موضوع حديثنا في هذا اليوم : عنذكر السلف الصالح لهذا الحدث الجلل ، ألا وهو الموت ، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ( والله لو تعلمون ما بعد الموت لصرخ أحدكم حتى ينقطع صوته ولصلى حتى ينكسر صلبه )
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ( لما كان صائما وقُدِّم له نوعان من الطعام )ليس ثلاثة أو أربعة أو عشرة ( قدِّم إليه عند فطره نوعان من الطعام ، فبكى رضي الله عنه حتى قيل له ما يبكيك ؟ فقال رضي الله عنه : بسط لنا من الدنيا ما بسط ) حدثوني بربكم ما الذي بسط لعبد الرحمن بن عوف إذا قورن بما لدينا من أنواع المآكل والمشارب ؟! قلوب رقيقة شفافة مقبلة حاضرة مؤمنة تقية ، قال ( بسط لنا من الدنيا من بسط وأخشى أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا )
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي بكاء شديدا ، ما الذي يبكيه ، حتى قيل إن في خديه خطين أسودين من كثرة البكاء ، وكان أحيانا يستتر ويحدث نفسه يقول ( لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك ) ولما دخل عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عند سكرات الموت ، لما طعن رضي الله عنه ، فأراد عبد الله بن عباس أن يبشره بما صنع ، فقال ( يا أمير المؤمنين لقد فتح الله بك الفتوح ومصَّر بك الأمصار ، فقال وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر ) لذلك جاء عند الطبراني بإسناد حسنه الهيثمي في المجمع ( لما وضع ابنه عبد الله رأسه على فخذه ، فقال ضع رأسي على الأرض ، ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي ) قالها ثلاثا ( ويل لي وويل لأمي إن لم يغفر الله لي )
هذا مالك بن دينار يخاطب ويدعو الله ، فيقول ( يا رب قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار ، ففي أي الدارين دار مالك ؟ )
أبو هريرة رضي الله عنه كان يبكي فقيل له ما يبكيك ؟ فقال رضي الله عنه ( أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ) زاد العمل الصالح ، ما قدرنا إذا وضعنا عند هؤلاء ؟ إذا كان يقول ( أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ) فيا ترى ما زادنا الذي نترحل به من هذه الدنيا إلى يوم القيامة ، إلى الدار الآخرة ؟ ( أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ولا أدري إلى جنة أم إلى نار ) هذا الحسن البصري رحمه الله كان يبكي بكاء شديدا فيقال له ما يبكيك ؟ فيقول رحمه الله ( أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي ) ولما أتى إليه رجل يشكو أصحابه الذين يحدثونه بذكر الموت ، وبذكر الحساب والجنة والنار ، فيأتيه فيقول له ( إنا لنصاحب أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا أن تطير ، فقال رحمه الله والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف ) وكان يقول رحمه الله ( يا ابن آدم إنما أنت أيام ) وبالفعل ها نحن نتقابل في هذا اليوم ولا ندري أنتقابل في الجمعة الماضية أم لا ؟ ولو تقابلنا ذهبت أيام من أعمارنا( يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك ) وكان يقول رحمه الله ( اليوم ضيفك والضيف مرتحل وغدا يحمدك أو يذمك ) ولذا يقول رحمه الله ( ليلتان ويومان لم تسمع الخلائق بمثلها ، قيل ما هي ؟ فقال رحمه الله : ليلة تبيت فيها مع أهل القبور لم تبت بمثلها قط ، وليلة صبيحتها يوم القيامة ، وأما اليومان : فيوم تعطى فيه كتابك بشمالك أم بيمينك ، ويوم ينادي عليك البشير إما إلى جنة وإما إلى نار )
يأتي رجلان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأراد أحدهما أن يعقد له عقد بيع لدار قد اشتراها من رجل ، فرأى رضي الله عنه إلحاح الرجل الذي اشترى هذه الدار ورأى أن الدنيا قد تغلغلت في قلبه ، فقال رضي الله عنه للكاتب ( اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم : اشترى ميت من ميت ، دارا في بلد المذنبين ، وسكة الغافلين ، لها أربعة حدود ، الحد الأول الموت ، الحد الثاني الحساب ، الحد الثالث القبر ، الحد الرابع جنة أو نار كما يريد الواحد القهار ، فقال هذا الرجل أتيتك لتكتب لي عقد بيع لدار لا عقد بيع لمقبرة ، فقال رضي الله عنه منشدا هذه الأبيات :
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنها
وإن بناها بشر خاب بانيهــا
أين الملوك التي كانت مسلطنة
حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها
وديارنا لخراب الدهر نبنــيها
فما كان من هذه الكلمات إلا دخلت في قلب هذا الرجل فتصدق بتلك الدار ابتغاء وجه الله عز وجل .
الربيع بن خُثيم ، ويصح الربيع بن خَيثم كان يسهر ليله فيبكي بكاء شديدا ، وكان يكثر من الصلاة ، فكانت أمه تتلهف عليه ، فتقول ماذا تصنع بحالك يا بني أقتلت قتيلا ؟ قال والله لقد قتلت قتيلا ، فقالت أمه – من باب الشفقة – والله إن أولياء المقتول لو رأوا ما أنت عليه من كثرة البكاء لرحموك ، فقال يا أمي لا تخبري أحدا ، إنما قتلت نفسي ، قتلتها بالذنوب )
سل الأيام عند أمم تَقَضَّت
ستخبرك المعالم والرسوم
تروم الخلد في دار المنايا
فكم رام مثلك ما تروم
تنام ولم تنم عنك المنايا
تنبه للمنــية يا نؤوم
يقول عمر بن عبد العزيز – وكل يسأل نفسه كم عمره الآن وكم عمره قبل سنة أو قبل عشر سنين ؟ يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله
( الليل والنهار ) ليل يمضي ، نهار يأتي ، شتاء يأتي ثم يمضي ، صيف يأتي ثم يمضي ، وهلم جرا ، تنبه لهذه الكلمات ، يقول رحمه الله ( الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ) أي والله ، يعملان فينا ، الإنسان عمره قبل عشر سنين ثلاثون سنة وإذا به الآن يتجاوز الأربعين أو في حدود الأربعين أو في خضم الأربعين ، عملت فينا تلك الأيام فيا ترى ماذا عملنا فيها ؟ ( الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ) وقال آخر ( الليل والنهار خزانتان فانظر ماذا تضع فيهما ؟).
ابن القيم رحمه الله لما ذكر آثارا عن الصحابة رضي الله عنه قال " وهذا الباب يطول تتبعه " وذكر آثارا من بينها ( أن أبا ذر رضي الله عنه قال يا ليتني شجرة تعضد وودت أني لم أخلق ) ولما عرضت عليه النفقة من بيت مال المسلمين قال لا ، ونسأل الله أن يلطف بنا ، وكلنا ذلكم الرجل ، قال ( عندنا عنز نحلبها ، وحُمُر ) جمع حمار ( نحمل عليها ، ومحرر) يعني رقيق ( يخدمنا ، وعندنا فضل عباءة ) يعني عباءة زائدة ، ما عنده إلا عباءة واحدة وواحدة زائدة ( وفضل عباءة ونخشى الحساب عليها) .
أبو عبيدة رضي الله عنه يقول ( وددت أني كبش ذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي )
وهذا عثمان رضي الله عنه يقف عند القبر ويبكي بكاء شديدا ، فيسأل عن ذلك ؟ فيقول ( لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير )
والواحد منا لو قام بعمل صالح كأنه فعل وفعل وقام بعمل لا يساويه أحد فيه – والله المستعان . وهذا أبو الدرداء يقول ( إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال يا أبا الدرداء قد علمت فماذا عملت فيما علمت ؟ ) وكان يقول ( والله لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة ، ولا شربتم ماء على ظمأ ، ولا دخلتم بيوتا تستظلون فيها ، ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركموتبكون على أنفسكم ، ووددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل )
وهذا ابن عباس رضي الله عنهما في أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع .
وهذا الصديق رضي الله عنه – كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله – يقول ( وددت أني شعرة في جنب امرئ مسلم ) وكان إذا صلى كأنه عود من خشب ، ولما أتي إليه بصيد قد صيد ، قال ما صيد صيدٌ ولا قطعت شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح ، وكان يقول رضي الله عنه
( ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا )
أتيت القبور فناديتها
فأين المُعَظَّم والمُحْتَقَر؟
وأين المُدِل بسلطانه
وأين القوي إذا ما قدر؟
فقالوا جميعا فما مخبر
وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا
أما لك فيما ترى معتبر ؟!
تروح وتغدوا عليه الثرى
فتمحوا محاسن تلك الصور
والله أناس كانوا يصلون معنا وكانوا يؤاكلوننا ويشاربوننا في بيوتنا أو خارج بيوتنا ، أين هم الآن ؟
ويقول بشر بن الحارث ( نعم المنزل القبر لمن أطاع الله )
وهذا الأوزاعي رحمه الله يقول ( ما أكثر عبدٌ الموت إلا رزقه الله اليقين ) وقال رجل لبعض السلف أوصني قال ( عسكر الموت ينتظرونك )
نسأل الله أن يرقق قلوبنا وأن يجعلها خاشعة مقبلة إليه .
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله :
ذكر أبو نعيم رحمه الله أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أتى أصحابه من جنازة قريب له ، فلما أتى وجلس بين أيديهم ، وعظهم فذم الدنيا ، فقال رحمه الله ( إذا مررت بأهل القبور فنادهم إن كنت مناديا ، وادعهم إن كنت داعيا ، وانظر إلى تقارب منازلهم ، وسل غنيهم ماذا بقي من غناه ؟وعن فقيرهم ماذا بقي من فقره ؟ وعن تلك الألسن التي كانوا يتحدثون بها ؟ والأعين التي كان يبصرون بها ؟ وعن تلك الجلود الرفيعة والأجساد الناعمة ماذا صنعت بها الديدان تحت الأكفان ؟ وسلهم عن حُجَّابهم ؟ وعن خدمهم ؟ وعن كنوزهم ؟ ) ويقول رحمه الله في سرد ما قال ( وكأنهم ما وطئوا فراشا ، ولا وضعوا هنا متكئا ، ولا غرسوا شجرا ، أليسوا في منازل الخلوات ؟ قد حيل بينهم وبين العمل ، فارقوا الأحبة ، أضحوا ووجوهم بالية ، وأجسادهم عن أعناقهم بائنة ، وأوصالهم ممزقة ، دبت فيهم دواب الأرض ، ففرقت أعضاءهم ، وتزوجت نساؤهم ، وترددت في الطرقات أولادهم ، وتوارث القرابات ديارهم ، فمنهم والله الموسع له في قبره والمنعم له فيه ، فيا ساكن القبر غدا ما الذي غرك من هذه الدنيا ، أين دارك الفيحاء ؟ وأين نهرت المطرد ؟ وأين ثمارك اليانعة ؟ وأين رقاق ثيابك ؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك ؟ يا مغمض الوالد والولد ، ويا غاسل الميت ، يا ليت شعري ما الذي يلقاني به بعد الموت إذا خرجت من هذه الدنيا ) فيقولون ما مرت عليه جمعة ، يعني ما مر عليه أسبوع حتى وافته المنية ، رضي الله عنه ، وكان ينشد رحمه الله قائلا :