: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
معاني مختصرة من سورة الكهف 1
 

 

 

 


تفسير سورة الكهف (1)

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله /

من خصائص يوم الجمعة – كما ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد  [ أن تقرأ فيه سورة الكهف ] وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ، يعني من أذان الفجر إلى أذان المغرب ، كل هذا الزمن محلٌ لقراءة سورة الكهف ، سواء قرأتها جملة أو فرقتها في ثنايا هذا الزمن ، فإن الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق عليك ، هذا الحديث هو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كما في سنن البيهقي أنه عليه الصلاة والسلام قال ( من قرأ يوم الجمعة سورة الكهف أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) قال بعض العلماء معنى هذا الحديث : أن من قرأ سورة الكهف يجعل الله له نورا وانشراحا في صدره فيستقبل أسبوعه بحب ورغبة في الخير إلى الجمعة القادمة ، وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد رضي الله عنه عند البيهقي في شعب الإيمان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق ) والبيت العتيق : مكة .

ما معنى هذا الحديث ؟

قال بعض العلماء معناه : أن الله عز وجل يعطيه نورا عظيما مديدا في قبره وفي محشره ، بهذا القدر ما بينه إلى البيت العتيق مهما طالت المسافة .

وهذا الحديث قد قال بعض العلماء إنه موقوف على أبي سعيد رضي الله عنه ، ولو سلمنا بذلك فإن هذا الحديث من قبيل الحديث المرفوع حكما ، لأنه مما لا يقال بالرأي ولا بالاجتهاد ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم قال ( من حفظ العشر الآيات الأول من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ) وفي رواية أخرى عند مسلم ( من حفظ العشر الآيات الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ) هذه السورة – عباد الله – يقرأها المسلمون كل جمعة فخليق بنا أن نعرف معناها العام ، وهذا ما نحن بصدد الحديث عنه ، ولو تحدثنا عن تفاصيل هذه السورة لاستغرقت معنا زمنا طويلا ، ولكنني اقتصر على ذكر وقفات عاجلة يسيرة توضح معنى هذه السورة حتى إذا قرأها المسلم يقرؤها وهو على معرفة بمعناها ، قال الله عز وجل :

بسم الله الرحمن الرحيم

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } حمد الله جل وعلا نفسه ، لأنه لا يمكن لأحد أن يحصي ثناء وحمداً عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا نحصي ثناء عليك ) كما عند أبي داود ، ثم حمد نفسه جل وعلا ليعلم عباده كيف يحمدونه ، ثم هو جل وعلا حمد نفسه على إنزاله هذا القرآن ، مما يدل على أن أعظم المنح والنعم التي تمنح للعبد هي الدين كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة عن رسول صلى الله عليه وسلم ، وأن هذا القرآن سبيل وطريق إلى عبودية الله عز وجل ، ولذا وصف الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالعبودية { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا{1} أي اضطراب أو اختلاف ، ولذلك أكده جل وعلا فقال { قَيِّماً } مستقيما لا اعوجاج فيه ولا تناقض ولا اضطراب { لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ } أي لينذر عذابا شديدا من لدن الله عز وجل { وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً{2} مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً{3} هذا الأجر يمكث فيه عباد الله وهو الجنة

{ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً{4} مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ } ليست هناك حجة لهم في كون الله عز وجل قد اتخذ ولدا { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً{5} إنما هي مجرد كلمة عظيمة لا تتعدى أفواههم ولا شفاههم ولا ألسنتهم ، لا تتعدى هذه الجوارح ، ليس عليها دليل ولا برهان { فَلَعَلَّكَ } يا محمد { بَاخِعٌ نَّفْسَكَ } أي مهلك نفسك { عَلَى آثَارِهِمْ } إن تولوا { إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً{6} يعني حزنا وغضبا وهما عليهم ، كما قال عز وجل { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }فاطر8

{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا } هذه الدنيا هي نقيضة ما جاء به هذا القرآن ، مَنْ اتبع هذه الدنيا واستغرق فيها وانصرف عن القرآن ، فإنما هي زينة تشتاق إليها النفوس ، ولكن ما ختام الآية ؟ { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً{7} اختبار وابتلاء حينما زيَّن الله عز وجل هذه الدنيا ، ما النهاية ؟ { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً{8} أي تكون هذه الأرض يابسة لا نبات فيها .

{ أَمْ حَسِبْتَ } يا محمد { أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ } كتاب كُتب فيه أسماؤهم { كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً{9} ليسوا من أعجب آيات الله ، فمن تأمل ونظر وجد هناك عجائب ودلائل على قدرة الله عز وجل { إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ } لما أمروا بعبادة الأًصنام اعتزلوا قومهم

{ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً{10} وهذا الذي ينبغي للمسلم إذا ضاقت عليه الأمور أن يلجأ إلى الله ، فماذا صنع الله عز وجل بهم ؟ أنامهم ، ولذلك يقول ابن حجر رحمه الله في الفتح " من أصابته الهموم فأراد الله به خيرا أدخل عليه النوم " كما حصل لهؤلاء ، وكما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات ، وحصل لعائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك ، أمثلة كثيرة .

{ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً{11} ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً{12} تنازع أهل القرية كم لبث هؤلاء القوم من السنين ، فبين الله جل وعلا من أجل أن يبين أي الفريقين أضبط لما لبثوا أمدا { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ } من أراد الحق فليبحث عنه في هذا القرآن ، لا يلتفت إلى ما كُتب في الإسرائيليات وما شابهها { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} دل على أن الطاعة تولد الطاعة ، لما آمنوا بربهم زادهم الله عز وجل هدى ، بل هناك ثمرة أخرى ، وهي أعظم ما يحصل للعبد إذا ادلهمت به الأمور ، أن يربط الله على قلبه { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا } بين يدي الملك آنذاك الذي أمرهم بعبادة الأصنام { فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً{14} يعني جورا وظلما إن قلنا إن مع الله آلهة أخرى { هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } بحجة بينة { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً{15} من يتقول على الله عز وجل بفتيا أو ما شابه ذلك بغير علم فهو من أظلم الناس ، ثم قال بعضهم لبعض { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ } يبسط { لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً{16} أي ما ترتفقون به في هذه الدنيا ، وبالفعل من اعتزل من أجل الله عز وجل حفاظا على دينه في الفتن إذا خشي على نفسه فإن الله عز وجل يأجره على ذلك ، ولذلك لما اعتزل إبراهيم عليه السلام قومه وهبه الله عز وجل إسحاق ويعقوب على كبر من السن ، الشاهد من ذلك { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ } تميل { عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ } تعدل عنهم ذات الشمال { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ } يعني الشمس متسلطة على باب الغار ، لكن الشمس لا تأتيهم ، يأتيهم منها نسيمها وهبوبها من أجل أن يتجدد الهواء ، لكن الشمس الحارقة لا تضربهم ، وهذا من عجائب الله ، ولذا قال { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ }  من علامات قدرة الله عز وجل إذ سلطت الشمس على بابهم ولم تأتهم حرارتها ، ثم قال عز وجل { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً{17} من أضله الله عز وجل فلا يمكن أن يهديه أحد ، ومن هداه الله عز وجل فلا يمكن لأحد أن يصرفه عن طاعته ، وهذا دليل على أن العبد محتاج إلى عون من الله عز وجل ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن ماذا قال لمعاذ رضي الله عنه ؟ - أنا أذكر بعض الوقفات اليسيرة ، وإلا فالسورة فيها من الفوائد الشيء الكثير – (قال : يا معاذ إني أحبك ) ما دلائل هذه المحبة ؟ ( قال لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) لأن العبد محتاج إلى عون من الله عز وجل في هذه الدنيا على طاعته .

{ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ } لأن أعينهم منفتحة { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } حتى لا تأكل الأرضة أجسادهم { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يعني بفناء الكهف عند الباب ، وقد مدح الله عز وجل الكلب ، مع أن الكلب من أخس الحيوانات ، مدحه الله عز وجل لما صحب هؤلاء الأخيار ، فدل على أن صحبة الأخيار فيها خيرٌ عظيم ، ولذلك في الحديث القدسي ( قالت الملائكة يا رب فلان معهم ليس له حاجة إنما مر فجلس معهم ، قال هم القوم لا يشقى بهم جليسهم )

{ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً{18} أعطاهم الله عز وجل هيبة ، فمن رآهم فرَّ وهرب ، حفاظا عليهم في منامهم ،

{ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأن هذه الآية تشير إلى أنهم دخلوا في أول النهار ، فكأنهم استيقظوا آخر النهار ، فقال بعضهم { لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } وهذا ليس بغريب ، فالله عز وجل سمى ما يكون في القبر رقادا { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 .

{ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ } بهذه النقود ، وهذه الآية دليل على الوكالة ، وكَّلوا شخصا ليأتي لهم بما لديهم من النقود ، وهي نقود قديمة ، وهم يظنون أنهم لم يناموا إلا شيئا يسيرا { فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً } أحسن طعاما وأحله ، لأن قومه آنذاك كانوا يعبدون غير الله عز وجل { فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } مما يدل على أن التلطف والرفق فيه خير عظيم { وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً{19} لم ؟ { إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } يعني يطلعون على حالكم

{ يَرْجُمُوكُمْ } يقتلوكم بالرجم بالحجارة { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ } الشرك { وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً{20} لو عدتم إلى ما كانوا عليه ، لأن الشرك لا فلاح فيه ولا نجاة ، إنما هو الخزي والعار والنار { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } أطلع الله عز وجل قومهم عليهم { لِيَعْلَمُوا } أي قومهم

{ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } في أمر هؤلاء الفتية ماذا يصنعون بهم ؟ أيدفنونهم بالتراب ؟ أم يقيمون عليهم مسجدا ، وهذا من وسائل الشرك { فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } ادفنوهم وينتهي الأمر ، وهذا صنف ، وقال الصنف الآخر ا لذي استحسن هذا الأمر ، وهو غير مستحسن في شرع الله { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ } أهل السلطة { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً{21} سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } اختلفوا الآن في العدد ، من هم ؟ من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما تناقله أهل الكتاب { وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ } يعني ما نصوا عليه من العدد هو رجم بالغيب لا دليل عليه ، فدل على أن هذين القولين غير صحيحين ، وقال فريق ثالث { وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } ثم سكت ، دل على أن هذا القول هو القول الصحيح ، أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، ثم قال عز وجل { قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً } يعني أن الإنسان لا يتوقف على بعض الأشياء التي لا تُعيد عليه نفعا في دينه ، علمنا أنهم سبعة ، أنهم ستة ، أنهم خمسة لا فائدة ، لأن الإنسان مطالب بأن يبحث عما يفيده في دينه ، فقال جل وعلا { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً{22} لا تستفت أهل الكتاب فيهم ، فدل على أن الواجب على المسلم إذا استفتى شخصا لا يستفتي إلا شخصا ذا ديانة وذا ورع وذا تقى ، ولذلك نهى الله عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستفتي أهل الكتاب ، لأنهم ليسوا بورعين ولا أتقياء ، نهاه أن يستفتي أهل الكتاب في عدد هؤلاء الفتية .

{ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ } لما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خبر أهل الكهف ؟ ( قال سأخبركم غدا ) ولم يقل ( إن شاء الله ) نسي صلوات ربي وسلامه عليه {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } يعني إذا ذكرت فقل المشيئة ، وإذا حصل لك هذا مرة أخرى فنسيت في المرة الأولى لا تنس في المرة الثانية أن تقول إن شاء الله إذا أردت أن تُخبر عن شيء مستقبل ، وقال بعض العلماء من نسي شيئا فليذكر الله ، فإذا ذكر الله فتح الله له ما يدله على ما نسيه أو ضله { وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً{24} انظروا – كلٌ واجب عليه أن يلجأ إلى الله وأن يفتقر إليه ، حتى رسولنا صلى الله عليه وسلم { وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً{24} لعل هذه القصة تكون دليلا على صحة نبوتي وغيرها من القصص .

{ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً{25} لبثوا ثلاثمائة سنة على الحساب الشمسي{  وَازْدَادُوا تِسْعاً{25} يعني ثلاثمائة وتسع سنين على الحساب القمري بالهلال {  قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } يعني ما غاب في السماوات والأرض { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } يعني ما أعظم بصر الله الذي أحاط بكل شيء ، وما أعظم سمع الله الذي أحاط بكل شيء { مَا لَهُم } يعني أهل السماوات والأرض { مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً{26} لأنه هو الكامل عز وجل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

 

أما بعد : فيا عباد الله /

يقول الله جل وعلا :

{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } اقرأ كلام الله عز وجل ، ولن يبدل أحدٌ كلام الله ، ومما يدل على عظمة الله وعظمة كتابه ، أنه بقي تلك السنين ولم تستطع أئمة الكفر أن تناله بسوء أو تغيره أو أن تبدله { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} لم ؟ {  تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } فصلت42

{ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً{27} لن تجد ملجأ ولا مهربا ولا مأمنا من الله جل وعلا { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } لما قالت صناديد الكفار يا محمد سنؤمن بك ولكن عليك أن تعزل هؤلاء الفقراء وتجعل لهم مجلسا ولا تجمعنا بهم ، فقال عز وجل { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً{28} إلى تفريط وإلى شر ، فلا تتبع هؤلاء ، ولذلك يجب على المسلم في بيئته أن يختار المجالس الطيبة التي لا تودي بالغفلة إلى قلبه { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } بُينت الدلائل والعلامات والحجج والبراهين ، وهذا تهديد من الله عز وجل ، مَنْ كفر { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } يعني ما يحيط بها – نسأل الله العافية -  { إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ{8} فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ{9} كما قال عز وجل { وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء } انظروا إلى العذاب النفسي ، كأن هناك استبشارا سينالهم ، لكن يأتي العذاب النفسي { كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً{29} أي ما يرتفق به ، وليس في النار ارتفاق  ولا خير ، لكن ذُكر الارتفاق في أهل النار مقابلة مع ذكر المرتفق في أهل الجنة ، كما سيأتي إن شاء الله ، قال عز وجل { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً{30} أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } إقامة { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } جمع أسورة { مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } أي ما رق من الحرير وما غلظ منه { مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ } على الأسرة التي في البيوت المزينة { نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً{31}

نسأل الله عز وجل أن نكون من أهل الجنة ، وللحديث تواصل إن شاء الله تعالى في الجمعة القادمة .

الخاتمة : ................

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com