : أرسلناك يا محمد و أنزلنا عليك هذا الكتاب- ثم قال تعالى [وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إذ رأى نارا] متى رأى هذه النار ؟ رأى هذه النار لما قضى تلك المدة و هي عشر سنين مع ذلك الرجل الذي جعله أجيرا نظير أن يزوجه أحدى ابنتيه، و لما عاد من مدين إلى مصر رأى ذلك النور. قال تعالى [فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ ) أي الذي بينه و بين ذلك الرجل [رَأَى نَارًا] ، نارا باعتبار ما يظنه موسى عليه السلام، كما قاله معظم المفسرين ، و إلا هي ليست بنار و إنما هو نور، و قد أضل عليه السلام طريق مصر و كان الجو باردا (فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا ) كمال قال تعالى: (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)) يعني تستدفئون أو أجد على النار هدى أي هاديا يهدينا إلى طريق مصر ، فلما آتاها نودي [إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى] {طه:12} هذا الوادي مقدّس أي مبارك من أين أتته البركة ؟ أتته البركة من الله كما قال في الآية الأخرى [فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ] {النمل:8} و من قوله تعالى [فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الوَادِ الأَيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ] {القصص:30} أي الشجرة التي نبتت في هذه البقعة المباركة [إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى] {طه:12} ما اسم هذا الوادي ؟ طوى كما بين ذلك سبحانه و تعالى في سورة النازعات فأوحى الله إلى موسى أن يذهب إلى فرعون حيث أرسله الله عز و جل في ذلك الوقت إلى فرعون و لذا قال [وَأَنَا اخْتَرْتُكَ] اخْتَرْتُكَ أي : على غيرك (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ما الذي يوحى ؟ [إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي] {طه:14} انظروا عبادة الله هي التي أُرسل بها الأنبياء [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ] {الأنبياء:25} لكن ما الذي أتى بعد العبادة ؟ الصلاة ، و الصلاة كما هو معلوم من العبادة لكن لماذا خصها الله تعالى بالذكر ؟ لأن الصلاة هي أعظم أركان الدين بعد التوحيد ، و دل هذا على أن الصلاة كانت موجودة في الأمم السابقة و مما أُمر بها موسى عليه و سلم فدل ذلك على أن لها مزية و فضلا [وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي] {طه:14} ما معناها ؟ قال بعض العلماء ( إذا نسيت الصلاة فتذكرتها فصلها متى ما ذكرتها ) و قال بعض العلماء ( إذا أردت أن تذكر الله سبحانه و تعالى و تتقرب منه فعليك أن تصلي ) فصلاتك تذكر بالله عز و جل ثم قال تعالى [إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا] {طه:15} ألم يخفيها عز و جل ؟ بلى ، لكن لماذا قال أكاد أخفيها ؟ المشهور عند المفسرين أكاد أخفيها عن نفسي ، أي من المبالغة في كتمان الساعة كاد الله سبحانه و تعالى أن يخفيها عن نفسه ، و إلا فهو عالم بها عز وجل ، فهذا من باب المبالغة بأن الساعة لا يعلمها إلا الله سبحانه و تعالى ، (أَكَادُ أُخْفِيهَا) ما الفائدة من إخفاء الساعة ؟ ليجتهد العباد في طاعة الله ، و لذا قال بعدها (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) ثم انتبه يا موسى و هو توجيه لنا أيضا أن نستفيد منها لأن قصص الأنبياء فيها عبر و لذا قال تعالى [فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى] {طه:16} دل على أن إتباع الأهواء من أعظم الأسباب التي تمنع تذكر اليوم الآخر[فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى] لو حصل هذا فتردى و تهلك
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بهذا القرآن العظيم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
|