كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الرابع
تفسير قوله تعالى :[أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا] {مريم:58}
أما بعد :
مما تلوناه في هذه الليلة قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ ) إلى ما ذكره عز و جل من آيات عن هذه الكوكبة من الأنبياء الذين ذكرهم الله في هذه السورة فقوله عز و جل (أُولَئِكَ) المقصود به ما ذكرهم الله عز و جل في هذه الآية و من لم يذكرهم من الانبياء، كمال قال ابن كثير رحمه الله ، فهذه الآية لا تخص الأنبياء المذكورين في هذه الآية بل تتعداهم فقال سبحانه و تعالى ([أُولَئِكَ) اسم إشارة يراد منه البعد و لم يُرد منه القرب ، لم يقل هؤلاء ، و إنما قال ([أُولَئِكَ) ما فائدة الإشارة بالبعيد ؟ الفائدة من ذلك هو بيان أن هؤلاء قد وصلوا إلى هذه المنزلة الرفيعة ، و لا يمكن أن يصل إليها أحد بالأماني و لذلك وصفهم عز و جل بأنهم مُنعَم عليهم ما هي النعمة التي نالها هؤلاء ؟ الدنيا أم الدين ؟ الدين ، و لذا أعظم ما ينعم الله به على الإنسان نعمة الدين ، إذا أردت أن تعرف نعمة الله عز و جل على هؤلاء فأنت تقرأ في كل ركعة من صلاتك سورة الفاتحة ماذا فيها ؟ [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] نحن ندعو الله أن يهدينا صراط الذين انعم عليهم ما صراطهم ؟ [صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ] {الفاتحة:7} المغضوب عليهم اليهود ، و الضالين : هم النصارى ، إذاً من يتبع صراط اليهود أهو مُنعم عليه أم مسخوط عليه ؟ مسخوط عليه و من اتبع ملة النصارى كذلك ، فمن فارق هاتين الملتين ( ملة اليهود وملة النصارى) فإنه وشيك أن يكون في ماذا ؟ في صراط الله المستقيم ، و لذا في هذه الآية ما الذي بعدها ؟ (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ )هؤلاء اليهود و النصارى و من تبعهم و سار معهم من هذه الأمة ، ( أؤلئك الذين أنعم الله ) مثل نوح و إن كان الكل مما ذكرهم الله من ذرية آدم ، لكن التصنيف من باب التعظيم لهؤلاء الأنبياء ، (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ)] حملهم على ماذا ؟ على السفينة وهو إبراهيم عليه السلام (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ) كإسحاق و يعقوب، وَإِسْرَائِيلَ من هو ؟ يعقوب عليه السلام (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) يعني من جملة هؤلاء من هداه الله و سار مع هؤلاء فاجتباه الله عز و جل و هداه (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) لا يتلون و إنما تتلى عليهم ،و لذا يقول بعض العلماء ( إن من المناسب في بعض الأحيان لقلب المؤمن أن يُتلى عليه كلام الله و لا يتلوه ) و لذلك كان النبي صلى الله عليه و سلم كما في الصحيحين ماذا قال لإبن مسعود رضي الله عنه؟ قال ( إقرأ عليّ ، قال أأقرأ عليك و عليك أُنزل ؟ قال : إني أحب أن أسمعه من غير ) بل قال سبحانه و تعالى عن المؤمنين [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] بخلاف غيرهم، بعض الناس نسأل الله العافية يسمع الآيات و المواعظ و لا يستفيد منها ،بينما هؤلاء الصالحون المفضلون إذا تتلى عليهم آيات الرحمن (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) بينما غيرهم لا يصنعون هذا ، و لا يهتمون تمر عليهم الآية تلو الأخرى و لا ينتفعون بها و لذا وصف الله عباده المؤمنين في سورة الفرقان ( [وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا] بعض الناس تمر عليه المواعظ و الآيات و كأنه أصم كأنه أعمى ، مع أن الله أكرمه بنعمة السمع و البصر و لكنه لا يستفيد منها ، (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) عمر بن الخطاب لما قرأ هذه الآية فسجد رضي الله عنه قال :(هذا السجود فأين البكاء ؟) يوعظ نفسه أن يتشبه بأمثال هؤلاء ، ولا شك أنه رضي الله عنه أنه ممن سار على طريقتهم ، ماذا جرى ؟ ( [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي هذه الكوكبة الطيبة النيرة (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ) لم يقل لم يصلوا و إنما أضاعوا الصلاة ، يقول ابن مسعود رضي الله عنه ( إنهم ما تركوها كليةً و إنما أخروها عن وقتها ) فتضييع الصلاة هو تأخيرها عن وقتها ، و ما من إنسان يضيع الصلاة إلا و سيقع في كل رذيلة ، ما الذي بعدها ؟ (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) لم ؟ لأن الصلاة كما قال تعالى ( تنهى عن الفحشاء و المنكر ) فمن ضيّع الصلاة كما قال عمر رضي الله عنه فهو لما سواها أضيع ،و لذلك من ترك الخير و قع في الشر ، و من ترك الكلام الحق تكلم بالكلام الباطل ، و مقولة السلف رحمه الله ( النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية ) و لذلك اليهود لما تركوا كتاب الله - كلام الله – وقعوا في السحر اقرأ قول الله تعالى ( [وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] {البقرة:101}ما الذي بعدها [وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ){البقرة:102} إما طريق الخير أو طريق الشر لا طريق آخر ، و لذا يقول ابن القيم رحمه الله إن النفس مثل الرحى الدائرة التي لا تقف لابد أن تطحن شيئا فماذا عساك أن تضع فيها ؟ يقول رحمه الله بعض الناس يطحن حبا فيستفيد منه خبزا ، و بعض الناس يطحن حصى و رملا فيخرج له حصى وتبن و رمل و ما شابه ذلك ، فما عقوبة هؤلاء (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) الجزاء من جنس العمل ، يعني هلاكا و عذابا ،و من بين هذا الهلاك و العذاب وادي في جهنم يصلون حره و يتلقون شره لأنهم لما غووا واجهوا هذا المصير [إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] {البقرة:160} ثم فسر الجنة (جَنَّاتِ عَدْنٍ)أي إقامة – دائمة –( الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالغَيْبِ ) ما رأوها و لكنهم آمنوا بالله و بموعوده و عملوا الطاعة (مَأْتِيًّا) يعني آتٍ لا محالة ، ثم ما الذي بعدها [تِلْكَ] تلك تدل على البعيد يعني لها منزلة رفيعة و لا يمكن أن ينالها إلا الرفيع من هو الرفيع المذكور في هذه الآية [تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا]
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .
|