: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
محاسبة النفس
 

 

 

 


 

( محاسبة النفس  )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

أما بعد فيا عباد الله /

تحدثنا في الجمعة الماضية عن ( مجاهدة النفس ) فكان من المناسب والأليق في مثل هذه الجمعة – ولا سيما مع تصرم الأيام والأعوام – أن نتحدث عن محاسبة النفس ، يقول أهل اللغة : المحاسبة هي العد،  فالشيء المحسوب هو المعدود .

يقول الماوردي رحمه الله في كتابه [ أدب الدنيا والدين ]

يقول " محاسبة النفس أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر عنه في نهاره ، فإن كان محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه ، وإن كان مذموما كف عنه إن أمكن وانزجر عن مثله في المستقبل "

عباد الله – الشريك في هذه الدنيا في تجارة معينة يحاسب شريكه ويراقبه ويعاقبه ويعاتبه ، فكذلك الواجب على الإنسان في هذه الدنيا أن يحاسب نفسه وأن يعاقبها وأن يعاتبها وأن يحاسبها ، لأن في متابعة ومحاسبة النفس طريقا إلى دار الفلاح ، أما إذا أهملها العبد فإنها والله لا تورث صاحبها إلا العطب والفساد والخيانة والغدر ، فمحاسبة النفس هي تجارة مع من ؟ تجارة مع الله عز وجل ، تجارة ينال بها العبد السلعة الغالية ، ينال بها الفردوس الأعلى ، فتدقيق الحساب مع النفس أهم وأعظم من تدقيق الحساب من الشريك لشريكه في هذه الدنيا ، لم ؟ لأن الدنيا محتقرة ماضية مصيرها إلى الفناء ، فخليق بالإنسان العاقل الحازم أن يشدد على نفسه وأن يضيق عليها ، لأن كل نَفَس جوهرة لا يمكن أن تعوض أبدا ، ولو فرَّط حينها يندم ولا ساعة ندم ، فيندم العبد إذا قصَّر في محاسبة نفسه عند فراقه لهذه الدنيا { حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ{99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{100} من أهمل نفسه ولم يحاسبها ندم ، ليس عند فراق الدنيا فحسب ، بل عند وقوفه على شفير جهنم { وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنعام27 .

يقول الحسن البصري رحمه الله " رحم الله عبدا راقب همَّه ، فإن كان لله أمضاه وإن كان لغير الله تركه " فأين المحاسبة – عباد الله – على فعل الخطيئات وترك الواجبات ؟ فالمحاسبة كما يشدد عليها في التجارة في هذه الدنيا ، يجب أن يشدد في المحاسبة مع النفس ، فكما أن الشريك يحاسب شريكه في نهاية كل يوم أو في نهاية كل شهر أو في نهاية كل سنة ، فكذلك يحاسب نفسه بين الفينة والأخرى ، لأن المحاسبة في شراكة الدنيا إنما هي حرص على أرباح الدنيا ، والدنيا ما هي إلا أيام قلائل ثم يفنى العبد ، قال تعالى { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، هل أنت الآن كحالك في صحتك وعافيتك وحواسك وجوارحك كقبل عشرين سنة ؟ لا والله ، وهكذا دواليك دواليك إلى أن تصل الشيخوخة ، هذا إن وصلت إليها ثم إلى الفناء ، فكيف بما يتعلق – عباد الله – بالسعادة أو الشقاوة أبد الآباد ؟!

يقول ابن القيم رحمه الله – وما أحسن ما يقوله ابن القيم – يقول في مدارج السالكين " المحاسبة أن تقايس ما بين ما مَنَّ الله به عليك وما قدمته لله " يقول رحمه الله انظر ماذا أسداه جل وعلا و أكرمك به وانظر إلى ماذا قدمته نظير هذه النعم ، يقول رحمه الله " أن تقايس ما بين ما من الله به عليك وما قدمته لله ، فحينئذ يظهر لك التفاوت ، ومعلوم أنه ليس إلا عفو الله وكرامته أو الفساد والهلاك والعطب " ثم يقول رحمه الله " وبهذه المقايسة تعلم حقيقة النفس وتعلم حقيقة الرب جل وعلا وما تفرد به من الكمال والإفضال والإنعام  فكل نعمة منه جل وعلا فضل وكل نقمة منه جل وعلا عدل " { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }فصلت46، انتهى كلامه رحمه الله .

الصحابة رضي الله عنهم كانت لهم قلوب نيرة مقبلة إلى الله عز وجل ، في صحيح مسلم ( مرَّ أبو بكر رضي الله عنه بحنظلة الأسيدي رضي الله عنه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف أنت يا حنظلة ؟ قال يا أبا بكر نافق حنظلة ؟ قال أبو بكر وما ذاك ؟ قال إذا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا بالجنة والنار كأنها رأي عين ، فإذا افترقنا منه عافسنا الزوجات والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا ، قال أبو بكر رضي الله عنه والله إني لألقى مثل ما تلقى ، فقال حنظلة فانطلقت أنا وأبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بالخبر ، فقال صلى الله عليه وسلم : لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ، ساعة وساعة ، ساعة وساعة " ) كررها ثلاثا صلوات ربي وسلامه عليه ، ومن هنا نعلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم

( ساعة وساعة ) المقصود منها أن يتجمم الإنسان ويريح نفسه في بعض الأوقات بما أباح الله لا بما حرم الله ، لا كما فهم بعض من الناس من أن قوله ( ساعة وساعة ) أن ساعة يعصي فيها الله وساعة يقبل فيها على الله ، هذا تفسير خاطئ ، لأن الحديث بيَّن في صدره ماذا قصد صلوات ربي وسلامه عليه ، وما هي شكوى حنظلة ؟ قال ( عافسنا الزوجات والأولاد والضيعات ) وهذا مما أباح الله عز وجل أن تلاعب زوجتك وأن تلاعب وتلاطف أولادك وأن تمارس تجارتك وحياتك الدنيوية ، فقال صلى الله عليه وسلم ( ولكن يا حنظلة ساعة وساعة )

هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول كلمات نادرة مشرقة مضيئة ، يقول رحمه الله " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا ، وتزينوا للعرض الأكبر على الله { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ }الحاقة18 ، فإن أهون عليكم في الحساب أن تحاسبوا أنفسكم اليوم قبل أن تُحاسبوا غدا " وهل هي كلمات انطلقت من فِيه رضي الله عنه وانتهى الأمر ؟ لا والله ، يقول أنس رضي الله عنه " تبعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم حتى انتهى بي إلى حائط " يعني بستان  " فدخل الحائط ، فسمعته من وراء الجدار يقول ابن الخطاب بخٍ بخٍ ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك " محاسبة لنفسه في خلوة ، بل ما قصَّر رضي الله عنه في إسداء النصيحة لمن حوله ، نصح ذات يوم فضيل بن زيد الرقاشي ، فقال رضي الله عنه " لا يلهينك الناس عن ذات نفسك " بعض الناس إذا رأى الناس قد انغمسوا في اللذات وغفلوا ، قال الناس يفعلون هذا ، فعمر رضي الله عنه أراد أن يوقفه على أمر فقال رضي الله عنه له " لا يلهينك الناس عن ذات نفسك فإن الأمر يخلص إليك دونهم " أنت محاسب على ما فعلت ، يقول رضي الله عنه " فإن الأمر يخلص إليك دونهم ، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت " ربما أفعل وسوف أفعل كذلك " فإنه محفوظ عليك ما قلته " .

الأحنف بن قيس رحمه الله ، وهو أحد التابعين ، تبعه أحد أصحابه ليلة ، فيقول إذا أوشك الفجر أن يطلع أقبل على المصباح ووضع أصبعه أمامه وقال (حَسِ ) وهي كلمة توجع وتألم ( حَسِ يا أحنف ) بل يقول

( حَسِ يا حنيف ) من باب التصغير والتحقير " حَسِ يا حُنيف ، ما حملك على أن صنعت كذا في يوم كذا ؟ "

وهذا إبراهيم التيمي رحمه الله ، يقول " مثلَّت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من حميمها وأعالج أغلالها ، ثم رجعت إلى نفس فقلت يا نفسُ أي شيء تشتهين ؟ قالت أن أرجع إلى الدنيا فأعمل صالحا ، قال فأنت الآن في الدنيا ، أنت في زمن الإمهال "

وهذا الحسن البصري رحمه الله يقول " إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته " ثم قال رحمه الله " إن المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله ، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في هذه الدنيا ، وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة " ثم قال رحمه الله " إن المؤمن يفاجئه الشيء فيعجبه فيقول والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ، ولكن ما من صلة إليك هيهات هيهات إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن ، إن المؤمن أسير في هذه الدنيا يسعى في فكاك رقبته يعلم أنه مأخوذ عليه في قوله وعمله وجوارحه " انتهى كلامه رحمه الله .

وهذا مالك بن دينار رحمه الله يقول " رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا وكذا، ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائدا " وقال الحسن البصري رحمها الله تحت قوله تعالى { وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ }القيامة2 يقول رحمه الله " لا ترى المؤمن إلا معاتبا لنفسه يقول ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بكلمتي تلك ؟ "

وقد قيل – عباد الله – " إن العاقل ينبغي أن تكون له أربع ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يعاشر فيها إخوانه ليخبروه عن نفسه وعن فعله ويصدقونه في قوله وعمله ، وساعة يخلو بها بين ما أباح الله له ، فإن في تلك الساعة عونا على تلك الساعات وإجماما للقلوب " يعني راحة للقلوب .

ويقول ميمون بن مِهْران رحمه الله " لا يكون الرجل تقيا حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبته لشريكه في تجارته "

إذاً – عباد الله – من حاسب نفسه خفَّ عليه الحساب يوم الحساب ، ومن لم يحاسب نفسه ثقل عليه الحساب ودامت عليه حسرته وتتابعت عليه ندامته ، نسأل الله السلامة والعافية .

 

الخطبة الثانية

أما بعد : فيا عباد الله /

يقول ابن القيم رحمه الله كما في ( إغاثة اللهفان ) يقول " دل على وجوب المحاسبة قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ }الحشر18، قال رحمه الله " أي لينظر أحدكم ماذا قدَّم ليوم القيامة من الأعمال ، أمن الصالحات التي تنجيه ، أم من السيئات التي توبقه " ثم ذكر أثرا لقتادة رحمه الله إذ قال ( لا يزال ربكم يقرب لكم يوم القيامة حتى جعلها كغد ) والغد : هو اليوم التالي ليومك التي أنت تعيش فيه ، يقول ابن القيم رحمه الله " والمقصود أن صلاح القلب يكون بمحاسبة النفس ، وأن فساد القلب بإهمال النفس واسترسالها فيما حرَّم الله " وقال في موضع آخر في مدارج السالكين ، قال رحمه الله " لله در من قال كلما عظم المقصود في قلبك كلما صغرت عندك نفسك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصليه " ثم قال " وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفت نفسك وعرفت الله حق المعرفة " ماذا يتبين لك ؟ يقول رحمه الله " تبين لك أن ما معك من البضاعة لا تصلح للملك الحق ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته ، وإنما يقبله بكرمه وفضله ويثيبك عليك أيضا بكرمه وفضله عز وجل " انتهى كلامه رحمه الله .

ويقول يحيى بن معاذ الرازي " أعداؤك ثلاثة الدنيا والشيطان والنفس ، فاحترس من الدنيا بالزهد فيها ، واحترس من الشيطان بمخالفته ، واحترس من النفس بترك الشهوات "

إذاً – عباد الله – خلاصة القول أن من حاسب نفسه تحققت له السعادة في الدنيا وفي الآخرة ، وافترق وبعُد عنه شيطانه ورضي عنه ربه وأخاف شيطانه ، وخاف من ربه ، وإذا خاف من الله سبحانه وتعالى نال سلعة الله " ألا إن من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله هي الجنة " فلينظر العبد ماذا يجري في أيامه وفي أعوامه ، وها نحن في نهاية هذا العام ، وقد مر بنا في هذه السنة أمور كثيرة افتتنا بها ، لكن لعل القلوب أن تتعظ ، سيول جارفة ، أنفلونزا الخنازير  ، غلاء في الأسعار ، قلة بركة في الأموال ، بل قلة بركة حتى في الأولاد ، أمراض متعددة متنوعة { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ }التوبة126، وما هي إلا قطرات من الماء وفعلت ما فعلت كما تشاهدون في الصور وفي وسائل الإعلام ، وهذه دنيا عذابها يسير وعذابها قليل ، وعذابها لو أتى انقطع في يوم من الأيام ، لكن البلاء كل البلاء أن يدوم عليك العذاب في ذلك اليوم العظيم ، حينها لا ينفع الندم ، فاستحضر قلبك وعقلك وحاسب نفسك قبل أن تحاسب ، والله ما هي إلا أيام ثم يأتي العام الواحد والثلاثون بعد الألف وأربعمائة ، وهكذا ، والله كأني أتحدث بهذا الحديث في العام التاسع والعشرين ، أقول سيدخل علينا العام الثلاثون بعد الألف وأربعمائة ، والله ما هي إلا قلائل كأنها دقائق ، فهذا الكلام قلته قبل عام ، ونحن لنا الآن نحو ثمان أو تسع سنوات في هذا الجامع ونحن نخطب ، وكلما مرت سنة ذكرنا الناس بهذا ، وقلنا سيقدم علينا عام آخر ، وهناك أناس والله إني لأعلم أنهم قد حضروا معنا في الأعوام الماضية وذكرناهم بهذا الأمر وكانوا يصلون معنا ولا يحصون ومع ذلك أين هم الآن ؟ تحت أطباق الثرى ، ربما تكون يوم غد أو بعد غد أو بعد لحظات أنا وأنت تحت أطباق الثرى ، فلنتق الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }الحشر18 .

الخاتمة : .................

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com