: بحوث علمية
طباعة

  : بحوث علمية
شرح حديث أبى سعيد الخدري
 

 

 

 


شرح حديث أبى سعيد الخدري

لفضيلة الشيخ زيد البحري

www.albahre.com

 

أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به ،

قال يا موسى قل لا إله إلا الله

قال يا رب كل عبادك يقولون هذا

قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأراضين السبع في كفة ولا إله الا الله في كفة مالت بهن لا إله الا الله ) رواه ابن حبان والحاكم وصححه .

الشرح:-

أبو سعيد الخدري / هو الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سنان الأنصاري مشهور بكنيته وكنيته أبو سعيد  ، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في أحد فاستصغره وهو صحابي وكذلك أبوه صحابي وهو من المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية

عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

كلمة ( عن  ) اذا ذكرت في السند فهي ما تسمى برواية العنعنة ورواية العنعنة في السند مقبولة اذا كان الرواي ثقة غير مدلس فإن كان مدلسا فإن الحديث لا يصح لعنعنته الا ذا كان هناك طريق آخر صرح فيه بالسماع وهناك من العلماء السابقين من هو مدلس الشاهد من هذا أن الانسان قد يكون اماما ومعروف بالصلاح والخير لكن عنده تدليس ، والتدليس أنواع منه ان يسقط الراوي عمن روى عنه اما لصغر سنه فيكون شيخه أصغر منه أو مثيله في السن فيسقطه أو انه يريد أن يتعدد شيوخه هذا بجملته والتدليس في أصله حرام  قال  : قال موسى ، هو موسى بن عمران وهو كليم الرحمن وقد جاء في كتاب الله عز وجل أنه كلمه الله عز وجل  { وكلمه ربه }

{ وكلم الله موسى تكليما } وتكليمه عز وجل لموسى لم تكن مرة واحدة فإن الله عز وجل كلمه لما رجع من مدين { فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا } إلى  ان قال { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين }

وكلمه الله عز وجل بعد ذلك { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك}

ولموسى عليه الصلاة والسلام من الفضائل الشيء الكثير فهو أفضل أنبياء بني اسرائيل وصفته كما أخبر النبي بأنه آدم يعني أسمر وانه طويل وانه نحيف وانه غير جعد يعني سبط الشعر وما ورد بأنه جعد فأصح القولين فيها كما قال النووي رحمه الله ان هذه الجعودة هي جعودة جسمه وهو من أولي العزم من الرسل وهم خمسة على أصح الأقوال [ نوح – ابراهيم – موسى – عيسى – نبينا عليهم الصلاة والسلام ]

قال عز وجل { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } وقال عز وجل  { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } ولذا قال عز وجل عن آدم { ولم نجد له عزما } وقال عز وجل { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذين أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى }

وقد أوذي عليه الصلاة والسلام كثيرا فصبر ولذا قال الله عز وجل عنه { يا أيها الذين أمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } وقال عليه الصلاة والسلام ( رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )

فله وجاهة كما أن عيسى له جاه قال عز وجل { اذا قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا و الأخرة }

وأفضل أولي العزم من الرسل النبي عليه الصلاة والسلام ثم ابراهيم ثم موسى واختلف العلماء في نوح وعيسى أيها أفضل ؟

وأما حديث( لا تفضلوا بين الأنبياء )فهو محمول على وجوه عدة من بينها اذا كان هذا التفضيل يفضي الى التنقص بالمفضول أو يؤدي إلى التعصب والحمية ،

قال موسى : يا رب .

كثيراً ما يدعو الأنبياء والصالحون باسم الرب عز وجل وهذا يدل على أن الربوبية نوعان:

1-    ربوبية عامة لجميع الخلق ، يربيهم ويغذيهم ويتولى شؤونهم جل وعلا ودخل فيها الفاجر و التقي

2-    ربوبية خاصة ، لأوليائه من الرسل والصالحين يربي ويغذي قلوبهم بالإيمان والطاعة وهي الربوبية الخاصة ، ولذا في كتاب الله عز وجل كثيرا ما يدعى باسم الرب قال تعالى { الذين يقولون ربنا إننا أمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } { ربنا هب لنا من أزواجنا وذريا تنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } والنصوص في هذا كثيرة

والسنة اذا ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يسلم ويصلى عليهم وقد جاء حديث حسنه الألباني رحمه الله ( إذا ذكر الأنبياء فسلموا عليهم فإنهم بعثوا كما بعثت ) والذي يظهر لي أن التسليم سنة وليس بواجب بينما الصلاة على النبي واجبة والدليل على أنها ليست واجبة لغيره من الأنبياء أنه عليه الصلاة والسلام يذكر بعض الأنبياء ولا يصلي ولا يسلم عليهم قال موسى كما هنا في قوله ( قال موسى ) ولم يقل قال موسى عليه الصلاة والسلام فيجب أن يصلى عليه متى ذكر فقوله عليه الصلاة والسلام ( البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي ) وقال عليه الصلاة والسلام ( رغم أنف أمريء ذكرت عنده ولم يصل علي ) قال عز وجل { يا  أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } والأمر يقتضي الوجوب وهذا الوجوب قال بعض العلماء يكفي فيه ان يصلى عليه مرة واحدة في العمر ولكن الصواب ان الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام واجبة متى ذكر ولكن ان ذكر في المجلس عدة مرات فهل يكتفى بواحدة  ، أم لابد من تكرار الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بتكرار ذكره ؟

قال بعض العلماء يكفي في المجلس الواحد ان يصلى عليه مرة واحدة لقوله عليه الصلاة والسلام ( ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله تعالى فيه ولا يصلون فيه على النبي الا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان ذلك المجلس عليهم ترة ) يعني حسرة وندامة والصواب انه يصلي عليه كلما ذكر لو في المجلس الواحد لقوله عليه الصلاة والسلام  ( البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي ) ولحديث ( رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصل علي ) واما الحديث الذي استدل به فليس فيه التنصيص على الصلاة عليه عند ذكره وانما فيه الأمر بألا يقوم أهل المجلس عن مجلسهم إلا وقد ذكروا في ثناياه الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام

قال : يا رب علمني

قوله ( علمني ) هذه صيغة أمر وهي أربع صيغ :-

[ صيغة أفعل – الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر  -  اسم فعل الأمر – المصدر النائب عن فعل الأمر  ] وهنا على صيغة افعل والأمر عند البلاغيين هو طلب الفعل من المخاطب على وجه الاستعلاء هذا في أصله ولكن قد يخرج عن هذا المعنى لوجود القرائن )

كما هنا فهل يمكن ان يوجه موسى عليه السلام طلبه الى الله على وجه الاستعلاء لا يمكن فإذن هذه صيغة أمر خرجت عن وضعها الأصلي ويراد منها الدعاء

وكلمة ( علمني  ) يستفاد منها ان الانسان مهما ارتفعت درجته وكثر علمه في حاجة الى العلم ولو طال به الزمن في الطلب ولذا أمر الله عز وجل النبي ان يقول { رب زدني علما } حتى الانبياء في حاجة ماسة الى العلم والعلم ليس له وقت محدد فوقته ينتهي بانتهاء حياة الإنسان ولا يظن عالم أو متعلم انه سيقف في يوم من الأيام بنيل علم من العلوم

قال : علمني شيئا أذكرك وأدعوك به )

فموسى سأل الله عز وجل شيئا وهذا الشيء يتضمن ذكره عز وجل ودعاءه فدل على أن الذكر غير الدعاء ولذا يفصل العلماء فيقولون أفضل الذكر قراءة القرآن ثم الذكر ثم الدعاء ولكن قد يطلق الذكر ويكون دعاء اما عند الاقتران فلكل له معنى يخصه كالفقير والمسكين والكسوف والخسوف ،

قال : قال  يا موسى ،

القائل هو الله عز وجل وفيه اثبات صفة القول لله عز وجل وهو يتكلم عز وجل بصوت يسمع وبحروف ومعاني متى شاء كيفما شاء بما يليق بجلاله وعظمته وقد قال البيهقي رحمه الله في كتابه الأسماء والصفات إن القول والكلام عبارتان عن معنى واحد والقول هنا من الله عز وجل فيه رد على هؤلاء وانه لو كان معنى في الازل لسمعه موسى  كله في مرة واحدة ولا تكون هناك حاجة ان يسأل الله عز وجل في مواطن متعددة وأيضا يستفاد منه ان كلامه عز وجل بما تقتضيه مشيئته وفيه رد على من قال انه معنى وحروف في الأزل وفيه أن الله عز وجل كلم موسى أكثر من مرة

قال : قل يا موسى

يا موسى / نداء وفيه بيان ان الكلام نوعان اما مناجاة واما مناداة فالمناجاة بصوت خفيض والمناداة بصوت رفيع فثبت له عز وجل نوعا الكلام ، من المناجاة والمناداة فالمناداة كما هنا قال يا موسى والمناجاة كما قال عز وجل { وقربناه نجيا }

قال : قل يا موسى : لا إله الا الله

وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد وهذه الكلمة هي كلمة  التقوى كما انها هي كلمة التوحيد قال تعالى عن أصحاب النبي { وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها }

قال جمهور المفسرين هي كلمة لا إله الا الله .

وقوله / يا رب كل عبادك يقولون هذا

يدل على أن كلمة التوحيد هي من أيسر وأسهل الكلمات التي تجري على اللسان وقد اقتضت سنة الله ان ما يضطر اليه الناس ان يجعله جل وعلا سهلا كالهواء مثلا ولما كانت الضرورة الدينية قائمة في احتياج الانسان الى هذه الكلمة كانت بهذه السهولة واليسر ومن يتأمل هذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التقوى وكلمة العروة الوثقى يجد أنها تضمنت حروفا جوفية ليست شفوية فكل حروفها من الجوف بينما لو نطقت بالفاء وجدت انه حرف شفي لا جوفي ومعنى هذا أن الانسان لو شاء ان ينطق بها وقد أغلق فاه لتيسر له ذلك

وكون حروفها حروفا جوفية يستفاد منها

أولا : خلوص العبد من الرياء فلو شاء ان يذكر الله عز وجل وفمه منغلق لتيسر له  ذلك فدلت هذه الكلمة على ان قائلها يتخلص من الرياء

ثانيا : تدل على أن منبع هذه الكلمة من القلب فالذي يقولها ولا يعتقد معناها بقلبه فلا تنفعه فالمنافقون يقولونها واليهود يقولونها والنصارى يقولونها ومع ذلك لا تنفعهم هذه الكلمة ثم ان حروفها مهملة والمهملة تختلف  لأن الحروف نوعان اما حروف مهملة واما حروف معجمة والمعجمة هي التي نقطت حروفها ، مثل الحاء والخاء فالحاء مهملة والخاء معجمة وجميع حروف لا إله الا الله مهملة ليس فيها نقط فيلزم ان يخلو قائلها من الشرك كما خلت حروفها من النقط فكون العباد يقولون هذه الكلمة يدل على يسرها وسهولتها كما سبق وهذه الكلمة قد قال النبي ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) وقد قال النبي كما في الحديث الحسن ( أفضل الذكر لا إله الا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله ) أخرجهما الترمذي

فقول موسى ( كل عبادك يقولون هذا )

فكلمة / يقولون ، تدل على ضرورة النطق بها وان المعتقد لها دون ان ينطق بها لا تفيده ونخلص من هذا الى أن هذه الكلمة نافعة لمن قالها واعتقد معنا

قال يا موسى /

سبق الحديث عن كلمة النداء ان فيه اثبات صفة من صفات الله وهي صفة المناداة وهي إحدى نوعي الكلام

وكلمة موسى ، قد قيل وليس هناك مستند واضح أن معناها الماء والشجر فالحرفان الأولان يدلان على الماء والحرفان الأخيران يدلان على الشجر

قال : يا موسى لو أن السماوات السبع

السماوات والأراضون كثيرا ما يذكرها الله في بيان عظم خلقه وفي بيان اثبات الاحياء مرة أخرى فبهما عز وجل يقرر الجزاء والمعاد قال عز وجل { ءأنتم أشد خلقا أما السماء } قال عزوجل { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا } وقال تعالى { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } وقال تعالى { أفلم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } وقال تعالى { ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب }

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا وهذا من باب ضرب المثال حتى ينطلق طالبا العلم اذا تلى كتاب الله عز وجل فيعرف ان الله عز وجل قد خلق هذين الخلقين وهما دليلان على عظم خلق الله عز وجل

فقوله( لو أن السماوات السبع )، وهذا فيه تنصيص على ان السماوات عددها سبع وقد جاء هذا مصرحا في كتاب الله في مثل قوله عز وجل { الله الذي خلق سبع سماوات } وهذه السماوات السبع ليست كتلة واحدة وإنما بينهما فوارق من المسافات فبين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة سنة وهذه السماوات السبع قد عرج بالنبي اليها وكلما أتى سماء طرق الباب واستأذن جبريل  فدل على ان هناك ملائكة في كل سماء وعدد الملائكة لا يحصيهم الا الله  عز وجل ولذلك أخبر النبي ان عدد الملائكة اذا نزلوا ليلة القدر أكثر من عدد الحصى قال عز وجل { تنزل الملائكة والروح فيها } قال عليه الصلاة والسلام عن البيت المعمور ( يدخله كل يوم سبعون ألف ملك اذا خرجوا منه لا يعودون إليه ) ففي كل يوم يدخله هذ العدد ثم لا يعودون اليه يوم القيامة ولذا قال النبي ( أطت السماء ) أي لها أطيت وصوت لثقل ما حملت ( وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وملك ساجد أو قائم لله عز وجل ولذا قال الله عز وجل عن هؤلاء الملائكة { وما منا إلا له مقام معلوم واما لنحن الصافون } قال النبي ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقال الصحابة رضي الله عنهم : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف )

وقوله ( وعامرهن غيري )

عامرهن / أي ساكنهن فالملائكة عمار السماوات قال عز وجل { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الله والنهار لا يفترون }

وقال عزوجل { فإن استكبروا فالذين عن ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون }

والملائكة محتاجة إلى السماء لأنها موطنهم ومسكنهم ثم استثنى عز وجل نفسه المقدسة قال ( وعامرهن غيري ) فهو لا يدخل عز وجل في هذه الموازنة لأنه عز وجل هو المثنى عليه فكيف يكون الثناء عليه أعظم منه ؟

وقوله ( وعامرهن غيري )

يستفاد منه اثبات صفة العلو علو الله عز وجل ثلاثة أنواع

علو الذات – علو القهر – علو الصفة

والبعض يدرج علو القهر في علو الصفة تقسيمها على ثلاثة أقسام أحسن وأولى لأن هذا من باب كمال الممدوح عز وجل ولذا قاعدة أهل السنة والجماعة أن صفات المدح تفصل ولا تجمل ففيه اثبات صفة العلو لله عز وجل وعلو الذات أنكرته المعطلة وقالوا لو قلنا انه في العلو لقلنا انه في جهة وهو منزه عن الجهات كما ذكروا ونحن نقول ان لفظ الجهة لا نثبته ولا ننفيه فنسكت عما سكت عنه الشرع

أما الجهة من حيث المعنى فتنقسم إلا ثلاثة أقسام

أولا : ان كانت جهة سفل فالله منزه عنها

ثانيا : إن كانت جهة علو تحيط به بعض المخلوقات فالله منزه عنها

ثالثا : ان كانت جهة علو لا يحيط به أي مخلوق ولا يحيط به شيء فلا مانع من ذلك

وقد ذكر بعض العلماء ان هناك أكثر من ألف دليل على علو الله عز وجل ولذا بعض من أضله الله عز وجل لما ضاقت نفسه من اثبات صفة العلو يقول أعاذنا الله وإياكم من الشبه والضلال يقول في سجوده سبحان ربي الأسفل ، وقد ذكر ابن ابي العز الحنفي في شرحه للطحاوية ان اثبات العلو جاء من عشرين صيغة

اما بالعلو المطلق كما قال تعالى { انه علي حكيم } وقال تعالى { سبح اسم ربك الاعلى }

او بالفوقية كما قال تعالى { وهو القاهر فوق عباده }

أو بالفوقية مؤكدة بمن { يخافون بهم من فوقهم }

أو بوجود بعض المخلوقات عنده { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته }

أو بنزول شيء قال تعالى { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }

أو بعروج شيء كقول تعالى { تعرج الملائكة والروح إليه }

أو برفع شيء إليه والصعود إليه في مثل قوله تعالى { اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه }

أو برفع بعض المخلوقات اليه كما قال تعالى في حق عيسى { بل رفعه الله إليه }

أو بالسؤال عنه بأداة أين كما قال النبي عند مسلم للجارية ( أين الله ؟ قالت في السماء فقال عليه الصلاة والسلام اعقتها فإنها مؤمنة )

أو بالاشارة اليه اشارة حسية كما أشار عليه الصلاة والسلام بأصبعه في خطبة عرفة أشار الى علو الله عز وجل وقد ضل من فسر الفوقية بالخيرية فقال في مثل قوله تعالى { وهو القاهر فوق عباده } قال بأن الفوقية بمعنى الخيرية خير من عباده كما يقال : الملك فوق الأمير وهذا الكلام نقصان في العقل لأن هذا أمر واضح كما لو قلت ان الثلج بارد أو قلت إن النار حارة لأن عظم الله مستقر في النفوس بل ان ضرب المثل بين الكامل والناقص فيه تنقيص للكامل

كما قال الشاعر الم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل ان السيف أمضى من العصى

فوضع المقارنة تنقيص ، لو قلت هذه العصا اضعف من السيف لانتقصت السيف ولكن يجوز ان تذكر هذه الخيرية في مقام الرد على المخالف كقوله تعالى عن يوسف { ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار }

وبما أن العلو قد خالف فيه هذه الطوائف فيرد عليهم من أن هذا العلو ثبت بطرق

أولا : عن طريق السمع وأدلته ما سبق

ثانيا : عن طريق العقل فإن العقل يقتضي أن العلو صفة كمال وان السفل صفة نقص ولذا لو سلمت علقولهم لما أنكروا العلو

ثالثا : عن طريق الفطر السليمة فإن الله عزوجل قد وضع في فطر الناس اثبات علوه عز وجل ودليل هذا أن الانسان اذا لجأ الى الله فقبل ان يرفع يديه اذا بقلبه يتجه الى العلو وهذه ضرورة فطرية ولو قال قائل ان قوله تعالى { ءأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الارض }

لو قال قائل : إن الله في السماء بدلالة هذه الآية وحديث ( وعامرهن غيري )

فيفهم أن الله في السماء

الجواب / ان السماء تطلق ويراد منها أمران

1-    جهة العلو

2-    السماوات المبنية

فإن قلتم ان السماء هو مطلق العلو فلا اشكال لأن كل ما علاك فهو سماء ولذا قال عز وجل { من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ }

يعني من لم يرض برسالة النبي فليربط حبلا في سقف بيته ثم يختنق به وليمت خنقا وغيظا

وهذا هو أحد الوجهين في تفسير الآية

وقال عز وجل { وأنزلنا من السماء ماء طهورا }

ومعلوم ان الماء ينزل من السحب والسحب ليست في السماء والمبنية وانما بين السماء والارض قال تعالى { والسحاب المسخر بين السماء والأرض }

وانما قال عز وجل { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } لأن السحب في العلو وان  كان المراد السماء المبنية فإن كلمة ( في ) بمعنى ( على ) { ءأمنتم من في السماء } أي على السماء كما قال تعالى { قل سيروا في الأرض } أي على الارض قال تعالى عن فرعون { لأصلبنكم في جذوع النخل } أي على جذوع النخل ، ولا يتصور عقل سليم ان الله عز وجل الخالق العظيم الذي وسع كرسيه السموات والأرض يحيط به شيء من مخلوقاته فالسماء لا تحيط به ولا تظله ولا تقله يعني تحمله ولذا من طرق اثبات صفة العلو التصريح بانه عز وجل في السماء كذلك من الطرق اضافة على ماسبق انه قد استوى على العرش وذلك لأن العرش أعلى المخلوقات ولا يدل على الله عز وجل محتاج الى العرش وهذا حديث سريع مختصر عن العلو الا فالحديث عنه يطول وقد توقفت في بيان هذه الصفة لأن هناك من المعاصرين في هذا الزمن ينكرون صفة العلو لله عز وجل فهذه امرارة سريعة عن العلو تكون بمثابة الرد القاطع الحازم بإذن الله تعالى على هؤلاء وقوله { والأراضين السبع في كفة )

فيه اثبات ان الاراضين سبع وجاء في غير هذا الحديث قول النبي ( من اقتطع شبرا من الارض

طوق من سبع أرضين يوم القيامة )

وفي رواية (يحمل ترابها إلى أرض المحشر )

فجاء في السنة المطهرة بذكر ان الارض سبع لكن لم يأت تصريح في كتاب الله عز وجل بأن الأراضين سبع الا عن طريق التلميح قال تعالى { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } فأخبر عز وجل ان الارض مثل السماوات والناظر الى الصفة والى الكيفية يرى ان السماوات غير الارض فهي تختلف فدل على ان المثلية في العدد لا في الصفة فيكون قوله تعالى {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } تكون المثلية في العدد ولو قال قائل لم لم تذكر الارض في كتاب الله عز وجل مصرحا بأنها سبع كالسماوات ؟

نقول والله أعلم ان عدم ذكر السبع في الارض وأن ذكرها في السماوات لأن حاجة الناس قائمة وواضحة بالنسبة لجميع السماوات وأما الأرض فحاجة الناس إليها إنما هي في الارض العليا التي يعيشون عليها   ، وهل هذه الأراضون بينهما فوارق ام انها كتلة واحدة ؟
يحتمل أن هناك فوارق بين كل ارض وارض للاشارة المذكورة في الآية وكما ان عدد السماوات سبع وبين كل سماء فواصل فكذلك الأرض ولظاهر حديث (من اقتطع شبرا من الأرض طوق من سبع أراضين )

وقد جاء حديث ولكن فيه ضعف ( أن ما بين كل أرض وأخرى مسيرة خمسمائة سنة ) وعلى كل حال فالمهم ان ينظر الانسان بعين البصيرة الى عظم خلقه عز وجل

وقوله : في كفة

هذا من باب الموازنة فلو كانت السماوات السبع مع عظمها ومن فيها ومع كثرة من فيها عمن لا يحصيهم الا الله عز وجل وكذلك هذه الأرض اذا كانت هذه الأشياء لو وضعت في كفة مع عظمها ووضعت كلمة التوحيد في كفة لخفت كفة السماوات والأرض ورجحت كفة لا إله الا الله وهذا يدل على عظم هذه الكلمة ولذا قال ( ولا إله الا الله في كفة مالت بهن لا إله الا الله )

أي رجحت بهن لا إله الا الله  رواه بن حبان

ابن حبان هو محمد بن حبان بن أحمد التميمي الشافعي

ومن شيوخه النسائي ومن طلابه الحاكم صاحب المستدرك وهو صاحب التصانيف كالصحيح فله كتاب يسمى بصحيح بن حبان وهناك كتب جمع فيها الصحيح وأول من جمع البخاري رحمه الله ومعلوم صحة أحاديث البخاري وكذا مسلم رحمه الله ولذا أصح من جمع في الصحيح بعد الصحيحين صحيح ابن خزيمة ثم صحيح ابن حبان ثم ما صححه الحاكم في المستدرك

وأما الحاكم فهو محمد بن عبد الله المحدث الشهير الذي سمع من ألفي شيخ منهم البيهقي والدارقطني وغيرهما والحاكم رحمه الله ممن عاش في القرن الرابع وكذلك بن حبان رحمه الله ممن عاش في القرن الرابع والحاكم له مستدرك هناك ما يسمى بالمستخرج وهي موضوعة على الصحيحين صحيح البخاري ومسلم فالمستخرج هو ان يأتي العالم الى أحد الكتب كصحيح البخاري ثم يأتي الى أحاديثه ويسوقها بسند يخصه غير سند صاحب الكتاب منها كمستخرج أبي نعيم والبرقاني وغيرهما وهذا يستفاد منه في الاسانيد فكثرة الرجال الذين رووا هذا الحديث تعطي فوائد في الاسناد

وأما المستدرك هو ما استدركه الحاكم على الصحيحين اذ قال ان الشيخين البخاري ومسلما قد تركا أحاديث هي على شرطهما فأتى بأحاديث ولذا يقول فيها اسناده على شرط الشيخين ولكن الشيخين رحمهما الله ما تركا هذه الاحاديث إلا لعلة بها ولذا يقول بن حجر رحمه الله إن الحاكم أحيانا يلفق أسانيد من الشيخين فيقول في السند الذي فيه رواة أخرج لهم البخاري وحده ورواة من هذا السند أخرج لهم مسلم رحمه الله يقول اسناده على شرط الشيخين وهناك مقولة جوزف  فيها وهي أن تصحيح الحاكم لا عبرة به وبعضهم قال ليس هناك حديث ذكره الحاكم في مستدركه على شرط الشيخين قال الذهبي رحمه الله : هذا غلو واسراف فأصبح البعض طرفي نقيض منهم من يرى عدم صحة أحايثه ومنهم من يرى ان أحاديثه كلها صحاح وقد لخصه الذهبي رحمه الله ولذا قد تقرأ عن حديث أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقد قال ابن حجر رحمه الله كلاما فصلا في مستدرك الحاكم قال إن الحاكم كتبه ولم يراجعه اذ وافته المنية قبل أن يراجعه فحصل ما حصل من خلل ، والحاكم صحح هذا الحديث

وهذا الحديث أعله بعض المحدثين ولكن هناك من صححه كابن حجر رحمه الله فيرى أن الحديث صحيح وعلى كل حال ففضل لا إله الا الله جاء في أحاديث كثيرة ففي صحيح بن حبان ما هو الضعيف وما هو المقبول لكن لا يلزم أن كل ما في صحيح بن حبان أنه صحيح ولا يلزم ان كل ما في صحيح ابن خزيمة انه صحيح وأما موافقات الذهبي فقد حصل له كما قال العلماء أغلاط في موافقاته للحاكم في بعض التصحيح والذهبي من الحفاظ وأغلاطه في موافقاته لتصحيح الحاكم لا تقلل من رتبة الذهبي وكنت قد قرأت قديما في سير أعلام النبلاء في ترجمة أحد العلماء ما كتبه حول المستدرك للحاكم انه لم يراجعه فلعل الذهبي أيضا لم يتسنى له ان يراجع موافقاته على تصحيح الحاكم كما هو الشأن في الحاكم وعلى هذا فلا يلزم من موافقة الذهبي للحاكم في تصحيحه لا يلزم ان يكون الحديث صحيحا وأيضا لا يظن أن جميع الموافقات انها مرفوضة بل ان هناك موافقات صحيحة لا أغلاط فيها وهذا يوقفك على على أن الانسان مهما علت مرتبته في الحفظ أو ي العلم فإن اصله النقص والسهو والغلط فيكون هذا نبراسا لطالب العلم الا يغتر بعلمه او بما يلقب به من الناس بألقاب قد توقعه في مخاطر من حيث لا يشعر قال عز وجل { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }

وهذا من رحمة الله عز وجل فإن الانسان اذا لم يذكر عنه الخطأ فربما اغتر او تكبر وتوقف عن الطلب ولكن اذا عرف انه جهل مسألة ما أو حصل له غلط في مسألة ما عرف حقيقة نفسه والموفق من وفقه الله

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com