( آداب المشي إلى الصلاة )
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
أما بعد : فيا عباد الله /
عنوان خطبتنا في هذا اليوم ( آداب المساجد والمشي إليها )
فمن آداب الخروج إلى المساجد :
أن المسلم إذا خرج من بيته ، وهذا الخروج يقول عنده دعاء ، وهذا الدعاء شامل لخروج الإنسان من بيته لحاجة أو لغرض دنيوي أو للمسجد ، يقول ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي من حديث أنس رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا خرج الرجل من بيته فقال " بسم الله ، توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، يقول له هديت وكفيت ووقيت ، وتتنحى عنه الشياطين ، فيقول شيطان لآخر كيف لك برجل قد هُدي وكفي ووقي ؟ )
وأيضا يقول عند خروجه من بيته للمسجد أو لغيره ، ما ثبت عند أحمد والترمذي ( اللهم أني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل أو أَزل أو أُزل أو أَظلم أو أُظلم أو أجهل أو يُجهل علي ) و هناك لفظة ضعيفة ( أو أبغي أو يُبغى علي ) هذه اللفظة ضعيفة لا تصح سندا .
ومما يقال عند خروج الرجل من بيته إلى المسجد على سبيل التنصيص ، ما جاء في صحيح مسلم من فعله صلى الله عليه وسلم لما خرج من بيته إلى المسجد قال ( اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا ومن خلفي نورا ومن أمامي ومن فوقي نورا ومن تحتي نورا وأعطني نورا )
ومن آداب الخروج إلى المساجد :
أن يتسوك في ثنايا خروجه ، لما ثبت عند الطبراني ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خرج للمسجد للصلاة إلا استاك ) فهذه سنة قد يجهلها كثير من الناس ، فعند خروجك من بيتك إلى المسجد تتسوك .
ومن آداب الخروج إلى المساجد :
أن يخرج بسكينة ووقار ، لما جاء في الصحيحين ( إذا سمعتم الإقامة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) ما السكنية وما الوقار ؟
السكنية تتعلق بالحركات من الأقوال والأفعال ، بمعنى أن المسلم إذا خرج يكون متريثا مترسلا لا يكثر الالتفات لا يكثر الكلام إلا بما ورد عن الشرع في مثل هذا المقام ، ولذلك من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه إذا مشى لا يلتفت ) سواء مشى للمسجد أو لغيره ، لأن كثرة الالتفات تدل على ضعف هيبة الإنسان وقدره .
وأما الوقار ففي الهيئة ، بمعنى أنه يخرج على هيئة حسنة ، لأنه سيقابل رب العالمين ، بمعنى يكون شماغه وثوبه على اللبس المعتاد ، ما يأتي مثلا وطرف أحد شماغه أعلى من الآخر ، أو أنه يأتي وقد كف أكمام ثيابه ، أو أنه رفع ثوبه وربطه في حقوه ، فهذا ليس من الوقار .
ومن آداب الخروج إلى المساجد :
أن يأتي إليها ماشيا على قدميه إن تيسر له ذلك ، فإن عجز أو كان المكان بعيدا ، فركب دابته فلا جناح عليه ، ولذلك في حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه كما في صحيح مسلم ، قال ( إن هناك رجلا لا نرى أبعد منه من المسجد ، فقيل له لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء والرمضاء ، فقال ما أحب أن بيتي بجوار المسجد ، إني أحب أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي ، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قد أعطاك الله ذلك كله ) وفي رواية أبي داود ( قد أنطاك الله ذلك كله ) لأن في المشي على الأقدام تأتي الخطى ، والخطى إذا سار بها إلى المساجد له بكل خطوة حسنة وتحط عنه خطيئة ، لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين ( صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا ، وذلك أنه توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة )
ومن آداب الخروج إلى المساجد :
حتى يتحقق لك أجر الخطوات إلى المساجد لرفع الدرجات وتكفير السيئات – كما قال ابن حجر رحمه الله في الفتح – قال : حتى يتحقق ذلك يتوضأ في بيته ، فلا يؤخر وضوءه إلى أن يأتي إلى دورات المياه في المساجد ، وإنما يتوضأ في البيت ، وهذا أدب عظيم ، ولذلك جاء عند أبي داود من حديث أبي أمامة وحسنه الألباني رحمه الله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مَنْ خرج من بيته إلى المسجد متطهرا لفريضة كان كأجر الحاج المحرم ) ووصفه بأنه محرم ، ولعل وصفه بأنه محرم – والعلم عند الله – لأن الإحرام شرط لصحة الحج كما أن الوضوء شرط لصحة الصلاة ، وأفضل ما يكون الوضوء يكون في البيت .نه
ومن آداب الخروج إلى المساجد :
أن يأتي إليها بأحسن لباس ، لا يأتي بثياب رثة أو برائحة كريهة ، بعض الناس يبخل على نفسه أن يصب الماء على بدنه ، بل إن البعض لا يغتسل إلا إذا أتى يوم الجمعة أو إذا كانت هناك مناسبة من جماع أو ما شابه ذلك - وهذا خطأ – قال الله تعالى { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }الأعراف31 ، وثبت عند الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وصححه الألباني رحمه الله ، قال صلى الله عليه وسلم ( إذا صلى أحدكم فليصل في ثوبين ) فإن ثيابهم تختلف عن ثيابنا ( إذا صلى أحدكم فليصل في ثوبين فإن الله أحق أن يتزين له ) ليس كما يفعله البعض يأتي إلى المسجد بقميص النوم ، أو كما قلنا بثياب رثة ، أو تنبعث منه رائحة كريهة ، ولذلك حذر الإسلام المسلم من أن يأتي إلى المسجد وقد أكل ثوما أو بصلا كما في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه ( من أكل ثوما أو بصلا ) وفي رواية عند مسلم
( أو كراثا فلا يقربن مسجدنا ) لأن في ذلك أذية لإخوانه المسلمين ، فما ظنكم إذاً بمن يؤذي إخوانه إذا أتى إلى المساجد بشرب الدخان ، تلك الرائحة الكريهة المنتنة ؟! أو بما يفعله بعض من الناس من تشغيل جهاز الجوال حتى يشغل الناس عن صلاتهم و أذكارهم ، وأدهى من ذلك وأمرَّ أن يضع رنة الجوال على نغمات موسيقية لا تليق به كمسلم ، فكيف تليق بهذا المكان العظيم الذي يجب أن يرفع فيه ذكر الله ، لا أن يرفع فيه ذكر الشيطان { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ{36} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ُ{37} النور ، خمس دقائق أو عشر دقائق أو ربع ساعة تعزلك عن الدنيا ، ألا تحتسبها عند الله عز وجل ؟ { رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} وما هي الأشغال عند كثير من الناس ؟
ومن آداب الخروج إلى المساجد :
أنه إذا أتى المسجد يُقدِّم رجله اليمنى ويقول ما ورد ، وورد عند مسلم وفي السنن وفي أحاديث كثيرة ، من مجملها ( بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ، أعوذ بالله العظيم وبوجه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )
ومن آداب المساجد إذا دخل :
ألا يجلس حتى يصلي ركعتين لحديث أبي قتادة رضي الله عنه في الصحيحين ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) ويغني عن هاتين الركعتين السنة التي لراتبة الظهر أو لراتبة الفجر ، فإنها تغني ، أهم شيء ألا يجلس حتى يؤدي صلاة من ركعتين فأكثر ، ولذلك لو دخل والناس يصلون صلاة الفرض أغنت صلاة الفرض عن تحية المسجد.
ومن آداب المساجد :
أن يحرص المسلم على الصف الأول ، لما في الصحيحين ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) تصور لو أن الصف الأول لم يبق فيه إلا فرجة واحدة تسع لشخص واحد ، فأتى اثنان في وقت واحد ، كان حريا بهما أن يقترعا أيهما يظفر بهذه الفرجة من الآخر لفضل هذا المكان ، ولذلك استغفر النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن ( استغفر للصف الأول ثلاثا وللصف الثاني مرة ) فما ظنكم بالصف الثالث والرابع والخامس وهكذا ؟!
وهذه يتطلب من المسلم أن يأتي إلى المساجد مبكرا حتى يظفر بهذا المكان العظيم ، وأفضل ما يكون من الصف الأول أن يلي الإمام ، ولاسيما أهل الفضل وأهل العلم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي مسعود رضي الله عنه ( ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )
ومن آداب المساجد :
أن يُحرص على نظافتها وإذا رئي فيها شيء من القذر يخرج ، النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم قال ( عرضت علي أمتي بأعمالها حسنها وسيئها ، فرأيت في محاسن أعمال أمتي الأذى يماط عن الطريق ، ورأيت من مساوئ أعمال أمتي النخامة تكون في المسجد لا تدفن ) فما ظنكم بمن يلقي الأقذار في المسجد ! مطلوب منه أن ينظف المسجد وإذا به يلقي أقذاره في المسجد ، وقد رأيت في بعض المساجد من يقلم الجلد الذي خلف عقبه وينثره في المسجد ، ورأيت أظفارا من أظفار القدمين أو اليدين في بعض المساجد ، أهذا يليق بالمساجد ؟ لا والله ، وبلغت أن هناك أناسا يخرجون من في أنوفهم ثم يلقونه في المسجد ، هذا لا يليق بمكانة المسجد ولا بعظمته ، ثم إن الواجب على المسلم أن يراعي إخوانه الآخرين ، قد يكون الإنسان به مرض ، فلا يجوز له أن يقذر إخوانه وأن يقززهم بالأذية ، النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود قال ( ولا يجهر بعضكم على بعض في القرآن ) حتى الجهر بالقرآن ، لا ينبغي لك أن تجهر بالقرآن إذا آذيت أخاك المسلم في ذكره أو في قراءته ، فما ظنكم بمن يرفع صوته بالتنخم أو بإخراج ما في أنفه ، لا شك أن الإنسان قد يصاب بمرض ، بزكام أو ما شابه ذلك ، ولكن يأخذ المنديل وبصوت خفيض ويخرج ما في فمه أو في أنفه ، أما أن يرفع صوته بذلك فإن هذا مما يتقذر منه إخوانه المسلمون ، فواجب على المسلم ألا يؤذي إخوانه بهذه الأشياء .
ومن آداب المساجد :
أن تسوى الصفوف ، بل هي من الواجبات ، وإذا قلت – من آداب المساجد – فلا يعني أنها سنن ، فقد أذكر شيئا من الواجبات ، لكن هي من الآداب ، لكنها آداب واجبة ، وقد تكون آداباً مستحبة ، فمن آداب المساجد : أن تسوى الصفوف ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) وفي رواية ( أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) .
ومن الآداب قبل الصلاة :
ألا يقال فيها ذكر ، بعض الناس إذا انتهت الإقامة ، قال ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ) أو ( اللهم اجعل لنا منها حظا ونصيبا ) أو إذا قال الإمام استووا ، قال ( استوينا ) هذا كله لم يرد ، ولذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين ، قال ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في مصلاه كبَّر ) دل على ماذا ؟ دل على أنه عليه الصلاة والسلام لا يقول شيئا قبل التكبير ، وما ورد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أبي داود من متابعة المؤذن في الإقامة ، فهو حديث ضعيف ، كون المؤذن يتابع في الإقامة ، الوارد في ذلك حديث ضعيف ، وذلك إذا قال( قد قامت الصلاة ، قال أقامها الله وأدامها ) هذه ضعيفة ، وما ورد – كما قلت – عن ابن عمر عند أبي داود من متابعة المؤذن في الإقامة ، فهو حديث ضعيف ، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الخطبة الثانية
أما بعد : فيا عباد الله /
من آداب المساجد :
أن المسلم إذا خرج من المسجد فالسنة له أن يقدم رجله اليسرى ، ويقول ما ورد ، وورد عند مسلم وفي السنن وفي الأحاديث الأخرى : ( بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ) وفي رواية ( اللهم إني أسألك من فضلك ) ويقول ( اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم ) هذه واردة عند الخروج من المسجد ، وفي ذهابك إلى البيت تستحضر معنى الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذلك الرجل الذي قال ( إني أحب أن يكتب ممشاي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي ) ولذلك كان بعض الصحابة كزيد بن ثابت رضي الله عنه ، كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في الفتح ، يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد قارب بين خطاه ، فقد تكون الخطوات من بيته إلى المسجد مائة خطوة ، يجعلها مائة وعشرين خطوة من باب أن يكتب له بكل خطوة ذلكم الأجر الذي ذكرناه ، فهذا من مقاربة الخطى ، وقد أخذ بذ لك بعض العلماء ، ورأى بعض العلماء أن الأمر يبقى على ما هو عليه ويمشي مشيه المعتاد ، ولذلك ثبت عند ابن عساكر وحسنه الألباني رحمه الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا مشى ، مشى مشية من ليس بعاجز ولا كسلان ) وهذا الحديث يبين ما ورد من فعله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ( كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب) كأنه سيل انحدر من علو إلى سفل ، وفي رواية ( كان إذا مشى يتوكأ ) كأنه يمشي إلى قُدام ، فقال العلماء إن هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يمشي مشية عاجز ولا كسلان ، وليس معنى ذلك أنه كان يسرع سرعة تخرجه عن وقاره وعن هيبته – كلا – وإنما كان صلى الله عليه وسلم ( إذا مشى أقلع ) كما في إحدى الروايات ، هذه جملة من الآداب المتعلقة بالخروج إلى المساجد وآداب المساجد ، فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا وأن نطبق مثل هذه السنن ومثل هذه الآداب الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ملاحظة :
بُلِّغت من بعض الأشخاص ، وهذا الكلام موجه لما هو خارج المسجد الآن ، أن هناك أناسا يأتون متأخرين فيصلون خارج المسجد ، ويصلون عند المنارة ، ومعلوم أن المنارة متقدمة علينا ، فإذا صلوا عند المنارة فكأنهم صلوا أمامنا ، ومعلوم مما اشتهر من مذاهب العلماء والمفتى به ( أن الصلاة قدام الإمام لا تصح ) فليتنبه لمثل هذا الأمر ، الإخوان الذين يصلون خارج المسجد واجب عليهم أن يكونوا خلفنا ، وألا يتقدموا علينا ، فصلاة بعضهم عند المنارة بالنسبة لمسجدنا هذا ، لا تصح صلاتهم ، لم ؟ لأنهم أمامنا .
الخاتمة : ...............
|