كلمات رمضان 1431 هـ
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الدرس الثاني
تفسير قوله تعالى :[وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا] {الكهف:32}
أما بعد فيا عباد الله /
مما تلوناه في هذه الليلة قول الله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) {الكهف:32} ما ذكره سبحانه و تعالى عن قصة رجلين مؤمن و كافر ، و القصص أيها الأحبة في الله الواردة في كلام الله فيها عبر و فوائد قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ] {يوسف:3}و قال [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ] {يوسف:111} و بين سبحانه و تعالى أن قصص الأنبياء فيها تثبيت لقلب النبي صلى الله عليه و سلم ، فإذا كان فيها تثبيت لرسولنا صلى الله عليه و سلم فمن باب أولى تثبيت لقلوبنا لأننا أحوج منه صلى الله عليه و سلم إلى التثبيت قال تعالى [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] {هود:120}(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) جعلنا لأحدهما أي: الكافر ، جنتين يعني :بستانين، بينما الفقير و هو المؤمن ليس لديه ما لدى هذا الكافر و نستفيد من هذا فائدة و هي : أن كثرة المال لا تدل على رضا الله عز و جل ، و أن قلة المال لا تدل على أن الله سبحانه و تعالى ساخط عليك ، كلا - فالأمور لا توزن عند الله بالأمور المادية ، جنتين من ماذا ؟ من أعناب و هاتان الجنتان من الأعناب حففناهما بنخل أي: في جوانبهما نخل (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) أي: بين الجنتين ، و هذا يدل على أنه ليس هناك مما يملكه هذا الرجل الكافر من هذين البستانين ليس فيه موضع خراب ،و إنما هي موضع خضرة ،و إضافة إلى ذلك (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا) و هذه هي أعظم متع الدنيا ، أن يرى الإنسان الماء و الخضرة ، و لذا جاء في حديث لكنه لا يصح و هو متناقل بين الناس على أنه مثل ،أو قول دارج و هو:( من السعادة الماء و الخضرة الوجه الحسن ) الشاهد من هذا أن الله سبحانه و تعالى أعطى هذا الرجل الكافر هذين البستانين ، و هذان البستانان يثمران ، (كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا) يعني : ثمرها ( وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي :لم تنقص منه شيئا ، و إضافة إلى ذلك كله كان له ثمر فما الذي جرى ؟ الذي جرى أن هذا المؤمن لما التقى بهذا الكافر ،رأى هذا الكافر أن له منزلة و رفعة على هذا المؤمن ، و مما يتنبه إليه الإنسان إذا أغناه الله بالمال يتنبه إلى عدم الطغيان لأن الإنسان إذا كان فقيرا كان متواضعا لكن في الغالب إلا من رحم ربي من أغناه الله سبحانه و تعالى طغى قال تعالى [كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى] {العلق:6} لم ؟ [أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى] {العلق:7} و قال تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ] {البقرة:258} لم ؟ ( أَنْ آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ ) و قال تعالى : [وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ] {الشُّورى:27} ، طغى هذا الكافر و قال للمؤمن أنا أكثر منك مالا و خدما و عشيرة و ولدا ، ( و دخل جنته ) ،و لم يقل جنتيه التعبير بهذا لأن الجنة هنا معناها الروضة ،و الروضة تشمل الجنتين ، أو كما قال بعض المفسرين ذكر إحداهما استغناءً بها عن الأخرى ،[وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ] بماذا ؟ بالكفر لما أعجبه حسن هاتين الجنتين فماذا قال ؟ قال : (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) لا - و أنكر البعث و قال كما في قوله تعالى :[وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا] {الكهف:36} و لئن رددت إلى ربي على زعمك أنت أيها المؤمن لأجدن خيرا منها منقلبا لم هذا الظن ؟ لأنه ظن أنه من أكرمه الله في الدنيا أكرمه الله في الآخرة ، و هذا خطأ قال تعالى [أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا] {مريم:77} فماذا قال صاحبه المؤمن ( [أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا] خلق أباك آدم من تراب ، و أنت من حيث الأصل نطفة ، ثم أكرمك الله أن بلغت مبلغ الرجال ، ثم أكرمك بهذا المال ، [لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا] معناه : لكن أنا أقول هو الله ربي و لا أشرك بربي أحدا ثم قال له منصحا :( لولا) يعني :هلا لو دخلت جنتك قلت (ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) يعني : هذا المال و هذه النعمة لا يمكن أن تبقى إلا بقوة من الله و بمشيئة منه ، فإذا رأى الإنسان خيرا على نفسه أو على ولده أو على ماله فليقل : (مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أو رأى على أخيه المسلم قال :( مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) تبارك الله ثم ماذا قال (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا] {الكهف:39} لما رأيتني أقل منك مالا و ولدا تكبرت و تعاظمت علي فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ، و يرسل عليها (حسبانا ) يعني : عذابا من السماء فتصبح (صعيدا زلقا ) يعني : أرض ملساء لا نبات فيها تزل بها الأقدام أو يصبح ماؤها غورا : أي غائرا بالأرض فلا تستطيع له طلبا ، فحلت به نكبة من الله فأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها و هي خاوية على عروشها و يقول : ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا] و لن ينفع الندم إذا نزل عذاب الله سبحانه و تعالى ففيها تذكرة و عظة ، لذا يجب علينا ألا نتعاظم إذا أكرمنا الله عز و جل بل إن العاقل كلما ازداده الله خيرا ازداد تقربا إلى الله سبحانه و تعالى ، و لا أفضل و لا أحسن مما ضربه الصحابة رضوان الله عليهم فإنهم لما خرجوا من مكة و هم فقراء كعبدالرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان و غيرهم من من الصحابة و تملكوا هذه الأموال الطائلة ، لم يتكبروا و لكنهم ازدادوا و تقربا إلى الله سبحانه و تعالى 0
والله أعلم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .
|