: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
الصحة 00المال00الولد00الهم
 

 

 

 


 ( الصحة والمال والولد والهم  )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله /

الصحة والمال والولد والهم ، هو أكثر ما يهم ويقلق ابن آدم – الصحة – المال – الولد – الهم ، هذه تُقلق ابن آدم في حياته ، وهذه المحاور نسلط الضوء عليها من كلام ربنا عز وجل ، حتى ندرك ونعلم علم اليقين عظمة هذا الكتاب العظيم ، يقول الله جل وعلا { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{83}

{ وَأَيُّوبَ } يعني اذكر يا محمد أيوب ، ما قصته ؟ { إِذْ نَادَى رَبَّهُ
} لم يفزع لأحد الخلق ، لم يهرع لأحد من الناس ، وإنما شكا بثه وألمه وضره إلى الله ، كما قال يعقوب عليه السلام { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يوسف86 .

لكن ما فحوى هذه الشكوى ؟ { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } لم يفصل عليه الصلاة والسلام ، لأنه يعلم أن الله عالم بحاله ، ولم يقل يا رب مسستني بضر ، تأدبا مع الله ، ما الذي مسه ؟ الضر ، تأدبا مع الله عز وجل ، مع أن خالق الخير والشر هو الله سبحانه وتعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ }الزمر62 ، لكن هذا من باب التأدب مع الله ، ثم ماذا ؟ {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{83} تكفيني رحمتك ، ولذا قال عز وجل في سورة ص { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا } يعني اذكر يا محمد { عَبْدَنَا أَيُّوبَ } وانظروا ما هي الصفة التي اتسم بها أيوب عليه السلام ؟ العبودية ، إضافة تشريف وتكريم { إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ{41} مسه الشيطان ، نسب الشر إلى الشيطان ، مع أن الكل من الله ، هذا من باب التأدب مع الله عز وجل { بِنُصْبٍ } يعني بضر {وَعَذَابٍ } ألم ، وإني لأعرف شخصا أصيب بمرض تحير الأطباء في معرفته ، فكان يلهج بدعاء الله عز وجل أناء الليل وأطراف النهار بالشفاء ، وكان من بين ما يدعو دعاء أيوب [ رب مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ]

هذا يدل على ماذا ؟ يدل على أن العبد فقير محتاج إلى الله عز وجل ، يجب عليك أن تنطرح  بين يدي الله وأن تفتقر إلى الله ، ما النتائج ؟

{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ } ما الطريقة التي زال بها مرض أيوب عنه ؟ أمره الله تعالى أن يركض برجله من باب فعل السبب ، أنت يا عبد الله ، أنت يا مريض أنت يا عليل ، عليك أن تفعل الأسباب الشرعية والحسية للشفاء ، ومن أعظم الأسباب أن تدعو الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار وأن تتعرض لرحمته بأن يشفيك كما شفى أيوب .

{ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ{42}

{ مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ } غسل ظاهر بدنه { وَشَرَابٌ } شرب منه فزال مرضه الباطن ، زال الداء ، زال الألم الظاهر والباطن ، وأما ما يذكر في بعض كتب التفسير ( من أن أيوب عليه السلام أصيب بمرض تناثر لحمه ونفر الناس منه ) فإن هذا لا يصح نسبته إلى الأنبياء البتة - كل هذا من الإسرائيليات التي يجب أن تُرد وألا تذكر وألا تكتب في الكتب- وكان عليه السلام قد افتقد ماله ، ولذلك في صحيح البخاري ( لما اغتسل تساقط عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب عليه السلام يجمعه ، فيقول الله سبحانه وتعالى له يا أيوب ألم أكن أغنيتك عن هذا ؟ فقال يا رب لا غنى لي عن بركاتك ) المال بركة ، لكن متى ؟ إذا صرف في وجوه الخير ، إذا صرف في الوجه الشرعي ، كما سماه الله سبحانه وتعالى في كتابه خيرا ، وصف المال بأنه خير باعتبار ما يؤول إليه إذا أحسن العبد استخدامه ، مات أهله فأحياهم الله عز وجل وأعطاه نظيرهم { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } ثم ماذا ؟ { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أن يفعلوا مثلما فعل أيوب عليه السلام ، أن يتقربوا إلى الله في السراء والضراء ، من كان عليلا فعليه أن يتزلف إلى الله ، أن يتقرب إلى الله { رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{84} من هو العابدون ؟ هم أصحاب العقول ، كما قال عز وجل في سورة ص { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ{43} وكان أمر قد حصل بينه وبين زوجته فحلف أن يضربها ، فأمره الله عز وجل أن يأخذ ضغثا من الحشيش أو من الأشجار عدده مائة وأن يضربها ضربة واحدة حتى لا يحنث ، لأنه حلف أن يضربها مائة ضربة ، فقال تعالى { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً } تأملوا ، كأنها علة  { وَجَدْنَاهُ صَابِراً } صفة من لم يتخلق بها لم يظفر بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ{44} رجَّاع إلى طاعة الله عز وجل .

ثم قال عز وجل { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ{85} وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ{86}

إسماعيل قد ذكره الله عز وجل في كتابه في قصته مع أبيه لما أراد أن يذبحه فصبر ، كما وصفه الله عز وجل بأنه من جملة الصابرين كما هنا { قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }الصافات102 { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ } لأنه صدق ما وعد به أباه { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً{54} وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً{55} .

إدريس عليه السلام  { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً{56} وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً{57}

وأما ذو الكِفل ، سمي بهذا الاسم إما لأنه تكفل بطاعة الله عز وجل أن يصوم نهاره وأن يقوم ليله ، أو تكفل بحراسة وصيانة الأنبياء أو أمر من الأمور ، فالله أعلم بذلك ، لكن هذا ما ذكره بعض المفسرين ، ولذا قال عز وجل { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ }ص48 .

نأتي إلى المحور الثاني :

{ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ{88}

{ وَذَا النُّونِ } يعني يونس عليه السلام { النُّونِ } الحوت ، يعني صاحب الحوت { إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً } غاضب قومه ، قيل : إنه واعد قومه أن ينزل عليهم عذاب الله ، فتأخر فغاضبهم لما لم يؤمنوا به فخرج ، فجرى له ما جرى من ركوب السفينة ، فماذا قال عز وجل :

{ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{139} إِذْ أَبَقَ } يعني هرب { إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ{140} إلى السفينة المملوءة ، فجرى ما جرى لهذه السفينة من عدم الاستقرار ، فقالوا إن هناك عبداً قد أبق من سيده { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ{141} فأجروا قرعة ، فوقعت القرعة على يونس فقذف في البحر { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ{142} يعني وهو آتٍ بما يلام عليه ، لأنه لم يكن لديه صبر في تلك الساعة وتلك اللحظة

{ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ } دون أن يمسه بضر ، فماذا كان دعاؤه في تلك الظلمات ، ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }الأنبياء87 ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما دعا بها شخص إلا استجيب له ) هو اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب ، وإذا سئل بها جل وعلا أعطى ، ولكن لم يكن يونس عليه السلام قليل الذكر قبل أن تحصل له هذه الحادثة ، وإنما كان يذكر الله كثيرا قبل أن تحصل هذه الحادثة ، ولذا قال تعالى { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ{143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{144} فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ{145} نُبِذ بالساحل وهو عليل مما أصابه من الغم في بطن الحوت ، وأنبت الله عز وجل عليه شجرة القرع { وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ{146} وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ{147} فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ{148} يونس عليه السلام أُعطي في قومه خاصية دون سائر الأنبياء ودون سائر الأمم ، وهي أن أي أمة ترى عذاب الله ينزل بها فلا نجاة ، أما يونس فقد رأى قومه عذاب الله فنجاهم ، ولذا قال سبحانه وتعالى { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } يونس98 .

هذا هم ، غم ، حزن ألم بيونس عليه السلام ، ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله [ إن الهم والحزن والغم بينهم اختلاف ، فالحزن هو ما يقلق ابن آدم فيما مضى ، والهم هو ما يقلق ابن آدم في المستقبل ] يهتم بالشيء الذي لم يقع [ والغم هو الذي أصابه في حاضرته وفي أوانه ] فماذا قال سبحانه وتعالى ؟

يا مغموم ، يا مهموم ، يا محزون ، عليك بكثرة  ذكر الله ، ومن أعظم الذكر ما قاله سبحانه وتعالى عن يونس { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{87} ما النتائج ؟ { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ } انتهى ؟ لا ، أين أنت ما مؤمن ؟ هذا الفرج الذي حصل ليونس عليه السلام ليس خاصا به ، بل لكل مؤمن ، واسمع إلى ختام الآية حتى تعرف ثمرات وفوائد الإيمان { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ{88} .

انتهى المحور الثالث ، لأن أيوب عليه السلام قصته في الصحة والمال ، والمحور الثالث هو الغم والهم في قصة يونس عليه السلام .

إذاً ما هو المحور الرابع ؟

قصة الولد ، الذي لم يأته ولد وكان عقيما ، وإني لأعرف أناسا قد أصابهم العقم فرزقهم الله عز وجل الولد على الكبر ، لكن متى ؟ إذا اتقى العبد ربه ، والله متى ما عظم الله سبحانه وتعالى والإيمان في قلب العبد فإنه الخير والرزق والفرج يأتيه ، زكريا عليه السلام افتقد الولد ، ماذا قال عز وجل عنه ؟ 

{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{89} لأن من المتع لابن آدم أن يرزق الولد ، ولا سيما إذا كان على كِبَر ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الحسن والحسين هما ( ريحانتاي أشمهما ) وما ألذ الأطفال في سن الصغر ، وكان يقصد زكريا عليه السلام بهذا الدعاء أن يأتي له ولد يرث النبوة من بعده ، لأنه رأى بني إسرائيل قد حرَّفت دين الله لما ماتت الرسل { رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{89} لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يبقى بعد زوال المخلوقات كلها ، فماذا قال عز وجل{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } كانت عقيما فأصلحها الله عز وجل ، فوهبه الله يحيى ، لكن ما هي الصنائع والأعمال التي قام بها زكريا حتى يظفر بهذا الولد في هذا السن من الكبر ؟ اسمع –

{ كهيعص{1} ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا{2}  والله ليس لك غنى عن رحمة الله ، ومن رحمة الله أن رحم عبده زكريا { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا{2} إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً{3} أين الملتجئون إلى الله ؟ أين السائلون الله في الخفاء والسر ؟ نريد أن تزول منا الهموم والغموم والآلام والأوجاع ونحن مبتعدون عن طاعة الله ؟! ونحن مبتعدون عن دعاء الله ؟! انظروا إلى التضرع { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً{4} يا رب : لما دعوتك في الماضي لم أُخيب ، فكيف أُخيب إذا دعوتك في المستقبل ! هذا هو حسن الظن بالله عز وجل ، لأن العبد كلما تقرب إلى الله زاد حسن ظنه بالله ، فإذا زاد حسن ظنه بالله أتاه الخير كله { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ } يعني أبناء عمه ، خشي أن يرثوه فيبدلوا دين الله ، وليس المقصود أنه خاف أن يرثه بنو عمه في المال – لا – وإنما المقصود النبوة { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً{5} هذا يدل على أن الولد وليٌ لأبيه ، فواجب على الابن أن يكون مِعْوانا مطواعا لأبيه في طاعة الله { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } سأل أي ولد ؟ لا { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً{6} أتى الفرج { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} .

{ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً{7} انظروا إلى تدفق خير الله على زكريا { إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ } لم يقل [ بطفل ] دل على أنه سيحيى ( غلام ) باعتبار ما سيكون ، وسماه

{ يَحْيَى } يعني أنه سيحيى { لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّا } يعني ليس له مثيلا في الصفات – كما قيل – أو لم يكن له مسمى باسم يحيى قبل ذلك ، فلم يأت شخص اسمه يحيى قبل ذلك ، ثم تعجب – ولكن لا عجب – لما قالت امرأة إبراهيم عليه السلام 73} { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ{72} قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } - لا إله إلا الله – فتعجب زكريا { قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً{8} يعني نهاية الكبر

{ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ } انتهى الأمر ، فإن كان الأمر من الله فلا تعجب {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } يس82

{ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً{9} فأنت يا زكريا كنت في العدم ، فأراد أن تُجعل له آية على حمل زوجته { قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً{10} من غير علة لا تستطيع أن تحرك لسانك لكلام الناس من غير علة ، ثلاث ليالٍ بأيامها كما سيأتي في ذكر قصة زكريا في سورة آل عمران ، لكن لم يُحبس لسانه عن ذِكر الله { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ } يعني بالإشارة { أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً{11} ثم ما هي هذه الصفات التي ظفر بها يحيى ؟ وما ألذ قلب الأب إذا صلح الابن ، انظروا إلى فضائل وكرائم ونعم الله عز وجل على زكريا { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً{12} وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً{13} وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً{14} وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً{15} ولولا طول الوقت لبينا هذه الصفات أكثر ، لكن الوقت يزاحمنا وأكتفي بما جاء من ذكر زكريا عليه السلام في سورة آل عمران حتى تتم الفائدة ، لما كفل زكريا مريم وصارت تحت كفالته ، رأى عندها شيئا لم يأت في العادة – زرق من عند الله – قال بعض المفسرين إن فاكهة الشتاء تأتي إليها في الصيف ، وفاكهة الصيف تأتي إليها في الشتاء { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ{37} وهذا يدل على أن ابن آدم يجب أن يكون حاضر الذهن وأن يربط الأشياء بعضها ببعض ، فلما رأى هذا الرزق الذي يأتيها في غير أوانه تذكر أنه بحاجة إلى الولد وأن الله قادر على أن يأتي إليه بالولد في مثل هذا السن { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء{38} الذرية تطلق على الفرد وعلى الجماعة ، ثم أي ذرية ؟ { قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} فما الذي جرى ؟ { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ } وهو جبريل عليه السلام نادى زكريا ، ولكن ما مقام زكريا لما ناداه جبريل ، في لهو ؟ في لعب ؟ لا والله ، هو في حالة يتقرب فيها إلى الله { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } رحم الله الصلاة عند كثير من الناس ، كيف تهدى ؟ كيف تعطى وأنت متخلف عن الصلاة { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ } مصدقا بعيسى ، لأن عيسى عليه السلام خلق بكلمة كن { وَسَيِّداً } ذو سيادة              { وَحَصُوراً } يعني يمتنع عن النساء عفة وتقربا إلى الله { وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ{39} قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ{40} قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ } بلياليها { إِلاَّ رَمْزاً } إلا إشارة ، أتتك النعمة هل انتهى كل شيء ؟ لا والله ، النعم لا تستجلب إلا بطاعة الله ولا تبقى إلا بطاعة الله ، أمره الله عز وجل بأمرٍ  { وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ{41} قص الله سبحانه وتعالى قصصا في سورة الأنبياء عن كوكبة من الأنبياء ، فلما ذكر في ختامهم زكريا ، ذكر أن لهؤلاء الأنبياء صفة ، من سار سيرهم وحذا حذوهم نال من الخير مثلهم { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } ما العلة في هؤلاء الأنبياء كلهم المذكورين في هذه السورة ؟ { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{90} يا من افتقد الصحة تأمل في قصة أيوب المذكورة في كلام الله ، يا من فقد المال تذكر وتأمل قصة أيوب المذكورة في كلام الله ، يا من أصابه الهم والحزن والغم  تأمل قصة يونس المذكورة في كلام الله ، يا من لم يأته الولد تأمل قصة زكريا المذكورة في كلام الله ، نسأل الله عز وجل أن يرحمنا ، وهذه من لطائف رحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء والتي رحم بها هؤلاء الأنبياء ووصفهم  بـ { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{90}

الخطبة الثانية

الخاتمة : .............

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com