كلمات رمضان 1431 هـ
الدرس الأول
تفسير قوله تعالى[أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا]
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على أله و أصحابه و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد :
فقد قص الله تعالى علينا فيما تلوناه في هذه الليلة قصة أصحاب الكهف ،و أصحاب الكهف في قصتهم عبر و عظة، و هذه القصة بيّن الله سبحانه و تعالى أنها ليست بأعجب ما قصه الله علينا ، لأن دلائل قدرة الله عز و جل كثيرة لمن وفّق في تدبّرها و تأمّلها [أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا] {الكهف:9} يعني أنهم ليسوا بأعجب القصص التي ذكرها الله في أخذ العبر و العظة.
أصحاب الكهف عددهم سبعة و الثامن هو الكلب الذي بصحبتهم، و لذلك تنازع مَن في عصر النبي صلى الله عليه و سلم، فبعضهم قال ثلاثة رابعهم كلبهم ، و قال آخرون خمسة سادسهم كلبهم، و وصف هذين القولين بأنه رجمُ بالغيب ،و سكت عن القول الثالث، فدل على أن الثالث هو الصحيح سبعة و ثامنهم كلبهم [سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا] {الكهف:22} يعني لا تتعمق في البحث و التقصّي عن عدد هؤلاء، لأن العبرة ليست في عددهم و إنما العبرة في حالهم، هؤلاء سبعة نشأوا في بيئة مشركة ،تعبد غير الله، فوفق الله هؤلاء الفتية إلى عبادة الله و التوحيد [إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ] {الكهف:13} ما الذي بعدها (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) وهذا يدل على من أكثر من الطاعة أعانه الله عز و جل على طاعات أخر كما قال تعالى [وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا] {مريم:76} و لذلك يقول ابن القيم رحمه الله كما الجواب الكافي:( إن الحسنة إذا عملها العبد قالت أختها اعملني ، و كذلك السيئة إذا عملها الإنسان قالت أختها اعملني ، فلا يزال يعمل السيئة تلو الأخرى حتى يختم الله على قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله عز و جل في كتابه ،و وفق الله هؤلاء الفتية و زادهم خيرا ( و ربطنا على قلوبهم ) من أعظم ما يمن الله به على عبده في المواقف الحرجة و لاسيما أمام الظلمة أن يربط على قلبه ، فهؤلاء وقفوا أمام ملكهم المشرك [إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا] {الكهف:14} و لذلك لما حصل لأم موسى ما حصل، ماذا قال سبحانه و تعالى [إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا] {القصص:10} و لذا عليك أن تسأل الله سبحانه و تعالى أن يربط على قلبك ،و لاسيما في المواقف الحرجة أمام الظلمة ، فأجتمع هؤلاء الفتية و قال بعضهم لبعض لو اعتزلتم قومكم ، فروا بدينكم [وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ] الكهف:16ففعل فماذا حصل لهم قال تعالى :( يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ) من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، إبراهيم عليه السلام لما اعتزل أباه و قومه، ماذا وهب الله له على الكبر ؟ إسماعيل و إسحاق [وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا] {مريم:50} يعني أن: الله سبحانه و تعالى سطّر لهم ثناءً في العالمين، فدخلوا الكهف ، فأثنى الله على كلبهم ،مع أن الكلب من أخس الحيوانات ،إلا أن الله أثنى على هذا الكلب في ضمن ذكر هؤلاء ، لأنه صحب الأخيار ، فدل على أن صحبة الأخيار لا ينال الإنسان منها إلا خيرا ،و لا أدل و لا أعظم برهانا من ذكر هذا الكلب الذي كان معهم، فذكر الله عز وجل حاله مع حالهم فكان هذا الكلب بالوصيد أي عند الباب ، باب الغار فكانت الشمس تشرق عليهم أول النهار و أخره ، و مع ذلك لم يصبهم حرّها ،و لذلك قال الله تعالى : [وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ] {الكهف:17} كرامة من الله سبحانه و تعالى لهؤلاء الفتية الذين فروا بدينهم فماذا صنع الله بهم ؟ أنامهم ثلاث مائة سنين بناء على الحساب الشمسي ، أو ثلاث مائة و تسع سنين بناءً على الحساب القمري ، من يراهم يظنهم أيقاظ مع أنهم رقود، قال بعض المفسرين :( فتّح الله سبحانه و تعالى أعينهم كأنهم أيقاظا ) و مع هذه المدة الطويلة قّلبهم الله عز و جل، قلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال حتى لا تأكل الأرض أجسادهم و لذلك الموتى إلا الأنبياء تأكل الأرض أجسادهم ، ثم مع هذا كله ألقى الله تعالى عليهم المهابة، فلو رآهم أحد لفر منهم مهابة و تعظيما[لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا] {الكهف:18} لكن الله سبحانه و تعالى أيقظهم من منامهم و كانوا قد دخلوا أول النهار، و إذا بهم يستيقظون آخر النهار بعد هذا العدد من السنين، فلما استيقظوا ظنوا أنهم ناموا يوما أو بعض يوم، لكنهم لما رأوا أحوالهم و طول أظافرهم و شعورهم، تبين لهم أنهم لم يناموا هذه المدة اليسيرة ، بل ناموا مدة طويلة و كانوا حينها جياعا، فبعثوا أحدهم بالورق -أي بالفضة - و كانت هذه العملة معهم منذ متى ؟! منذ ثلاث مائة و تسع سنين، فأرسلوا واحدا منهم ليختار لهم أجود الطعام و أحله ،و أمروه أن يترفق حتى لا يتنبهوا بشأنه ،لأن قومهم كفار فلو علموا بشأنهم و حالهم و اطلعوا على أمرهم فإنهم بين أمرين : إما أن يعودوا إلى ملتهم ( ملة الكفر ) فيخسروا دينهم، وإما أن يبقوا على دينهم فيرجموهم بالحجارة ، فأطلع الله سبحانه و تعالى قومَهم عليهم [وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا] {الكهف:21} ليعلم قومهم أن وعد الله حق من أن الساعة آتية لا ريب فيها ، لأن قومهم ينكرون البعث ، فلما أطلع الله قومهم عليهم تنازعوا في أمرهم ماذا يفعلون بهم بعد أن يموتوا ؟ هل يبنون عليهم بنيانا و ينتهي أمرهم ؟ ، أم يبنوا عليهم مسجدا تعظيما لهم ؟ فاستقر الأمر على أن يبنوا عليهم مسجدا (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) أي من لهم الغلبة و السلطة ، ففعلوا و هذا لا يجوز في شرع الله أن يُبنى على القبور مساجد، أو يُتعبد لله عند القبور ، لأن هذا وسيلة من وسائل الشرك .
هذا ملخص لما ذكره الله عز و جل عن قصة هؤلاء الفتية و هذا يدل على أن الفتية و الشباب ليسوا على شر مطلق فهناك من الشباب من فيه خير و صلاح ينفع الله به الأمة
نسأل الله عز و جل أن يوفقنا و إياكم للعلم النافع و العمل الصالح و أن يعيننا على الصيام و القيام و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
|