( ذكر الموت في السنة المطهرة )
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
أما بعد : فيا عباد الله /
تحدثنا في الجمعة الماضية عن ذكر الموت في القرآن الكريم ، وها نحن نوصل الحديث بالحديث السابق عن ذكر الموت في السنة المطهرة ، والأحاديث – عباد الله – الواردة في ذكر الموت كثيرة جدا ، اخترت بعضا منها – عباد الله – أوضحت السنة المطهرة أن من ذكر الموت وأكثر من ذكره فإنه أعقل الناس وأحزم الناس وذهب بشرف الدنيا وكرامة الآخرة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند ابن ماجة والطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( لما سأله رجل فقال يا رسول الله : من أكيس الناس ؟ ) يعني من أعقلهم ؟ ( فقال صلى الله عليه وسلم " هو أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا ، أولئك الأكياس ، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة " ) .
وأوضحت السنة أن أعظم درجات الحياء من الله أن يُذكر الموت ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، قال لأصحابه ( استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا يا رسول الله كلنا يستحي من الله ، فقال صلى الله عليه وسلم ليس ذلك ، وإنما من حفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فقد استحيى من الله حق الحياء ) وأوضحت السنة أن من أكثر من ذكر الموت فإنه يعيش في سعادة ، سواء كان في ضيق أم كان في سعة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( استكثروا من ذكر الموت فإنه ما من أحد ذكره في ضيق إلا وسعها الله عليه ، وما ذكره أحد في سعة إلا ضيقها الله عليه )
وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي أن الإكثار من ذكر الموت يهدم اللذات ويشتتها ويفرقها ، قال صلى الله عليه وسلم ( أكثروا من ذكر هادم اللذات ) وضبط بالذال المعجمة ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات ) فقوله صلى الله عليه وسلم ( أكثروا من ذكر هادم اللذات ) يعني مزيل اللذات كما يهدم الجدار ، أما معنى ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات ) يعني مشتت ومفرق اللذات .
وقد أوضحت السنة أن من أكثر من ذكر الموت فإنه ينال درجات عالية من الله سبحانه وتعالى ، جاء عند البزار والطبراني ( أن الصحابة رضي الله عنهم ذكروا رجلا بحسن عبادة ، فقال صلى الله عليه وسلم كيف ذكره للموت ؟ قالوا ما نسمعه يكثر من ذكره كثيرا ، فقال صلى الله عليه وسلم إن صاحبكم ما بلغ كثيرا مما تذهبون إليه )
الموت – عباد الله – أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أنه فزع سواء كان هذا الميت مسلما أم كافرا ، فحقيقة الموت ورؤية الجنازة فزع ينبغي للمسلم أن يفزع حينما يرى جنازة ، في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنه قال ( مرت جنازة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام وقمنا معه ، قلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودي ، فقال صلى الله عليه وسلم إن الموت فزع ، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا ) بل إن من ذكر الموت في هذه الدنيا اعتبر نفسه بمثابة المسافر الذي لا مقام له ولا قرار ولا ثبات في هذه الدنيا ، يقول ابن عمر رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي ذات يوم فقال " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " ) قال ابن عمر رضي الله عنهما ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك )
بل إن الموت – عباد الله – كما جاء في السنة فيه استراحة وراحة ، مرت جنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه فقال صلى الله عليه وسلم لما رأى جنازة ( مستراح ومستراح منه ، قالوا كيف يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم إن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا ، وأما العبد الكافر الفاجر فإنه يستريح منه البلاد والعباد والدواب والشجر ) وأوضحت السنة أن أعظم طريق للعبد لتذكر الموت أن يكثر من زيارة المقابر ، قال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم ( زوروا المقابر فإنها تذكر الموت ) بل إن الموت – عباد الله – هو خير للمؤمن ، فمن أحسن أحوال المؤمن هي حال الوفاة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند النسائي ( إن المؤمن على خير في كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله عز وجل ) وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الروح إذا ذهبت تبعها البصر ، فإن ابن آدم إذا ذهبت روحه ينظر إليها ، ولذلك يشخص بصره إذا مات ، لأنه يرى روحه لما تخرج من بدنه إلى أين تذهب ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( ألا ترى الإنسان إذا مات شخص بصره ) يعني ارتفع بصره ( قالوا بلى ، قال صلى الله عليه وسلم فذلك حين يتبع بصره نفسه ) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من حضر محتضرا يشرف على الموت أن يلقنه الشهادة ، فقال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم ( لقنوا موتاكم ) يعني من أشرف على الموت ( لقنوا موتاكم " لا إله إلا الله " ) يعني يلقنه كلمة التوحيد كما يلقن الطفل الصغير ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في سنته كما عند مسلم ، كما قال جابر رضي الله عنه مرشدا الأمة كما عند مسلم ( سمعت قبل أن يموت بثلاث يقول لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) فعلى العبد في آخر ساعاته إذا أوشكت روحه أن تخرج أن يحسن ظنه بربه عز وجل ، وقد أوضحت السنة أن العبد ينبغي له أن يبادر إلى الصدقة وإلى الخير قبل أن يتوفاه الله عز وجل ، قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( ولا تُمهل ) يعني لا تتأخر ( حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان ) يعني إذا بلغت الروح الحلقوم وعاين الإنسان الموت ، فإنه لو أوصى بوصايا فإن هذه الوصايا لا تقبل إذا بلغت روحه الحلقوم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( وقد كان لفلان ) يعني ذهب هذا المال الذي كان لك لفلان ، يعني إلى الوارث .
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ( أن الجنازة إذا احتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها ؟ وتصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها لصعق ) من شدة ما يصرخ ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا مات وخرجت روحه ودفن في قبره ، يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده من النار غدوة وعشيا ) يعني في القبر في أول النهار وفي آخر النهار ، يعرض عليه مقعده سواء كان من الجنة أو من النار ( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده من النار غدوة وعشيا ، يقال هذا مقعدك حتى تبعث يوم القيامة ) ومن مجموع ما جاء في الصحيحين والسنن ( أن العبد إذا قبضت روحه ودفن يسأل في قبره و يأتيه ملكان أسودان أزرقان أحدهما يقال له المنكر والآخر يقال له النكير ، فيسأل ثلاثة أسئلة من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ فإن أجاب نادى منادي أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا من أبواب الجنة ، فيأتيه من روحها و نعيمها و يوسع له في قبره مد بصره وينور له فيه سبعين ذراعا ، حتى يقول دعوني أذهب فأخبر أهلي ، فيقال له نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب الناس إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ، وأما إن كان فاجرا كافرا فإنه يسأل تلك الأسئلة فيقول " ها ها لا أدري " فينادي منادي أن كذب عبدي ففرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا من النار فيأته من حرها وسمومها ويضيق عليه في قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ) وفي رواية ( فيقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله عز وجل مرة أخرى ) وفي رواية في الصحيحين ( إذا سئل الأسئلة فلم يجب يقال له لا دريت ولا تليت ) لا دريت يعني لم تتعلم ( ولا تليت ) يعني لم تتل ما جاء في الشرع ( لا دريت ولا تليت ، فيضرب بمطرقة من حديد من بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين )
والأحاديث – عباد الله – في ذكر الموت كثيرة وإنما ذكرت نبذا منها وطرفا منها حتى نتذكر هذا الموت العظيم وهذا الحدث الجلل الذي لابد أن يمر به كل إنسان ، ومن نطق بهذا الأحاديث قد مر عليه هذا الموت وسيمر على كل من سمعه ومن لم يسمعه ، فنسأل الله عز وجل أن يجعل خير أعمالنا خواتمها وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه وأن يختم لنا بخاتمة السعادة وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا وأن يتولى أمرنا وأن يوسع لنا في قبورنا وأن ينور لنا فيها وأن يجعل آخر كلامنا من هذه الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ولعل الحديث يتواصل معنا عن ذكر الموت عند سلفنا الصالح ، فإن سلفنا الصالح طبقوا مثل هذه الأحاديث ومثل هذه النصوص في حياتهم ، وقد وردت عنهم آثار عظيمة لا شك أنها من أعظم ما كُتب عن هؤلاء السلف رضي الله عنهم .
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله /
الخاتمة : ............................ |