( علام التشاؤم ؟ )
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
أما بعد فيا عباد الله /
كانت العرب فيما مضى إذا أرادت سفرا أو أن تقضي حاجة أتت إلى الطير فزجرت هذا الطير ، فإن مَرَّ هذا الطير عن يمينهم ذهبوا إلى ما أرادوا ، وإن أتى هذا الطير عن يسارهم أحجموا عما أرادوا ، وهذا – عباد الله – ما يسمى بالتطير الذي يعرف عندنا بالتشاؤم ، فالتشاؤم مذموم في شرع الله عز وجل ، يقول ابن القيم رحمه الله كما في مفتاح دار السعادة ، واصفا ذلك المتشائم بقوله رحمه الله [ فإن المتطير ] يعني المتشائم ، الذي يتشاءم من الأشخاص أو يتشاءم من الأزمان من شهور أو أيام ، أو يتشاءم من أماكن ، هذا هو معنى التشاؤم ، يقول رحمه الله [ فإن المتطير متعب القلب ، منكد الصدر ، كاسف البال ، سيئ الخلق ، يتخوف من كل ما يراه ويسمعه ، فيصير أشد الناس وجلا ، وأنكدهم عيشا ، وأضيقهم صدرا ، وأحزنهم قلبا ، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظ ومنعها من رزق وقطع عليها من فائدة ] ثم استطرد قائلا رحمه الله [ وأما من لم يلتفت إليها ولم يلق لها بالا ولم يشغل نفسه بها ولا فكره ، فإن ذلك يذهب عنه ويضمحل ، وقد شفى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالطيرة حيث سئل عنها فقال ( ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم ) ]
ويقول الماوردي رحمه الله كما في كتاب " أدب الدنيا والدين " يقول [ اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة ، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل ] ثم استطرد قائلا رحمه الله [ ينبغي لمن ابتلي بالتطير أن يصرف نفسه عن دواعي الخيبة وذرائع الحرمان ولا يجعل للشيطان سلطانا في نقض عزائمه ومعارضة خالقه ، ويعلم أن قضاء الله غالب وأن رزقه له طالب ، فليمض في عزائمه واثقا بالله إن أعطاه وراضيا به إن منعه ]
ولتعلموا – عباد الله – أن التشاؤم كان موجودا في الأمم السالفة ، لما أتى موسى عليه الصلاة والسلام إلى قومه تشاءموا منه { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } من قحط أو جذب أو مرض أو فقر {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ } يقول القرطبي رحمه الله كما في التفسير [يقولون ذهبت حظوظنا من الرخاء والخصب والعافية عندما جاء موسى ] والتطير الذي هو التشاؤم موجود أيضا في قوم صالح ، قال جل وعلا {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ} يعني شؤمكم الذي هو كفركم هو عند الله عز وجل ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم المتفائلين ، كان يتفاءل صلوات ربي وسلامه عليه ، ولذلك في الصحيحين يقول ( ويعجبني الفأل ، قيل ما الفأل يا رسول الله ؟ قال الكلمة الطيبة ) ولذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ( إذا أراد أن يقضي حاجة فانطلق أحب أن يسمع يا راشد ويا نجيح ) وهكذا يبغي للمسلم أن يحسن ظنه بالله عز وجل وليتفاءل ، فإن التشاؤم سوء ظن بالله عز وجل ، ولذلك يقول بريدة رضي الله عنه كما عند أبي داود ( كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتطير بشيء ) فينبغي للمسلم حينما يذهب لقضاء حاجة فرأى مثلا فيها اسم سعيد يتفاءل ، أو يبصر مثلا لوحة سيارة مكونة من ثلاثة أحرف لو جمعتها ونطقت بها دلت على كلمة خير يتفاءل ، ولا يتشاءم بما يراه و بما يسمعه ، وكذلك لو انطلق وسمع كلمة سعيد أو يا راشد أو يا ناجح ، أو ما شابه ذلك من هذه الألفاظ فلتدخل على نفسه السرور ولتأته بالتفاؤل ولتبعده عن التشاؤم ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن التشاؤم لا يسلم منه أحد ، قد يقع في القلب ، ولكن العاقل هو الذي يزيله بالتوكل وتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى ، في صحيح مسلم قال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه ( قال يا رسول الله ومنا أناس يتطيرون ) فماذا قال صلى الله عليه وسلم ؟ ( قال فذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم ) يعني يجب عليهم إذا وقع شيء من هذا التشاؤم في نفوسهم ألا يصدنهم عما يريدون الذهاب إليه ، ولذلك ارتقى المتفائلون المبتعدون عن التشاؤم ارتقوا إلى أعظم منزلة ، إذ إنهم من ضمن من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب ، في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( لما عرضت الأمم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عرضت عليه أمته ومن بينهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء ؟ فقال : هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) هذا هو مناط الأمر أنهم يتوكلون على الله عز وجل ، ولا تعيقهم ولا تثنيهم كلمة أو مشاهدة – كلا – وإنما هم واثقون بالله جل وعلا ، محسنون الظن بالله عز وجل ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ( الطيرة شرك ، الطيرة شرك ، الطيرة شرك ) ثم قال ابن مسعود رضي الله عنه ، وهذا أصح ما نقل عن المحققين من أهل الحديث أن هذه الجملة الأخيرة التي سأذكرها هي من قول ابن مسعود وليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ابن مسعود ( وما منا ) يعني ما منا من أحد يسلم من التطير والتشاؤم ، لأنه يقع في القلب ، ولكن كيف نبين السالم من غير السالم ؟ إذا لم تصده هذه الطيرة أو يصده هذا التشاؤم عما أراد ، ولذلك قال ( وما منا ، ولكن الله يذهبه بالتوكل ) لأن التطير – عباد الله – من أنواع الشيطنة والتكهن ، ولذلك في مسند الإمام أحمد من حديث قبيصة الهلالي قال عليه الصلاة والسلام ( إن العِيافة ) يعني زجر الطير (والطيرة) يعني التشاؤم ( والطَرْق ) الطرق : أناس فيما مضى يضربون في الرمال ويخطون خطوطا ويقولون لشخص سوف يحدث لك كذا وسيحل بك كذا ، قال عليه الصلاة والسلام ( إن العيافة والطيرة والطرق من الجبت ) يعني من السحر والتكهن والشيطنة ، وإلا ما علاقة الخطوط ؟ بعض الناس قد يفعل هذا في خطوط يده ، يأتيه إنسان وينظر في خطوط يده التي هي في الكف، ويقول سوف تتزوج بفلانة أو سيحصل لك غنى أو سيحل بك مرض ، أو ما شابه ذلك ، وهذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المسلم دعاء يتخلص به من التشاؤم ، في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ) كونك تذهب إلى حاجة معينة فتسمع شيئا مكروها أو ترى شيئا مكروها فتحجم ، فهذا من الشرك ، قال صلى الله عليه وسلم ( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ، قالوا يا رسول الله وما كفارة ذلك ؟ قال : يقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك )
يقول ابن حجر رحمه الله كما في الفتح [ كانوا ] يعني أهل الجاهلية [ يهيجون الطير ، فإذا أتى عن ميامنهم سموه بالسانح ] لأنهم يتفاءلون بذلك إذا مر الطير فأتى عن يساره ثم أتى في نهاية الأمر عن ميامنه ، ويقول رحمه الله [ والبارح بالعكس من ذلك ] يعني البارح إذا أتى الطير عن يساره ، قال رحمه الله [ وليس في شيء من سنوح الطير ولا من بروحها ما يقتضي ما اعتقدوه ، إنما هو تكلف لا أصل له ، إذ لا نطق للطير ولا تميز لها ]
ويقول ابن القيم كما في كتابه " مفتاح دار السعادة " قال [ إن الطيرة من أبواب الشرك ، ومن إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته ، وهذا يعظم شأنه على من اتبعها نفسه واشتغل بها وأكثر العناية بها ، فتكون إليه أسرع من السيل إلى منحدره ] ثم قال رحمه الله مبينا أن التشاؤم خطره خطر عظيم وتتفتح له أبواب الوساوس فيما يسمعه وفيما يراه ويعطاه [ فيفتح له الشيطان ما يفسد عليه دينه وينكد عليه عيشه ، فإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفة ، تطير به وتشاءم بيومه كله ]
والمتشائم – عباد الله – لا ينال درجات عالية في الآخرة فضلا عما يفوته من الدرجات في هذا الدنيا ، نقل ابن حجر رحمه الله حديثا في كتابا " الزواجر " حديثا عند الطبراني وصححه رحمه الله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لن ينال الدرجات العلا من تكهن أو استسقم أو رجع من سفره تطيرا )
ويقول القرطبي رحمه الله كما في التفسير : [ وليس في الناس من يعلم منطق الطير ، إلا ما كان الله عز وجل أخص به سليمان من ذلك ، فالتحق التطير بالباطل )
الخطبة الثانية
أما بعد : فيا عباد الله /
نقل ابن حجر رحمه الله في الفتح ( أن ابن عباس رضي الله عنهما كان جالسا ، فمر طير فنعق هذا الطير ، فقال رجل " خير خير " فقال ابن عباس رضي الله عنهما لهذا الرجل : لا خير ولا شر عند هذا الطير ) طير نعق ، طير صاح ، ما الخير الذي أتى به وما الشر الذي جلبه ؟ ولذلك هناك كلمة دارجة على ألسنتنا ، إذا استفز الإنسان موقف من شخص قال ( خير يا طير ) فهذه لها علاقة بالتطير ، وإلا ما علاقة كلمة خير بهذا الكلمة و هي كلمة (طير) ، التي تندرج على ألسنة كثير منا ، يقول ( خير يا طير ) فهذه من الألفاظ التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها ، ولذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما سار ذات ليلة مشرقة منيرة ، فتحدث رجل معه اسمه مزاحم قال ما أجمل هذه الليلة وما آنسها ، فقال عمر بن عبد العزيز ، كأنه لمس منه أنه علَّق قلبه بهذه النجوم الطالعة في هذا الوقت ، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله " يا مزاحم نحن لا نسافر لا بليل ولا بنهار ، وإنما نسافر بالله الواحد القهار " فبعض الأشخاص قد يتبارك بالطالع ، يقول ظهر طالع فلان ، هذا من التطير ومن التشاؤم ، فلا علاقة للنجم بما يتعلق بالإنسان وما يحل به من خير أو من شر ، ولذلك يقول الشاعر :
بربك ما تدري الضوارب بالحصى |
|
ولا زاجرات الطير ما الله صانع |
وقال آخر :
الزجر والطير والكهان كلهمُ |
|
مُضَلَّلون ودون الغـــيب أقفال |
وما عاجلات الطير تُدني من |
|
الفتى نجاحا ولا عن ريثهن قصور |
إذاً التشاؤم ينافي التوكل على الله عز وجل ، تتعطل مصالح المتشائم ، تحصل له الخيبة والخسران ، فيه دلالة وعلامة على اضطراب عقله وخفة نفسه ، وفيه تشبه بأهل الجاهلية ، وفيه منافاة لما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله الذي حث فيهما على التفاؤل ، نسأل الله عز وجل أن يجعل توحيدنا توحيدا كاملا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
الخاتمة : .................. |