( ماذا قال علماء الشرع عن الكسوف ؟ )
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
أما بعد : فيا عباد الله /
كان من المقرر أن يكون حديثنا في هذا اليوم عن ذكر الموت عند سلفنا الصالح ، وبما أنه حدث في هذا اليوم كسوف ، وقد سبقه خسوف في مثل هذا الشهر ، أحببت أن أتحدث عن هذا الموضوع .
الكسوف والخسوف – عباد الله – هما كلمتان إن اجتمعتا افترقتا ، وإن افترقتا اجتمعتا ، بمعنى : أن الكسوف يطلق على الشمس ، والخسوف يطلق على القمر ، ويمكن أن يقال عن الكسوف خسوف ، وعن الخسوف كسوف ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس في عهده ، جاء في الصحيحين فيما ذكره الصحابة رضي الله عنهم ( أن الشمس خسفت في عهده ) وعند مسلم من حديث جابر ( كسفت الشمس ) وعند البخاري ( انكسفت الشمس ) فعبر عن زوال نور الشمس مرة بالخسوف ومرة بالكسوف ، لكن إذا اجتمعنا فالكسوف يطلق على الشمس والخسوف يطلق على القمر .
عباد الله – الكسوف ورد في كلام الله سبحانه وتعالى ، وقد ذكر العلماء على ذلك دليلا ، وهو قول الله عز وجل { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }فصلت37 ، ففيه استغراب أن تُعبد الشمس والقمر والتي تزول وتفنى ، ومن زوالها وفنائها أن يحصل لها خسوف أو كسوف ، فالشمس – عباد الله – لم تكسف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة ، بينما الخسوف لم يحصل خسوف للقمر ، وما ورد عند ابن حبان فإنه حديث شاذ ( من أن حصول القمر حصل في عهده عليه الصلاة والسلام في السنة الخامسة من الهجرة ) فهذا حديث شاذ ، فالصحيح الثابت أن الشمس لم تكسف في عهده صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة ، أما خسوف القمر لم يحصل البتة في عهده صلوات ربي وسلامه عليه .
وانظروا – عباد الله – في خِضم تلك السنين لم يحصل كسوف للشمس إلا مرة واحدة ، بينما القمر لم يحصل له شيء ، فكم من خسوف وكسوف جرى في أزماننا ؟! ونحن أدركنا هذا ، وأنتم أدركتم هذا أيضا ، في السنوات الماضية كان الكسوف والخسوف قريبا ، لكن لما تقاربت هذه السنوات الأخيرة حصل الكسوف والخسوف أكثر من مرة ، ولا أدل من حصول الكسوف والخسوف في هذا الشهر مرتين ، مرة للقمر ومرة للشمس ، وهذا يستدعينا أن نقف وأن نتعظ وأن نتذكر عظمة الله عز وجل ، ولا نلتفت إلى ما يقوله بعض الفلكيين من قولهم إن علماء الشرع أشغلونا بأن الكسوف ما جرى إلا بسبب ذنوبنا ، وليس لهم دليل في ذلك – سبحان الله – ليس لنا دليل ، والأدلة والله كثيرة ، النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن الكسوف قال ( إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة ) وفي رواية ( فافزعوا إلى دعائه وذكره واستغفاره ) لم نستغفر ؟
في سنن النسائي في السجدة الثانية من الركعة الثانية ( جعل يبكي صلوات ربي وسلامه عليه في سجوده ويقول " رب لم تعدني هذا وأنا فيهم ، رب لم تعدني هذا ونحن نستغفرك " ) أليس هذا دليلا ؟
ما ورد في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ، فينظر من عباده من يُحدث له توبة )
مثل ما يجري في هذا الكون ، يجب أن نتنبه ، ولذلك قال بعض المفسرين " يجب على الإنسان أن يمعن النظر في آيات الله الكونية في السماء والأرض ، ومن الآيات السماوية الشمس والقمر { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }فصلت53 ، أحداث تمر تلو الأحداث ، مصائب وبلايا تمر على الأمة تلو المصائب والبلايا ، فهل من عودة ؟ هل توبة ؟ هل من رجوع إلى الله سبحانه وتعالى ؟ ماذا ننتظر ؟ أحداث تجري في السنوات الأخيرة ، ولا أحتاج إلى أن أذكرها فقد ذكرتها أكثر من مرة ، بلايا ومصائب حلَّت بالمسلمين ، فهذه عبرة وعظة ، وعجب ثم عجب ، النبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس في عهده ، ما الذي جرى ؟ يقول ابن القيم كما في الزاد " كسفت الشمس في عهده صلى الله عليه وسلم قبل ارتفاع الشمس برمحين أو ثلاثة " يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله " كان ذلك يوم الاثنين في التاسع والعشرين من شهر شوال في الساعة الثامنة والنصف صباحا " قدّر ارتفاع الرمحين أو الثلاثة ، فقال وقتها يقرب من الساعة الثامنة والنصف صباحا ، ما الذي جرى ؟ قام صلى الله عليه وسلم كما جاء عند البخاري ( مسرعا ) وعند مسلم ( قام فزعا حتى أخذ درعا فلبسه يظن أنه الرداء ) حتى أتبع بردائه صلى الله عليه وسلم وكان يمشي وليس له من الوقت أن يصلح رداءه ، فكان رداؤه ينجر من خلفه على الأرض ، بل جاء ( أنه صلى الله عليه وسلم خشي أن الساعة قد قامت ) أمر جلل ، أمر خطير ، ولذلك عبد الرحمن بن سمرة كما في صحيح مسلم ( لما سمع النداء (الصلاة جامعة) ورأى أن الشمس قد كسفت ، كان يلعب بأقواسه ويلتهي بها ، فنبذها ثم أتى مسرعا إلى الصلاة ) مع أن في لهوه بالأقواس إعانة على طاعة الجهاد ، ومع ذلك تركها لأن الأمر خطير ، فما هو حالنا؟! يحصل خسوف ، نقول يبدأ في الوقت الفلاني وينتهي في الوقت الفلاني ، يحصل كسوف ونحن في غفلة ، ماذا قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ؟ ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ) لأن ابنه إبراهيم مات في السنة العاشرة وقيل في السنة التاسعة من الهجرة ، فقال الكفار ما كسفت الشمس إلا لموت إبراهيم ، لأنهم كانوا يرون أن النجوم والآيات السماوية تؤثر في حوادث الأرض ، وهذا خطأ ولا يجوز في العقيدة ، فقال صلى الله عليه وسلم ( لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ) حتى لو حيا شخص يظن أنه كريم لا تنكسف من أجله ، وإنما هما آيتان يخوف الله بهما عباده ، لا يظن أحد أن الصحف لما تطالعنا أو الأخبار لما تخبرنا لحصول الكسوف أو الخسوف لوقته المحدد من حيث البداية والنهاية أن هذا أمر يتعلق بالغيب – لا – لم ؟ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك في كلامه {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }الرحمن5، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }الأنبياء33، يمكن أن يخبروا عن كسوفات وخسوفات مستقبلية ، يمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطئوا ، ولذلك ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله قبل سبعمائة سنة ، وذكره تلميذه ابن القيم وذكره ابن دقيق العيد كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح ، رحمة الله على الجميع ، يقول شيخ الإسلام رحمه الله " إن الكسوف للشمس لا يمكن أن يحصل إلا في أواخر الشهر ، ما يحصل في أول الشهر ولا في الأوساط ، فما يأتوننا به ليس علما جديدا ، قال رحمه الله : ( لأن القمر في أواخر الشهر يكون قريبا من الشمس ، وفي مثل ذلك الوقت يمكن للقمر أن يحول بين ضوء الشمس وبين الأرض ، فيحصل الكسوف للشمس ، ولا يمكن أن يكون هذا إلا في أواخر الشهر ، وهل تكسف الشمس على العالم كله كسوفا كليا ؟ (لا) ، يحصل كسوف جزئي على الأرض كلها نعم ، أما الكسوف الكلي لا يمكن إلا في بعض الأقطار كما حصل في مثل هذا اليوم ، لكن ليس على الدنيا كلها ، لأن القمر أصغر من الشمس { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ{77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ } يعني أكبر من القمر ، فلا يمكن للقمر أن يحجب الشمس حجبا كليا على العالم كله ، يحجبها حجبا كليا على بعض الأقطار – نعم – كما حصل في هذا اليوم ، ويقول رحمه الله " إن خسوف القمر لا يمكن أن يكون إلا في ليالي الإبدار حينما يكتمل القمر ، لم ؟ قال لأن الشمس في جهة المغرب والقمر في جهة المشرق فالمسافة بينهما طويلة فتحول الأرض بين الشمس وبين القمر من أن تمده بالنور ، لأن القمر ممحو ليس فيه نور ، وإنما يكتسب نوره من الشمس ، مثل الضوء يسلط على المرآة فيحصل ضوء في المرآة ، القمر كأنه مرآة ، فتحول الأرض بين الشمس وبين القمر من أن تمده بالنور{ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ } وهي القمر { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً }الإسراء12 ، ولكن لا يأمن ابن آدم إذا أُخبر ببداية الكسوف وبنهايته ، لأن الله عز وجل شديد العقاب ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أطال الصلاة إطالة طويلة حتى جاء عند البخاري ( أنه قام قياما طويلا بقدر سورة البقرة ) وعند أبي داود ( بقدر سورة آل عمران ) يعني لم تحدد سورة معينة ، لكن حددها بعض الصحابة بقدر سورة البقرة وبعضهم حددها بقدر سورة آل عمران ، فماذا صنع صلى الله عليه وسلم ؟ صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان ، كبَّر صلى الله عليه وسلم وقرأ الفاتحة ثم استعاذ وبسمل ثم قرأ سورة طويلة ثم ركع ركوعا طويلا بقدر قيامه ، ثم لما رفع من الركوع قال سمع الله لمن حمده – وكل ما أذكره ثابت من أحاديث ورايات متفرقة ، فمنها في الصحيح ومنها ما هو خارج الصحيح ، ويمكن للإنسان أن يستعين بالفتح لابن حجر رحمه الله فقد ذكر كلاما جميلا – فلما قام من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، ثم قرأ الفاتحة وقرأ سورة طويلة دون السورة الأولى ثم ركع صلى الله عليه وسلم ركوعا دون الركوع الأول ، ثم رفع فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، هنا هل يطيل القيام أم لا ؟ ثبت عند مسلم والنسائي أنه كان يطيل ، وقد رد ابن حجر على النووي رحمه الله لما قال إنها شاذة ، فكان يطيل قبل أن يسجد ، فسجد صلى الله عليه وسلم ، وبين السجدتين هل يطيل ؟ نعم ، الصحيح أن يطيل لورود ذلك في سنن النسائي ، ثم فعل صلى الله عليه وسلم في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى ، فلما فرغ من الصلاة إذا بالشمس قد تجلَّت ، وكان ذلك اليوم كما قال جابر رضي الله عنه كما في سنن أبي داود وغيره ، قال ( كان ذلك في يوم شديد الحر ) حتى قال ( حتى كاد الصحابة أن يخروا ) ولذلك لما صلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( ضربها الغَشْي ) يعني بداية الإغماء ( وكانت تصب الماء على رأسها ) بل كانت تقول رضي الله عنها ( كدت أن أجلس ، فلما رأيت المرأة العجوز تسابق رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتابعة ، استحييت من نفسي ، لأني امرأة شابة ) وهذا يدل على أن النساء كن يحضرن في صلاة الكسوف ، والسنة لهن أن يحضرن ، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم قام فخطب ، و حمد الله وأثنى عليه ، وكما عند النسائي شهد أنه عبد الله ورسوله ، وقال أما بعد ، ثم أخبرهم بما جرى له في هذه الصلاة ، ماذا جرى له صلى الله عليه وسلم ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( رأيت الجنة والنار في صلاتي هذه ، فلم أر كاليوم قط أفظع منه ) يقول ابن حجر رحمه الله " لقد رأى النار قبل الجنة " لرواية عند مسلم جاءت بالترتيب ، كيف رآهما ؟ هل انكشفت له الحجب فقرب الله سبحانه وتعالى الجنة والنار حتى رآهما عن قرب ؟ قيل بهذا ، والصواب كما جاء عند البخاري ( أن الجنة والنار تمثلت له في الحائط ) كالصورة ( رأى النار فتلكأ ) وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه ( فجعلت أنفخها حتى لا يغشاكم حرها ) وقال ( رأيت فيها عمرو بن لحي الذي سيب السوائب ) وجاء عند أحمد ( أنه أول من عبد الأصنام وأتى بالأصنام إلى جزيرة العرب ) قال ( رأيته يجر قُصْبه في النار ) يعني أمعاءه ( ورأى صاحب المِحْجَن كما عند النسائي ، صاحب المِحْجَن الذي كان يسرق الحجيج ، معه عصا ، وكان إذا أراد أن يسرق أحدا استعان بهذا المحجن فإن لم يفطن له أخذ سرقته ، وإن فطن له ، قال إنما هذا من صنع المحجن ، يعني ليس من تصرفي ( ورأى من سرق بُدَنه ) النبي صلى الله عليه وسلم أهدى بدنتين للكعبة ، لكن لما كان في الطريق أخذهما رجل من المشركين فسيبهما للأصنام ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه النار
( ورأى تلك المرأة التي حبست الهرة فدخلت النار ، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، قال هي امرأة سوداء طويلة من حِمْيَر ، إذا بالهرة تنهشها إذا أقبلت وتنهشها إذا أدبرت ) كما عند النسائي ، وهذا يدل على أن الجنة والنار موجودتان الآن وأنهما مخلوقتان ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رآهما ، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة ، والأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة في هذا الباب .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الصلاة كما عند البخاري ، قال ( تعوذوا بالله من القبر ) فكيف يقال إن هذا حدث كوني يجري ، إن قال يجري من غير ما يجريه الله عز وجل ، فهذا شرك بالله – نسأل الله العافية – لأنه لا يمكن أن يحدث شيء في الكون إلا بأمر الله عز وجل ، وإن قال إن الله يجريها في الكون من غير أن يطلب من عباده أن يستغفروا وأن يتوبوا وأن يدعوا الذنوب ، فقد أخطأ خطأً كبيرا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بالتعوذ من القبر بعد هذه الصلاة إلا لمناسبة ، يقول ابن حجر رحمه الله " لما انكسفت الشمس وأظلمت الدنيا ، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم بالظلمة العظمى وهي ظلمة القبر ، فأمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر " ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( يا أمة محمد ) انظر للتلطف ، يسترق القلوب ويستعطفها صلوات ربي وسلامه عليه ليأكد لهم ذلك ، وهو الصادق المصدوق ( يا أمة محمد ، والله لو تعلمون ما أعلم ) ما يجري هذا الكلام على أنه حدث كوني وانتهى من غير أن يكون هناك فساد في الأرض من الناس ( يا أمة محمد ، والله لو تعلمون ما أعلم ) من العواقب والعذاب ( لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ) يقول ابن حجر رحمه الله { ولضحكتم قليلا ) يعني العدم ، يعني لن يضحكوا ، فالعدم يطلق عليه قلة ( لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ، يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله من أن يزني عبده أو تزني أمته ) لم ذكر هذا القول ؟ يقول ابن حجر رحمه الله " النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة حال الكسوف كما جاء في الصحيحين ، لم ؟ لأن الصدقة تجلب الخير وتدفع النقم ، ثم يقول رحمه الله " نهى أمته من أن يزنوا لأن الزنا والمنكرات والفواحش سبب لحلول النقم والبلايا " ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( رأى أن أكثر أهل النار النساء ) جاء في حديث جابر كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله ، أنه ذكر لهن صفات مذمومة ، قال ( اللواتي إذا ائتمن أفشين ) يعني يفشين خبر الأمانة ( وإن سُئِلن بَخِلن ، وإن سَأَلن ) يعني سألن غيرهن ( أَلْحَفن ) يعني بالغن في المسألة ( وإن أُعطين لم يشكرن ) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( لو أحسن إلى إحداكن الدهر كله ، قالت ما رأيت منك خيرا قط )
حدثوني بربكم هل هذا حدث كوني يجري هكذا دون أن تكون هناك فوائد ؟ كلا ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال ( صلوا حتى ينكشف ما بكم ) وكذلك ( أمرهم بالدعاء ) كما في الصحيحين ( وأمرهم بالذكر ) كما في الصحيحين ( وأمرهم بالصدقة ) كما في الصحيحين ( وأمرهم بالاستغفار ) كما في الصحيحين ( وأمرهم بالعتاقة ) كما عند البخاري ( وأمرهم بأن يسبحوه الله ويهللوه ) كما جاء عند سعيد بن منصور ، فلنتق الله عز وجل ولنتب إلى الله { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }النور31
الخطبة الثانية
أما بعد : فيا عباد الله /
في تلك الصلاة رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة ، يقول ( فتناولت عنقودا منها ، ثم بدا لي أن أدعه ) وفي رواية عند أحمد ( وحيل بيني وبينه ) وجاء في الحديث الصحيح ( أن هذا التناول كان من قيامه من الركوع الثاني من الركعة الثانية ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) لأنه من نعيم الجنة ، ونعيمها باقي ، بينما الدنيا هي كلها وليس النعيم الذي فيها ، هي كلها للفناء والزوال ، ومثل هذا الحدث – عباد الله – حصل لنا في مثل هذا اليوم في يوم الجمعة ، و هنا مسألة ينبغي أن تطرح ، لربما يحدث في السنوات القادمة :
لو أن الكسوف حصل قريبا من أداء صلاة الجمعة ، فبأيهما نبدأ ؟ تصور مثلا لو أن الكسوف بدأ الساعة الحادية عشرة والنصف قبل أن ندخل ، هل نصلي صلاة الكسوف أم نصلي صلاة الجمعة ؟
يقول العلماء نصلي صلاة الكسوف إذا أمنا فوات وقت الجمعة ، فإذا فرغ من صلاة الكسوف وكان هناك وقت متسع لأداء صلاة الجمعة ، تصلى الجمعة بعد ذلك ، أما إذا خشينا أن تفوت صلاة الجمعة وأن يخرج وقتها ، وخروج وقتها إذا أذن للعصر ، فإن صلاة الجمعة يبدأ بها ، وكذلك صلاة الفرض ، لو أن الكسوف أو الخسوف حصل قريبا من صلاة من صلوات الفرض ، هل نبدأ بصلاة الفرض أم نبدأ بصلاة الكسوف ؟ نبدأ بصلاة الكسوف ما لم نخش على صلاة الفرض من أن يخرج وقتها ، فإذا خشي أن يخرج وقتها ، فنبدأ بصلاة الفرض لأنها أهم ، ولذلك يرى ابن القيم رحمه الله أن صلاة الكسوف واجبة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة ) وكيف يليق بالناس أن يدعوا هذه الصلاة لو قلنا إنها سنة مع حصول هذا الحدث العظيم ؟
مسألة أخرى :
لو أن الإنسان أحب أن يصلي صلاة الكسوف منفردا ، فله ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل " فافزعوا إلى المساجد " وإنما قال
( فافزعوا إلى الصلاة ) فلو صلاها منفردا حصل المقصود ، ولكن الأفضل والأولى أن تصلى جماعة ، والأحكام المتعلقة بصلاة الكسوف كثيرة ، لكني أقتصر على هذا الأمر، والذي دعاني أن أغير موضوع الخطبة ، ما سمعته من بعض الفلكيين الذي يزعم أن علماء الشرع يقولون أشغلونا ، ما حصل من شيء إلا قالوا إنما سببه الذنوب ، ومن ذلك الكسوف قالوا إن سببه الذنوب ، ويقول أتحدى أن يأتي شخص لي بحديث يدل على أن هذا يحصل من الذنوب ، وقد سمعتم ما سمعتم من الأدلة ، نسأل الله عز وجل أن يرد ضال المسلمين إليه ردا جميلا .
الخاتمة : .................. |